خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري

- فرصة وتحديات
- الجغرافيا تتفجر كردياً
- جدل الصراع والخيارات

ثمة قناعة عامة بأن أكراد سوريا -البالغ عددهم أكثر من مليونيْ نسمة ويتركزون في شمال شرقي البلاد- باتوا أمام فرصة تاريخية لتحقيق آمالهم وتطلعاتهم القومية، بعد عقود من الحرمان والتهميش والإقصاء.

فمجمل الحراك السوري يوحي بأنهم الرابح الأكبر حتى الآن لجهة السيطرة على مناطقهم بطريقة سلمية، وبناء ما يشبه حكم ذاتي في إدارة هذه المناطق، وتعاظم وعيهم بالحرية وقضيتهم القومية، لكن في حقيقة الأمر هذه الصورة الزاهية ليست أكثر من صورة مؤقتة في سياق الحدث السوري العام.

فهذه الصورة تهددها جملة من المخاطر، منها ما هو داخلي يتعلق بالمصير الذي ينتظرهم في ظل عدم وجود اتفاق على هذه الحقوق مع القوى السورية الأخرى، ومنها ما هو إقليمي، وتحديدا تركيا التي تنظر بعين الخشية لأي حكم محلي لأكراد سوريا، وتتخوف من أن يعزز مثل هذا الحكم مطالبة الأكراد في المنطقة (العراق، تركيا، إيران ، سوريا) بإقامة دولة قومية مستقلة، حيث ترى تركيا أنها ستكون المتضرر الأكبر منها، وعليه فثمة من يرى أن تحقيق أكراد سوريا لتطلعاتهم يرتبط بانتهاج العقلانية السياسية، سواء لجهة الممارسة السياسية أو طرح المطالب الواقعية المقبولة.

قبل بدء شرارة الحراك الثوري في درعا جنوبي سوريا لم يكن بإمكان الأكراد الحديث علنا عن حقوقهم القومية، أو رفع علم يرمز إلى هويتهم القومية أو أحزابهم، أو حتى التعلم بلغتهم

فرصة وتحديات
قبل بدء شرارة الحراك الثوري في درعا جنوبي سوريا لم يكن بإمكان الأكراد الحديث علنا عن حقوقهم القومية، أو رفع علم يرمز إلى هويتهم القومية أو أحزابهم، أو حتى التعلم بلغتهم، إذ كان ذلك كافيا كي يتعرض صاحبه للاعتقال الفوري والسجن.

اليوم وبعد مرور قرابة سنتين على اندلاع الأزمة السورية، باتت اللجان الشعبية الكردية هي التي تدير الأمور على الأرض وتحت الرايات الكردية، فالحواجز منتشرة على امتداد مناطق محافظة الحسكة في الشرق، وكذلك في منطقتيْ كوباني وعفرين في الشمال.

وإلى جانب هذه الحواجز المسلحة، تقوم لجان مدنية بتقديم الخدمات والمساعدات للأهالي، وتنظيم جوانب الحياة الإدارية والاجتماعية، وإدارة العلاقة مع باقي مكونات الشعب السوري، فيما ينحصر الوجود الرسمي لمؤسسات النظام تدريجيا -منذ شهر تموز/يوليو الماضي- في مقار أمنية وعسكرية في المدن الكبرى ولاسيما القامشلي والحسكة، حيث حلت محلها وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.

ونجح الأخير في بسط سيطرته على الأرض بينما بقيت القوى الكردية الأخرى -وتحديدا تلك المنضوية في إطار المجلس الوطني الكردستاني- أقل تأثيرا، نظرا لافتقارها إلى العناصر المسلحة، وضعف خبرتها الميدانية على الأرض، عكس الاتحاد الديمقراطي الذي استفاد من خبرة حزب العمال الكردستاني في هذا المجال، حيث العلاقة وثيقة بين الجانبين.

هذا الواقع الجديد فرض على أكراد سوريا جملة من التحديات المتمثلة فيما يلي:
1- مواجهة الاحتياجات اليومية للسكان من مواد غذائية ووقود ومحروقات (الغاز المنزلي، المازوت، البنزين..)، كل ذلك في ظل شح الموارد والإمكانات، وقد وجد أكراد سوريا في إقليم كردستان العراق المجاور ملجأ لتخفيف حدة أزمتهم الإنسانية.

2- الخلافات المتعددة بين أطراف المكوّن الكردي، إذ ثمة خلافات كبيرة بين حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يعود في مرجعيته السياسية إلى حزب العمال الكردستاني، وأحزاب المجلس الوطني الكردستاني الذي يتخذ من أربيل مرجعية سياسية له، وقد حاول رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني احتواء هذه الخلافات من خلال احتضان الطرفين مرارا، وتشكيل اللجنة القيادية العليا من الجانبين والمنوطة بها الإدارة المشتركة للمناطق الكردية.

يرى أكراد سوريا أن مناطقهم محررة، وليس هناك من سبب يستدعي قدوم هذه الكتائب إلى هذه المناطق، خاصة أن ذلك سيعطي المبرر للنظام لاستهدافها

3- إشكالية العلاقة بين الأكراد والقوى المطالبة بإسقاط النظام السوري وتحديدا الجيش الحر وجبهة النصرة، وقد برزت هذه المشكلة إلى السطح عندما حاولت كتائب من الجيش الحر وجبهة النصرة السيطرة على مدينة رأس العين، وهو ما أدى إلى مواجهات دموية بين الجانبين، حيث يرى أكراد سوريا أن مناطقهم محررة وليس هناك من سبب يستدعي قدوم هذه الكتائب إلى هذه المناطق، خاصة أن ذلك سيعطي المبرر للنظام لاستهدافها، فيما يرى الجيش الحر أن هذه المناطق سورية كباقي المناطق الأخرى من البلاد، ومن حقه السيطرة عليها، ويكشف هذا الوضع الإشكالي الخطر معضلة التعايش والتعاون بين الأكراد والقوى المطالبة بإسقاط النظام.

الجغرافيا تتفجر كردياً
للمرة الأولى منذ اتفاقية سايكس/بيكو -التي قسمت المنطقة إلى دول بعد الحرب العالمية الأولى، كما قسمت الأكراد بين سوريا والعراق وتركيا- باتت الحدود مفتوحة بين المناطق الكردية في سوريا وإقليم كردستان العراق.

وباتت المناطق الكردية في تركيا تشهد حركة تضامن غير مسبوقة مع أكراد سوريا وتطلعاتهم، إذ للمرة الأولى نشهد مظاهرات تضامنية تخرج في عدد من المدن الكردية في تركيا -ولاسيما مدينة نصبين المحاذية للقامشلي تماما- دعما لأكراد سوريا، فضلا عن تنظيم قوافل مساعدات غذائية وإغاثية لهم.

هكذا بات الحراك الكردي يفيض في الجغرافيا السياسية حلما قوميا يدغدغ مشاعر الأكراد من جديد بدولة مستقلة، كما حصل عقب الحرب العالمية الأولى عندما أقرت اتفاقية سيفر إقامة كيان كردي، وفي الأساس كانت الجغرافيا الكردية عاملا من أهم عوامل الصراع القديم في المنطقة، فكردستان تعرضت في المرة الأولى للتقسيم بين الدولتين العثمانية والصفوية عقب معركة جالديران عام 1514 التي انتصر فيها العثمانيون بقيادة السلطان سليم ياوز الأول على الصفويين بقيادة إسماعيل، ثم تعرضت مجددا للتقسيم عقب اتفاقية سايكس/بيكو، ومنذ ذلك الوقت باتت الاتفاقيات الدولية عاملا كابحا للتطلعات القومية الكردية التي بقيت خامدة تحت رماد التاريخ والجغرافيا.

لكن تصوير الأمور على هذا النحو لا يعني أن أكراد سوريا ذاهبون إلى المطالبة بالانفصال، أو أن الطريق إلى تحقيق مطالبهم باتت مفروشة بالورود، خاصة أن مطالبهم غير محددة، إذ إنها تتراوح بين من يطالب بالفدرالية (المجلس الوطني الكردستاني)، والإدارة الذاتية (حزب الاتحاد الديمقراطي)، والاعتراف بهم دستوريا، ومنحهم حقوقا ثقافية ولغوية، كما تطالب بها قوى أخرى.

وفي سياق التواصل مع أكراد الخارج، برز دور قيادة إقليم كردستان العراق كحاضن قومي لأكراد سوريا، سواء لجهة توحيد القوى والأحزاب الكردية السورية، حيث رعى مسعود البارزاني شخصيا العديد من الاجتماعات بين أحزاب المجلس الوطني الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي، وانتهت بتشكيل الهيئة الكردية العليا المنوطة بها الإدارة المشتركة للمناطق الكردية، كما قلنا.

اتخذت حكومة إقليم كردستان العراق سلسلة خطوات عملية تجاه أكراد سوريا، كفتح معبر سيمالكا الحدودي حتى دون التنسيق مع السلطات السورية

وقد حظيت مساعي البارزاني هذه بمباركة تركيا، لأهداف تتراوح بين احتواء حزب الاتحاد الديمقراطي -الذي يعود في مرجعيته لحزب العمال الكردستاني- ودفع الأكراد إلى الانخراط في معركة إسقاط النظام السوري، وهو ما زاد من متانة العلاقة بين إقليم كردستان وتركيا، مقابل زيادة التوتر في العلاقة بين الجانبين وحكومة نوري المالكي.

وإلى جانب الرعاية السياسية، اتخذت حكومة إقليم كردستان العراق سلسلة خطوات عملية تجاه أكراد سوريا، كفتح معبر سيمالكا الحدودي حتى دون التنسيق مع السلطات السورية، واستقبال ما يقارب 80 ألف لاجئ كردي سوري وفتح مخيمات لهم، فضلا عن تنظيم حملة تقديم مساعدات مالية وغذائية ووقود ومواد تدفئة إلى المناطق الكردية، وهو ما شد أنظار أكراد سوريا وارتباطهم بأكراد العراق أكثر بوصفهم الأخ الأكبر الواقف معهم في محنتهم وسعيهم إلى تحقيق تطلعاتهم.

جدل الصراع والخيارات
الصراع الجاري في سوريا يتجاوز -دون شك- مسألة إسقاط النظام إلى البحث عن شكل الدولة السورية في المستقبل، والأكراد في تطلعهم إلى موقعهم المستقبلي في هذه الدولة يعانون من جملة إشكاليات وعقبات، فمن جهة ثمة إشكالية تتعلق بغياب الثقة، سواء بالنظام أو بالقوى المطالبة بإسقاطه، بل في كثير من الأحيان يبدو لهم أن النظام الذي مارس الإقصاء والتهميش ضدهم أرحم من المعارضة التي حشدت قواتها للسيطرة بالقوة على مدينة رأس العين وباقي المناطق الكردية، فظهرت صورة المعارضة لديهم مجرد مجموعات عروبية وجهادية لا تؤمن بحقوق الشعوب والأقليات والطوائف.

وقد وحد الهجومُ على رأس العين الأكرادَ وزاد سعيهم إلى التسلح وتشكيل جيش كردي موحد للدفاع عن مناطقهم، ولعل ما يفاقم هذه المشكلة ويرشحها للصدام في المرحلة المقبلة هو تعثر انضمام المجلس الوطني الكردستاني إلى الائتلاف الوطني السوري، بسبب عدم الاتفاق على مطالب الحركة الكردية.

وقد طرح هذا الموضوع إشكالية تأرجح الأكراد بين الوطنية السورية وبحثهم عن كيانية خاصة بهم.

وفي الواقع، فإن هذا التأرجح خلق إشكالية في الجهة المقابلة، أي لدى القوى المطالبة بإسقاط النظام، بين الخوف من أن يؤدي إقرار التطلعات الكردية إلى تعزيز خيار الانفصال لدى الأكراد، واتباع سياسة الغموض وتأجيل بحث المطالب الكردية إلى المرحلة المقبلة.

وقد عزز هذا الأمر حالة البراغماتية السياسية لدى الأكراد، على شكل المفاضلة بين النظام والقوى المطالبة بإسقاطه، على أساس تفهم أي طرف للمطالب الكردية وإقرارها.

وقد وحد الهجومُ على رأس العين الأكرادَ وزاد سعيهم إلى التسلح وتشكيل جيش كردي موحد للدفاع عن مناطقهم

وقد كان لافتا استقبال رئيس الحكومة السورية وائل الحلقي قبل أيام وفد المبادرة الكردية السورية، وبحث المطالب الكردية والتأكيد على الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، في سابقة كانت الأولى من نوعها.

أكراد سوريا -الذين يجدون أنفسهم بين عنف النظام وتجاهل المعارضة المطالبة بإسقاط النظام لحقوقهم- ربما يأملون استثمار القتال الدائر بين الجانبين لفرض منطقة حكم ذاتي لهم، لكن الثابت أن مثل هذا الخيار سيواجهه في المستقبل استحقاق مصير الدولة السورية، وهم في تطلعهم هذا يبدون أمام خيارين، إما التفاهم مع من سيحكم سوريا على صيغة للحقوق الكردية وشرعنة هذه الحقوق دستوريا، أو الدخول في مواجهة قد تنجم عنها تطورات دراماتيكية مأساوية لا أحد يعرف كيف ستنتهي.

ودون شك، لا يمكن النظر إلى مصير أكراد سوريا خارج مصير سوريا، مع التأكيد على أن التحديات الموجودة تفرض على الجميع المزيد من الانفتاح والإيجابية والممارسة العقلانية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك