زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني

من البديهيات السائدة في منظومة المعرفة السياسية والفلسفية التي تحاول قيادتنا، أو أنها تقودنا بالفعل، ارتباط مصطلحي الديمقراطية وحكم الأغلبية ارتباطًا عضويًا. مع ذلك ثمة جهل، أو في أفضل الأحوال لنقل التباسا، وربما تشويها متعمدا لمعنى المصطلحين.

لقد استعرضنا في إسهام سابق في هذا الموضع مختلف مفاهيم الديمقراطية عبر العصور، وأن الإنسانية شهدت ظهور عدة أشكال أو أنماط أهمها، في العصور الحديثة، الديمقراطية التشاركية التي ظهرت أول الأمر في كومونة باريس، والديمقراطية التمثيلية أو النيابية، أي انتخاب الشعب ممثلين له لمجلس النواب، التي تطورت في أوروبا، ويمكن للراغب العودة إلى العرض المذكور آنفًا أو إلى الكتاب نفسه عن تاريخ الديمقراطية.

تطبيق الديمقراطية النيابية يشترط توفر شروط بديهية في مقدمتها توفر عقد اجتماعي يجمع عليه سكان دولة ما, وفي حالة غيابه تتحول الديمقراطية النيابية إلى استبدادية ومن ثم إلى نظام طاغية

ونظرًا لعدم تقديم علماء الفكر البرجوازي تعريفا علميا محددا بما تعنيه الديمقراطية من منظورهم، واكتفائهم بالقول: إنها حكم الشعب! فإننا نقبل تعريف العالم النيوزيلندي للديمقراطية وهي، وفق ما كتب بإيجاز لا يُخِل: شكل من الحكم (أو الحكم الذاتي) يتيح سبلاً معتبرة تستطيع غالبية المواطنين من خلالها أن تمارس تأثيراً كبيرًا في صنع القرارات والسياسات.

أما الأغلبية هنا فلا تعني العددية لقسم من سكان أو شعب دولة ما وهيمنتهم على مقدرات أقسام أو مكونات المجتمع الأخرى، وإنما أغلبية سياسية، أي غلبة اتجاه سياسي محدد يكلف بإدارة شؤون الدولة والمجتمع، إن رغب، لكن على أرضية عقد اجتماعي تتفق عليه كل مكونات مجتمع في مرحلة ما بعد الدولة الوطنية، يحمي حقوق كل قسم من السكان، الأضعف والأفقر. في الدول الرأسمالية فإن البند الرئيسي في العقد الاجتماعي هو حماية الملكية الخاصة حماية تصل إلى مستوى التقديس، إن صح التعبير.

لنكن أكثر تحديدًا، ولننطلق من المفهوم البرجوازي للدولة إذ يعرفها بأنها أداة تنظيم المجتمع. ومن هذا المنطلق فإن الأغلبية السياسية تعني بالضرورة أن الطرف الذي تؤول إليه مقدرات حكم دولة ما ليس سوى إدارة مؤقتة، عهد إليها رعاية شؤون المجتمع.

بالتالي، فإن تطبيق الديمقراطية النيابية يشترط، في ظننا، توفر شروط بديهية، وفي مقدمتها توفر عقد اجتماعي يجمع عليه سكان دولة ما. وفي حالة غياب مثل هذا العقد تتحول الديمقراطية النيابية إلى استبدادية ومن ثم إلى نظام طاغية.

إضافة إلى ذلك، من شروط عمل النظام النيابي شفافية المرشحين، وامتلاك الناخبين معارف كاملة عنهم، بما يعني حرية الصحافة، أي حرية الوصول إلى المعلومات الضرورية ذات العلاقة. ما نعنيه هنا هو أن الديمقراطية النيابية ليست انتخاب مجلس وانتهى، وإنما منظومة سياسية اجتماعية متكاملة، وإلا تحولت إلى مسرحية هزلية.

هذا يعني ضرورة توفر شروط موضوعية وذاتية كي تفعل الديمقراطية النيابية فعلها بنجاح، ومن ذلك امتلاك المنتخبين أو من يحق لهم المشاركة في الاقتراع الوعي الكافي للمشاركة في الحياة السياسية. أي أن هذا النمط من التنظيم السياسي يناسب مستوى محددا من التطور المعرفي لدى الأفراد ووعيهم لذاتهم، مواطنين في دولة وأفرادا في مجتمع.. أشجار يكونون مع بقية أشجار الغابة، أو غصن يشكل مع بقية الأغصان شجرة باسقة يانعة، لا من منظور انتمائهم إلى طائفة محددة أو لعشيرة أو لقبيلة أو لمذهب أو لدين.

لذا فإن تطبيق الديمقراطية التمثيلية نصًا وروحًا ليس ممكنًا، أو لنقل ليس مفيدًا، وهي لا تؤتي أكلها في مجتمعات في درجة متدنية من التطور الاجتماعي والفكري. فالتطبيق الأعمى، أو استنساخ تجارب شعوب وأمم أخرى وفرضها على شعوب متباينة الفكر والقدم والتكوين وما إلى ذلك سيؤدي حتمًا إلى نتائج معاكسة.

هذه بديهيات معروفة في علم الاجتماع وفي العلوم السياسية في دول العالم الصناعي، ومن واجب النخبة، وهي بالضرورة متقدمة بما لا يقاس على المثقفين الذين هم في أغلبيتهم من حاملي الشعارات الشعبوية، قيادة الشعب نحو بر الأمان وتعريفه، بعيدًا عن الشعارات التي تخطف البصر وتعمي البصيرة، بتفاصيل أمور يقود الانحراف عنها للتهلكة.

كنا كتبنا في مطلع "الحراكات الشعبية" التي انطلقت قبل عامين في بعض دول وطننا العربي، ناهيك عن كثير من المطالب التي طرحت في المظاهرات، مطالبنا وأمانينا، إلا أننا رفضنا بوضوح لا لبس فيه شعار حكم الأغلبية. السبب أن كثيرا من رافعي هذا الشعار، وغيره، لا يدركون أبعاده وفعله في المجتمع لأنهم يعني في ظنهم الأغلبية العددية، ولعدم توفر عقد اجتماعي يجمع عليه الشعب ككل، بصفته مجتمع الدولة الوطنية.

لنكن أكثر وضوحًا ومن دون خداع الذات ووهم خداع الغير. فنحن أبناء هذه الأمة وهذه المجتمعات، وعشناها ونعرف أنفسنا أفضل بكثير مما يدعي الغير معرفته عنا، ونعرف مصالحنا أفضل مما يرسمه الغير لنا، ولسنا في حاجة إلى استيراد تجارب معلبة، ولا الخضوع لمدعي احتكار المعرفة.

الاستنساخ المشوه لأنماط حكم الغرب الصناعي المتطور، الذي كثيرًا ما هُلل له، سيقود إلى دكتاتورية تختفي وراء مصطلح الديمقراطية غير المحدد معناه!

فنحن أمة عتيقة وجذورنا التاريخية ضاربة في أعماق الأرض والتاريخ. ونحن أيضا أمة طيبة وسلبياتنا، مقارنة بمن يضع نفسه في مواجهتنا وضدنا، لا تقاس بسلبياته. مع ذلك علينا التواضع ولا نقول إنه كافٍ.

نعم، علينا تعلم أمور من غيرنا ممن مر بتجارب مماثلة وتمكن من حلها لما فيه المصلحة العامة، رغم ضبابية هذه المصطلحات، كي نتجنب أخطاء قاتلة. إن الاستنساخ المشوه لأنماط حكم الغرب الصناعي المتطور، الذي كثيرًا ما هُلل له، سيقود إلى دكتاتورية تختفي وراء مصطلح الديمقراطية غير المحدد معناه! فإضافة إلى التباينات البديهية بين مجتمعاتنا، يمتلك الغرب حاليًا مقدرات الاقتصاد العالمي، مع أنه بدأ يفقد ذلك لصالح قوى جديدة نامية مثل الصين والبرازيل.

إن تلك النظم الغربية تعاني مشاكل لا حصر لها، رغم امتلاكها قرار إعلان نفسها صالحة ومؤهلة للبقاء أو غير ذلك. فها نحن نرى العديد منها تتهاوى اقتصاديًا الواحدة تلك الأخرى، ويعلن إفلاسها المالي، ناهيك عن الأزمات المميتة التي مرت بها منذ انتصارها في الحرب الباردة، وتفقد بالتالي استقلاليتها وحريتها وتخضع، رغم أنفها، لإملاءات الطرف الأقوى الذي يقرر من يتسلم دفة الحكم، عبر انتخابات ديمقراطية طبعًا.

إضافة إلى ذلك علينا أن لا ننسى أن النظم الديمقراطية النيابية أغرقت العالم في حربين عالميتين أدت إلى هلاك عشرات الملايين من البشر وخسائر مادية وروحية لا حصر لها، ويضاف إليها حروب كثيرة خاضتها في دول أخرى أو أشعلت حروبًا بالنيابة في دول العالم النامي. وهذا كله تم باسم الديمقراطية وحكم الشعب!

لنتذكر، ليس من الممكن إقامة نظام ديمقراطي من دون ديمقراطيين. ليس من الممكن إقامة نظام سياسي اجتماعي متعدد عابر من دون مواطنين يؤمنون بالتعددية. هذه أمور بديهية ومعروفة. في حال محاولة تأسيس نظام ديمقراطي تمثيلي من دون ديمقراطيين فسينتهي الأمر ليس إلى تثبيت المفاهيم الديمقراطية، بل إلى تعميق الانقسامات الوطنية والعشائرية والمذهبية.. إلخ والعودة إلى مرحلة ما قبل الدولة الوطنية. فليس من الممكن إقامة نظام ثوري ولا إطلاق ثورة من دون ثوار. وليس الوصول إلى الحرية بأدوات غير حرة ولا تؤمن بحرية الغير، علما بأن حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخر.

لنكن صادقين مع أنفسنا حتى نتمكن من الوصول إلى بر الأمان بأقل كلفة ممكنة. إننا أمة شعوبها، معظمهم، أو لنقل أفراد القسم الأكبر منها، كل واحد منا أسير الولاءات العائلية والعشائرية والقبلية وغيرها، وما تنتجه من فكر. نحن أمة تعاني مستويات مرتفعة من الأمية الفعلية والتطبيقية، إضافة إلى جهل العمل السياسي. نحن أبناء قرون من الهيمنة والاستبداد، ولم نمر بأي تجربة تعددية من قبل، رغم ما يقال عن تجارب يتيمة لم تدم فصلاً، فلم تتمكن من ضرب جذورها في المجتمعات.

الديمقراطية ليست انتخابات تمثيلية دورية وانتهى، ولا حرية تشكيل أحزاب كيفما كان، وإنما الاعتراف البديهي بحق الآخر أن يكون مختلفًا. الديمقراطية النيابية تعني الحق في الاختلاف والتعبير عن ذلك، الحق في التفكير على نحو مستقل عن الغير، قناعة كل أطراف المجتمع وممثليه بأن الوصول إلى الكرسي اللعين، كرسي السلطة، ليس هدفًا بحد ذاته وإنما وسيلة لتنفيذ برامج معلنة وليس أجندات خفية.

الديمقراطيات الغربية مرت بتجارب كثيرة وعانت شعوب الغرب الكثير قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه من ثبات اجتماعي، رغم العلات الكثيرة التي تشوب تلك النظم السياسية الاجتماعية.

فعندما توهمت تلك الدول أنها هي نهاية التاريخ، اكتشفت أنها مرحلة عابرة في تاريخ البشرية وليس أكثر من ذلك. حتى المفكر الأميركي فوكوياما مطلق الشعار تراجع عنه واعتذر عن تسرعه، علمًا بأنه ربط نهاية التاريخ المزعومة، أي النمط الاقتصادي الاجتماعي الرأسمالي الأخير في تاريخ البشرية، بانتصار المذهب البروتستانتي على الكاثوليكية في أميركا اللاتينية على نحو خاص، ودحرها على نحو نهائي.

بالعودة إلى مسألة الديمقراطية والأغلبية، قلنا منذ اندلاع الحراكات في بلادنا إن هَمَّ المضطهدين الأساسي حياتهم اليومية ومدى توفر شروط تحصيلهم حصة عادلة من الثروة الوطنية، وأن هذا العامل الاقتصادي هو الذي سيقرر وجهة التطور.

الديمقراطيات الغربية مرت بتجارب كثيرة وعانت شعوب الغرب الكثير قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه من ثبات اجتماعي، رغم العلات الكثيرة التي تشوب تلك النظم السياسية الاجتماعية

وقلنا إن كثيرا من أسباب اندلاع الحراكات يعود إلى الخضوع لإملاءات أدوات التحكم الاقتصادية الدولية، أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تجعل من الدولة الوطنية رهينة بيد المهيمن الاستعماري.

فرفض هذه السياسات يعني الدخول في مواجهات مع الغرب أو لنقل إملاءاته الاقتصادية، وبالتالي السياسية والعسكرية والفكرية، وبالتالي الخروج من عباءة التبعية، وفي مقدمة ذلك دخول مواجهة مع العدو الصهيوني بهدف استعادة فلسطين وتأسيس الدولة الديمقراطية مكان دولته العنصرية العدوانية التي أسسها الغرب في قلب وطننا العربي اعتمادًا على أساطير وخرافات وأكاذيب وسعار مذهبي متخلف. ففلسطين تبقى، رغم كل ما تعانيه حاليًا من إهمال هي الموحد الأول لشعوبنا، وهي الجرح المفتوح في جسد أمتنا العربية.

لذا عندما نقوِّم مدى التزام هذه أو تلك من القوى أو الأفراد بما يرفعونه من شعارات علينا حتمًا إخضاع برامجها للفحص المجهري ومقارنة أفعالها بالممارسة، ومن ذلك علاقاتها الاجتماعية الاقتصادية وبرامج تعبئة كوادرها ومحازبيها ولغتها وماضيها.. وما إلى ذلك. عندها فقط يمكن إطلاق أحكام ما إذا كانت على قناعة داخلية عضوية بما تطرح من شعارات، أو أنها تستخدمها من أجل الوصول إلى السلطة ومن ثم الانقلاب على النظام السياسي والقانوني الذي أفسح المجال أمامها لتسنم إدارة المجتمع ومؤسساته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك