عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي

أزمة الإعلام الحكومي والإعلام الخاص
وصفة الخروج من المأزق

يجمع المراقبون على أن الإعلام له خطورة بالغة في مرحلة التحول الديمقراطي، خصوصاً في الحالة المصرية. فقد كان الإعلام بكل أصنافه المقروء والمسموع والمرئي بل والإلكتروني يدور في فلك النظام السابق الذي وافق مكرهاً على فتح نافذة صغيرة فيه بمعرفة الأمن، تضيق وتتسع بمعايير أمنية في الإعلام الخاص، واتسعت هذه النافذة أحياناً حتى ظن الناس أن الإعلام الخاص يعارض الحكومة، وبالغ الإعلام الخاص في ذلك فأصبح الرئيس وأسرته مادة لهذا الإعلام تحت سيف النظام.

وقد برر البعض نافذة الحرية الإعلامية المحسوبة بأنه سمح بها تحت الضغوط الخارجية ولكي يظهر النظام أنه ليس مستبداً مطلقاً، كما اقتنع النظام السابق بأن هذا القدر أو الهامش من الحرية الإعلامية مطلوب لتسريب البخار الناجم عن غليان الشعب بسبب الفساد وتدهور الأحوال في مصر، بينما اطمأن النظام إلى أن إعلامه ورموزه الإعلامية يعملون وفق منظومة محكمة لصرف الشعب عن مساوئ النظام، وتحويل جرائم النظام إلى فضائل يتم تسويقها للشعب.

وكان واضحاً أن النظام قد ربى كتيبة كاملة شوهت المدرسة الإعلامية المصرية، ورسمت نموذج الإعلامي المثالي، فأصبح رئيس التحرير هو هذا النموذج الذي يُنشئ الأجيال، وهكذا أصبح الإعلام أداة فاعلة في نشر الخرافات وتسطيح العقل وبث الأكاذيب وتجهيل الشعب وتضليله وتقديم المواد التافهة لتسليته والانحطاط بمستواه.

وتزامن ذلك مع انحطاط الفنون والآداب والتعليم وتجريف الأخلاق وتغير منظومة القيم الأخلاقية، مقدمة القيم السلبية على القيم الإيجابية. وتصدر الإعلامَ عناصرُ ماهرة في ترويج هذه القيم والدفاع عنها، فانحط الإعلام في أخلاقه وخطابه ولغته ووسطه.

وقامت الثورة، ولكن المنظومة الإعلامية العامة والخاصة التي روجت لفساد النظام السابق واستفادت منه تصدت للثورة، لأنها لم تصدق أن ما حدث كان ثورة شاملة. فتحول هؤلاء الإعلاميون جميعاً إلى ثوار، ولكنهم حاربوا النظام الجديد حتى يقنعوا الشعب بأنه حدث طارئ وأن النظام القديم إذا قورن بحال النظام الجديد فإنه يفضله أمناً واقتصاداً وسكينة وانتظاماً في الحياة، دون أن يذكر للناس أن النظام القديم نخر الأعضاء الحيوية في الأمة وأبى أن يغادر جسدها كالسرطان.

هناك ملاحم كثيرة استخدم فيها الإعلام من خلال الأكاذيب أداة لمحاربة النظام والتحريض عليه والتحريض على العنف، ودُرب المراسلون على هذا الفن، وكان المثال الأبرز هو معركة الدستور

ويضيق المقام عن تفصيل سلوك الإعلام المقاوم للتغيير، ولكننا نذكر أبرز إسهاماته في الهدم بذريعة حرية التعبير.

وأصبح المواطن المصري محاصراً بالإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، فلا يجد مصدراً واحداً ينقل الحقيقة، سواء من حيث الخبر الصحيح والتحليل الموضوعي والآراء المتنوعة، بحيث أصبحت الصحف والقنوات الفضائية منصات لتضليل الناس وإشاعة الشك والبلبلة عبر كتائب من الكتاب والمتحدثين الذين يتكرر ظهورهم في هذه الفضائيات بهذه الرسالة، بل إن هذه الفضائيات ومواقع الصحف ترحب فقط بالمداخلات الداعمة لرسالتها بينما ترفض أي مداخلات مغايرة، وذلك حتى تضمن تكريس الرأي الواحد.

هناك ملاحم كثيرة استخدم فيها الإعلام من خلال الأكاذيب أداة لمحاربة النظام والتحريض عليه والتحريض على العنف، ودُرب المراسلون على هذا الفن، وكان المثال الأبرز هو معركة الدستور حيث شنت المعارضة من خلال هذا الإعلام حرباً ظالمة ضد الدستور، واخترعت أحكاماً لا نجدها إلا في عقولها، ورفضت رفضاً قاطعاً إجراء المناظرات، وشيطنت الدستور والتيار الإسلامي، واتهمت كل من يلتزم التحليل الموضوعي بأنه من الإخوان المسلمين، وكأن الإخوان المسلمين شيطان مريد، وكان ذلك ضمن حملة الكراهية التي شنتها ضد الدستور.

ترتب على ذلك أن المواطن المصري قد حرم من الثقافة الدستورية الصحيحة كما حرم من معرفة الحقيقة في هذا الدستور، خاصة أنه لأول مرة يتعامل مع الدستور بعد أن شارك ممثلوه في إنشائه.

وقد انبرى عدد من أساتذة القانون لشيطنة الدستور، واحتفى هذا الإعلام بهم احتفاء كبيراً، وانفسحت أمامهم الشاشات واحتكروا الظهور كل ليلة أمام المشاهدين وكأنهم يحذرونهم من خطر عظيم. بل وصل الأمر في عملية التلبيس والتزييف أن زورت نسخ الدستور ووضعت المواد التي تضمن رفض الناس له، بل تجاسر بعضهم فأفتى بأن هذا الدستور مخالف للشريعة الإسلامية.

في ضوء هذا الجدل انقسم الشعب المصري انقساماً كبيراً، فأصبح المعارض للدستور يعادي من يقبله، واستخدمت المعارضة كل الأساليب الإرهابية بالفعل والقول وتشويه الحقائق لكي تدفع الناس إلى رفض الدستور، وهذا أعلى درجات الإضرار بهذا الشعب. ثم قام الإعلام بالتحريض على مناهضة الدستور ومناهضة الحاكم، وقال في الدستور ما لم يقل مالك في الخمر، ومع ذلك وافق الشعب على الدستور الذي حشدت المعارضة لإسقاطه.

أزمة الإعلام الحكومي والإعلام الخاص
أولاً: أزمة الإعلام الحكومي
كان الإعلام الحكومي يجتهد في تضليل الشعب وتزييف الحقائق حتى يسهل للحاكم المستبد أن يستقر وأن يتأبد، وسوف يسجل التاريخ أن الإعلام والأمن وسياسات الإفقار المادي والصحي والنفسي قد لعبت دوراً كبيراً في تأخير الثورة.

ورغم ذلك لم تكن الثورة انفجارًا وضيقاً وإنما كانت إجماعاً شعبياً بطريقة سلمية على إنهاء هذه الحقبة. ولذلك فإن أزمة الإعلام الحكومي الذي كان جزءا أساسيا في النظام السابق تتوزع بين أمرين: الأول هو أن يتحول الإعلام إلى النظام الجديد والثاني أن لا يصبح إعلاماً بنفس الفلول، ولذلك فإن تحويل الإعلام إلى أداة مستقلة مهنية يحتاج إلى عملية جراحية.

وقد سجلنا لهذا الإعلام ملاحظتين: الأولى، هي الميل إلى نقد السلطة حتى لا يتهم الإعلام بأنه إعلام السلطة كما كان دائماً، دون أن يفطن إلى الفارق بين إعلام الحكومة وإعلام الدولة، علماً بأن النظم الديمقراطية ليس لها إعلام خاص.

الأمر الثاني، الميل إلى الحقيقة لكي لا يتهم بمحاباة السلطة، ولذلك فإن الإعلام بحاجة إلى تحرر الخبر وإلى تنويع الآراء وتقديم المعلومة اللازمة لتكوين الرأي، ثم تدريب الناس على أدب الاختلاف في الرأي.

لا مفر من إصلاح الإعلام العام والخاص، وإذا كان من السهل إصلاح الإعلام العام فإن إصلاح الإعلام الخاص يتطلب وضع ضمانات لحرية الإعلام، وليس فقط لحرية الإعلاميين

ثانياً: أزمة الإعلام الخاص.
نشأ الإعلام الخاص في مصر على هامش سياسات التنفيس والديكور الديمقراطي، وينطبق ذلك على الصحف والفضائيات.

وكنا نتصور أن الإعلام الخاص يعمل في هامش الحرية المتاحة وأن قيام الثورة سوف يوسع هذا الهامش لصالح المواطن ما دامت السلطة المستبدة قد طويت، ولكن الإعلام الخاص في هذه المرحلة خالطه أموال وشخصيات مرتبطة بالنظام السابق، مما يجعل رسالته مركزة على إسقاط النظام الجديد بكل الوسائل، فكانت تلك أكبر جناية على الحقيقة والمهنية والاستقرار وحق المواطن في إعلام حقيقي وهادئ.

ولذلك فإن إصلاح الإعلام الخاص ضرورة عاجلة بحيث يركز على المهنية دون أن نتطلب منه أي رسالة سياسية أخرى. وعلى كل حال فإن الإعلام بشكل عام هو عماد عملية إعادة بناء مصر الجديدة.

وصفة الخروج من المأزق
لا مفر من إصلاح الإعلام العام والخاص، وإذا كان من السهل إصلاح الإعلام العام فإن إصلاح الإعلام الخاص يتطلب وضع ضمانات لحرية الإعلام، وليس فقط لحرية الإعلاميين، بعد أن اختلط الأمر على سياسة القنوات الخاصة. ويتعين تدريب معدي البرامج ومراسلي القنوات وكذلك مقدمي البرامج على مراعاة ذلك. ويسبق هذا الإصلاح دراسة معمقة لأداء الإعلام الخاص.

ومن ناحية أخرى، فإن المسؤولية الاجتماعية والوطنية تفرض على القنوات الخاصة أن تلتزم المهنية التامة، وأن تكون هناك هيئة لمراقبة الأداء حتى لا يتم الاعتداء على حق المواطن في المعرفة والإعلام الجاد الذي يقدم ثقافة نافعة وتوعية واضحة للمواطن، بعد أن التهم الإعلام الفاسد عقله وذاكرته وإنسانيته وتركه كالخشب المسندة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك