عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري

 

انطرحت على مائدة النقاش لأول مرة حكمة العمل المسلح لإسقاط نظام الإنقاذ في السودان في أعقاب توقيع المعارضة الحزبية السلمية على وثيقة "الفجر الجديد" (كمبالا 6 يناير/كانون الثاني 2013) مع الجبهة الثورية التي هي تحالف الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وهو ميثاق أنكرته طوائف المعارضة قبل صياح الديك بعد هجمة حكومية قاسية هددت فيها بحل الأحزاب لمخالفتها لقانون تأسيسها الذي يجرم العمل المسلح أو الإعانة عليه. وتنصلت المعارضة عن الوثيقة ونفت تفويضها من وقعوا باسمها. وكانت دربكة استثمرتها الحكومة بشره لجماهيرية رخيصة.

لم نتوقف من قبل لمراجعة تكتيك الحرب المسلحة الشاملة برغم الكثير الذي خسرناه منه. ومن ذلك أن المقاومة السلمية استخذت له، وعطلت شغلها بين الشعب تنتظر الفرج بواسطته. بل حاولت هي نفسها أن تخوض غماره على أيام مهاجرها بأرتيريا في منتصف التسعينيات ثم تركته بعد فشل.

ولكنها ظلت تستظل بظله في الحركة الشعبية لتحرير السودان للعقيد جون قرنق. ولعل أميز تحليل لوثيقة "الفجر الجديد" أنها مجرد حشد لتوقيعات المعارضة الحزبية لتستعين بها الحركة الشعبية في الشمال (وهي جزء من الجبهة الثورية) لتحريك ميزان القوى لصالحها في مفاوضاتها مع الحكومة برعاية الاتحاد الأفريقي.

وهذه سنة قديمة في الحركة الشعبية منذ عهد قرنق اتخذت بها المعارضة الحزبية احتياطياً عند الحاجة. فمتى احتاجت لكسب نقاط في المفاوضات مع الحكومة أوعزت للأحزاب الغبينة من الإنقاذ فأيدتها. ومنها أن قرنق احتاج مرة لإضعاف موقف الحكومة حول "قومية العاصمة" (بمعنى حيادها الثقافي) في مفاوضات أدت إلى السلام الشامل في 2005، فوقعت له هذه المعارضة الحزبية على بياض.

ومن الدلائل على أن ميثاق الفجر الجديد كان عريضة لدعم مفاوض الحركة الشعبية هو توقيع يوسف الكودة، زعيم حزب الوسط الإسلامي، لوثيقة أخرى في كمبالا مع حملة السلاح، في أعقاب إثارة الفجر الجديد.

وخلت وثيقة الكودة من نقاط الخلاف في الفجر الجديد بالمرة. ولكن توقيع الكودة الإسلامي كسب في حد ذاته بغض النظر عن المعاني.

للمعارضة دفاع قديم عن حقها في الحديث إلى الحركات المسلحة وتوقيع مواثيق معارضة معها

للمعارضة دفاع قديم عن حقها في الحديث إلى الحركات المسلحة وتوقيع مواثيق معارضة معها. وسبق حسن الترابي بعد مفاصلته مع الإنقاذ إلى ذلك بتوقيع "عهد جنيف" مع الحركة الشعبية في فبراير/شباط 2001.

وحيثيات ذلك الدفاع أن حزب الحكومة يفاوض الحركات ويخلص إلى عهود معها مثل الذي وقعه نافع علي نافع عن المؤتمر الوطني مع قادة الحركة الشعبية في أديس أبابا في يونيو/حزيران 2011. وهذه مقارنة عرجاء للأسف. فالحكومة وحزبها يوقعان، في المفروض، باعتبار لميزان القوى الذي يتم على بينة من تقدير الاستعداد للقوات المسلحة والأمن علاوة على الاعتبارات الدبلوماسية.

ولست أثق أن الحكومة تقيم هذه الحسابات كما ينبغي وإلا لما كانت ترواح مكانها في أتون الحرب دهراً طويلا.

وتتحمل الحكومة بالطبع فساد أمرها كحكومة. أما توقيع الأحزاب فهو حالة معارضة محض لا تأخذ في الحسبان ما الحكومة ملزمة بأخذه وهي تفاوض حامل السلاح. فاتفاق الميرغني (الاتحادي الديمقراطي) -قرنق في 1988 كان في الغالب توفيقاً لأوضاع حزب الميرغني في الترويكا الحاكمة (حزب الأمة، والجبهة الإسلامية القومية، وحزب الميرغني).

أما اتفاق جنيف للترابي وقرنق فدلائل كثيرة تشير إلى أنه شمل ترتيباً عسكرياً مناهضاً للدولة في شمال ولاية بحر الغزال الجنوبية المتاخمة لدارفور.

تذرعت المعارضة في نفيها العنف عن نفسها بتوقيعها "الفجر الجديد" مع الجبهة الثورية بأنها إنما كانت تهديهم لسلوك الطريق السلمي في معارضتهم. وربما صدقوا. ولكن شواهد ذلك غير مريحة. فلم تنم المعارضة عادة نقد الاحتكام المعارض للبندقية كتكتيك. بل ظلت تجيزه بقولها مراراً وتكراراً إنها، وإن جنحت لأداة السلم في المعارضة، تتفهم لجوء غيرها إلى السلاح.

والتفهم بالأمر الواقع لا يعفي المعارضة السلمية من تكوين موقف ثاقب حول التكتيك السياسي. فكلنا يتفهم لجوء القاعدة للقوة في عملها السياسي ولكننا لم نكف عن نقدها للكلفة العالية لمثل هذا العمل.

وسبق لحزب كالأمة مؤاخذة المسلحين حين كان في الحكم بعد انتفاضة أبريل/نيسان 1985. فقد انتقد الحزب العقيد قرنق لاستمراره في حرب العصابات بعد سقوط جعفر نميري وانفتاح الطريق الديمقراطي بقيام انتخابات مرموقة في 1986 أعتزلها العقيد قرنق لأنها "طائفية".. فزعماء الأحزاب الدينية في رأيه مثل السيد الصادق والسيد الميرغني لهم صوتهم وأصوات سائر أنصارهم مما يعيد إنتاج النظام القديم في السودان. وهذا هروب كبير ومستحيل للأمام من الديمقراطية.

ولنضرب مثلاً قريباً عن هذا الهروب. فبينما "تتفهم" المعارضة الداخلية "تمرد" عبد العزيز الحلو، نائب والي جنوب كردفان السابق وزعيم الحركة الشعبية، تجدها صمتت صمتاً مطبقاً عن بواعث انقلابه على الديمقراطية ولجوئه للسلاح. فقد هرب الحلو للأمام من ديمقراطية حرص هو وحزبه أن تكون شفافة ذات مصداقية. فتأخر انتخاب الوالي في جنوب كردفان عاماً كاملاً بعد انتخاب الولاة الآخرين (أبريل/نيسان 2011) لأن الحلو وحركته احتجا على إحصاء السكان لعام 2008. وحملا الحكومة على إعادته في 2010. واتضح أنهما كانا على الصواب.

وتمت انتخابات الوالي على ما يرام حتى وصفها مركز كارتر، الجهة الأجنبية المكلفة لوحدها بمراقبة الانتخابات، بأنها جرت في سلام ومصداقيتها كبيرة برغم ما اكتنفها من عدم طمأنينة وحالات خرق للإجراءات.

وتتحمل الحكومة بالطبع فساد أمرها كحكومة. أما توقيع الأحزاب فهو حالة معارضة محض لا تأخذ في الحسبان ما الحكومة ملزمة بأخذه وهي تفاوض حامل السلاح

وقال المركز إن مكان رد هذه الخروق هو ساحة المحاكم. ولم يشذ عن هذا التقويم مراقبون آخرون في البعثات الدبلوماسية في الخرطوم. ولكن الجنرال الحلو، الذي يقود الفرقة التاسعة من جيش الحركة الشعبية في ولايته، لم يقبل بالنتيجة التي جاءت في غير صالحه. وزعم أن الانتخابات مزورة. فتمرد. وهذه سنة في جنرالات الحركة الشعبية في الجنوب. فلمّا لم يفوزوا أو لم يفز مرشحهم "دخلوا الغابة" مثل جورج أطور وجيمس قاي وقوردن تونق.

لا ينبغي لنصرة الأحزاب المعارضة للحلو نظراً لتظلماته السياسة والتاريخية أن يعفيها من تمييز تكتيكاتها عن تكتيكاته على بينة. فبتمرده فقد السودان ولاية كان بوسعها أن ترجح ميزان القوى للديمقراطية، لنفوذ الحركة الشعبية القوي فيها، بإنفاذ متبقيات اتفاق السلام الشامل.

هذا من وجه إيجابي. أما من جهة سالبة فقد أدى حمل الولاية للسلاح إلى تضييق هامش الحريات المتاح في بقية القطر. ومن رأي إدريس حسن، الصحافي المخضرم، أن الفجر الجديد، كميثاق مع مسلحين، سيخول للحكومة تجفيف هامش الحريات المضطرب بأخذ النشاط السلمي بجريرة العمل العسكري عوداً إلى المربع الأول 1989.

فالخسارة في اتباع التكتيك المسلح بغير هدي مزدوجة: لم نفقد به حقلاً للديمقراطية في "الجنوب الجديد" كما يسمون ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، بل خسرنا هامش الحريات في غير تينك الولايتين بمتوالية هندسية. فصار عقد ندوة ثقافية محض في عقر دار الجماعات الثقافية بالخرطوم وغيرها من محرمات النظام. وعادت الرقابة القبلية للصحف بأشرس مما حدث قبلاً.

لا أواخذ هنا التكتيك المسلح من وجهة نظر سلاموية. فللنضال بفوهة البندقية مشروعية ولكنه مثل الطلاق "أبغض الحلال". فأنت لا تتبعه لأنك قادر على اتباعه ولك فرقة مسلحة تحت تصرفك للغاية. فهو آخر ما يلجأ إليه المناضل بعد استنفاد جهاده بقوة ليناضل بالقوة.

وأنت لا تسلك طرقه الوعرة بعذر أن الإنقاذ هي التي استفزتك لترفع السلاح إن طمعت في العدل -وكان هذا التحدي وما زال حماقة إنقاذية بلهاء- فتنصاع لها.

فلا يرسم السياسي تكتيكه بدعوة من الخصم. وسخر أحدهم من هذا المنطق من قبل فقال ما يفعل المعارض لو قال له الرئيس البشير ارقص عشرة بلدي قبل أن تطيح بي.

لعله من اللافت هذه المرة أن المعارضين السلميين عابوا معارضة الكفاح المسلح في سياق نقدهم لميثاق الفجر الجديد. فقال الحزب الوحدوي الناصري، الذي كان يأمل في جذب المقاتلين إلى خيار المقاومة المدنية، إن العمل العسكري سيقود إلى تعميق الأزمة السياسية.

وشابت الغيرة الحركات، لا يريد واحدها للحكومة أن تفاوض غيره. فحتى العدل والمساواة، التنظيم القوي بقيادة خليل إبراهيم، انسحبت من منبر الدوحة في 2011 ضيقاً بشراكة آخرين فيه

وحتى من اعتقد في وحدة المقاومتين مثل الدكتور صديق أم بدة فضّل أن جاءت الإشارة إليهما بغير تحديد مثل قولنا إسقاط الإنقاذ "بكل الوسائل".

كما قال الصادق المهدي إن العمل العسكري، لو نجح، سيفرض وصاية جديدة لمالك السلاح على من هو خلو منه. وهو ما أخذه، البراق النذير البراق، من الكتاب اليساريين، أيضاً على التكتيك المسلح.

فقال إن وجود السلاح بيد قوى معارضة بعينها سيقرر تكوين الحكومة الانتقالية لصالحها. وطالب للضمان أن يشمل ميثاق الفجر الجديد نصاً يحل المليشيات المعارضة مثل ما قضى بحل مليشيات الحكومة ودفاعها الشعبي. فكتائب المعارضة المسلحة هي أيضاً، في قوله، قوى لم تترعرع في عقيدة قتالية تتنزل عند الإرادة الشعبية. واتفق معه أم بدة في وجوب التزام المسلحين بدمج قواتهم في الجيش السوداني الذي هو موضوع إصلاح مختلف. بل قال إن على المعارضة ألا تروع الدفاع الشعبي الحكومي بالحل. فتخويفه استفزار يجعل كلفة التغيير فادحة.

وبلغ النقد للتكتيك المسلح في أعقاب دربكة الفجر الجديد حداً اضطر الحلو أن يدافع عنه. فجاء بحجة أن الإنقاذ هي التي طلبت أن تلقاهم من وراء ذلك الوادي في ما نسميه عندنا بـ"المطالعة" مما سبق لنا الرد عليه.

وأضاف أن من يستنكر مثل ذلك الجهاد على الهامش لم يسبق له استنكاره على قوى المركز التي استخدم سائرها الانقلابات للوصول للحكم.

وبالطبع الانقلاب عمل يقع داخل القوات المسلحة بشكل رئيسي لا يرتهن بقوى مدنية كما العمل المسلح. ناهيك من أن الانقلاب من مكروهات السياسة السودانية التي أسقط الشعب فيها حكومتين جاءتا عن طريقه في 1958 و1969.

بدا لي أن تحفظ المعارضين السلميين على العمل المسلح ارتكز على كبواته الظاهرة, فأخبار الحركة الشعبية وجيشها الشعبي في "سودان الجنوب الجديد" غير مشجعة.

كما أئيست حركات دارفور المسلحة منه. فبينما احتدمت الخصومة في أعقاب وثيقة الفجر الجديد كانت الحكومة تلقى الفرج بدخول حركة منسلخة من حركة العدل والمساواة في مفاوضات معها في منبر الدوحة.

احتكرت الحركة المُفَاوضة للحكومة مطلب "قسمة الثروة والسلطة" لها خاصة دون الآخرين. وتقطعت بسبب هذه الأنانية أواصر الزمالة والقضية بين الحركات وأنبتت عرى الحركات بالشعب الدارفوري

وصار تفاوض حركات دارفور من وراء ظهر بعضهم البعض، والتحالف مع الحكومة، عادة فاشية فيها.

وبدا أكثر جهادهم طلباً لغنم من الحكومة لا اعتبار فيه لحليف من دارفور أو للمعارضة الحزبية والشعبية في المركز.

وشابت الغيرة الحركات، لا يريد واحدها للحكومة أن تفاوض غيره. فحتى العدل والمساواة، التنظيم القوي بقيادة خليل إبراهيم، انسحبت من منبر الدوحة في 2011 ضيقاً بشراكة آخرين فيه. بل ربما قادت هذه الغيرة العدل والمساواة لغزو العاصمة السودانية في مايو/أيار 2008 للبرهان بأنها صاحبة "الذراع الطويل"، الاسم الحركي للغزوة، دون غيرها.

واحتكرت الحركة المُفَاوضة للحكومة مطلب "قسمة الثروة والسلطة" لها خاصة دون الآخرين. وتقطعت بسبب هذه الأنانية أواصر الزمالة والقضية بين الحركات وأنبتت عرى الحركات بالشعب الدارفوري. وبالنتيجة صارت الحركة مرجعية نفسها لنفسها. وهذا ما حذر منه أميلكار كابرال، القائد السياسي الفذ في غينيا بيساو، حين قال إن على حركته المسلحة ألا تنسى أنها تكونت من مناضلين مسلحين لا من عصب مسلحة-مليشيات. فالعصب سرعان ما تنطوي في ذاتها في عماء عن ما أثارها أول مرة.

ولعل أحكم ما سمعت في سياق نقد التكتيك المسلح أخيراً هو دعوة أم بدة لـ"فصل السلاح عن السياسة" لنضع خاتمة لخريف الدم السوداني الطويل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك