نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


 

يبدو لمتابعي الأحداث الجارية الآن في بر مصر أن الآثار السلبية المترتبة على سياسات العهد المباركي البائد لن تزول بسهولة، ولا في وقت قصير، فالرجل الثمانيني الذي خلعته ثورة شعبية عارمة قبل عامين قد أخضع الدولة وأجهزتها ومؤسساتها ومسؤوليها طوال عقدين تقريبا للسير في طريق ينحرف بها عن الأهداف الطبيعية لأي كيان سياسي، من حماية مصالح المجتمع والأفراد، وحفظ الأمن، وتحقيق العدالة، وتنظيم العلاقات مع الخارج بما يحفظ مصالح الأمة ويحقق لها مزيدا من الفائدة.

رواسب الماضي
إن ما تفعله مصر الآن هو محاولة الانخلاع من تبعات عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك بعد أن خلعت شخصه، والانسلاخ من هذا الجلد المصطنع الذي أُحكِم حولها في التعاطي مع قضايا الداخل والخارج، إلا أنها تجد في طريقها من العوائق والمصاعب ما يغل يديها ويقيد رجليها عن الفعل والحركة، ويشغلها بما ورائها من صفحات الماضي عن ما بين يديها من ظروف قائمة وما أمامها من خطط مستقبلية تحتاجها البلاد والعباد.

أي دفاع من الداخلية عن الأمن هو عودة للممارسات القديمة، وأي دعوة لإصلاح القضاء هي اعتداء على استقلاله، وأي تصريح من العسكريين بوجوب احترام الشرعية هو تدخل من الجيش في شؤون السياسة

لقد عم السلوك السياسي المشوه الحياة المصرية بعد الثورة كتجليات للجانب السلبي الكامن في بنيان الدولة والمجتمع، بدءا من سوء فهم المعادلات السياسية نتيجة الإقصاء السابق، والتردد الكثير في المواقف بين القبول والرفض، واتخاذ المواقف المتناقضة، وعدم قبول حصاد الصناديق الانتخابية بعد الموافقة على الاحتكام إليها، واللجوء إلى العنف والدماء الذي عف الثوار عنه وهم يقاومون مبارك ونظامه الدكتاتوري نفسه.

وزاد على ذلك استغلال الثورة وإشهارها كسلاح في وجوه الآخرين، وتسخيرها في تمرير المصالح والمواقف، فأي دفاع من الداخلية عن الأمن هو عودة للممارسات القديمة، وأي دعوة لإصلاح القضاء هي اعتداء على استقلاله، وأي تصريح من العسكريين بوجوب احترام الشرعية هو تدخل من الجيش في شؤون السياسة التي فشل في خوضها المجلس العسكري طوال حوالي عشرين شهرا من عمر الثورة، وأي دعوة إلى أن يحترم الإعلام المواثيق الأخلاقية المعمول بها في مجاله هي دعوة إلى تكميم الأفواه.

ولم ينجُ الرئيس المنتخب محمد مرسي وحزبه بالطبع من تشبيهه بمبارك وحزبه، واتهامهما بأن عهده لا يختلف في شيء عن ما أديرت به البلاد طوال العهود السابقة، بل زادوا على ذلك تهمة كبيرة بأن شيئا من أهداف الثورة لم يتحقق، وكأن إزاحة المجلس العسكري عن الحكم ليست إنجازا نادرا في بلدان العالم الثالث، وكذلك كتابة دستور جديد يلبي كثيرا من حاجات الوطن، والسير في طريق يبشر بمستقبل اقتصادي واعد بعد ثورة شعبية كبيرة، وتوسيع دائرة الحرية بحيث صار الكثيرون من أنصار الرئيس نفسه يلومونه عليها.

والمشكلة أن هذه المواقف التي تقلب الحقائق هي التي تولد العنف في الشارع المصري، سواء صدقنا التهم الموجهة لجبهة الإنقاذ الوطني بالوقوف خلف هذا العنف أم كذبناها، حتى صارت المناسبات الفاصلة في الثورة -كيوم انطلاقها وجمعة الغضب وموقعة الجمل وأحداث شارع محمد محمود وغيرها- كابوسا متكررا يخشاه المواطن بدلا من أن تكون مناسبات للسعادة والاحتفال.

وليس لنا أن نعجب بعد هذا حين نرى المستقبل المصري مبشرا دون أن يأتي، وواعدا دون أن نرى وجهه الواعد، فقد رُبِطت مفاصل الدولة بمعادلات تجعل النظام وأجهزة الدولة تسير في حقل ألغام، وبدلا من أن يوظَّف الإنجاز الثوري في دفع القاطرة إلى الأمام، وجمع الفرقاء الذين جمعتهم الميادين في الثورة حول مشروع البناء وتصحيح مسار الوطن، إذا بالكعكة المغرية تعكر صفو الوحدة، وتفتح المجال واسعا لتسرب الفلول وتعاون بعض الثوريين معهم، وقد قامت الثورة أصلا للخلاص منهم.

دكتاتورية المعارضة
قديما قال المتنبي وسار قوله في الآفاق:

وكَم ذا بمصر من المضحِكات                                         ولكنـه ضِحْـك كالبُكا!

لم ينجُ الرئيس المنتخب محمد مرسي وحزبه بالطبع من تشبيهه بمبارك وحزبه، واتهامهما بأن عهده لا يختلف في شيء عن ما أديرت به البلاد طوال العهود السابقة

فالمعتاد أن تكون الحكومات هي الدكتاتورية والمتسلطة على رقاب الناس، إلا أن ما نراه الآن في مصر هو "دكتاتورية معارضة" بامتياز، فالحوار لا يقوم إلا بشروطها، والانتخابات مقبولة إن أدت إلى نجاحها ومرفوضة في ما عدا هذا، والشعب الذي ينتخب غيرهم -كما عبر كثيرون من المثقفين في سقطة غريبة- شعب أمي ويفتقر إلى الوعي، والمناطق الحضرية الفاهمة وحدها هي التي تعطي المعارضة أصواتها، في حين أن النجوع والأحياء الشعبية والمناطق الريفية والبدوية هي التي تمنح خصومهم ثقتها.

إنه نوع من فرض الإرادة، ولكنه هذه المرة من كراسي المعارضة وليس من كراسي الحكم، وبيد من لا يملك أجهزة الدولة وليس بيد الحاكم، وكأن مصر لا تصلح أن تعيش إلا بدكتاتورية هنا أو دكاتورية هناك.

والسؤال المنطقي الذي يفرض نفسه على العقل المصري الآن هو: إذا كانت المعارضة تتعاطى مع الشأن السياسي بهذه الصورة وهي ليست في السلطة، فماذا ستفعل إن آلت الأمور إليها، وصار الرئيس منها، وشكلت الحكومة ونالت أغلبية المقاعد البرلمانية؟

سؤال منطقي لا يمكن أن نجيب عليه بدون استحضار الصورة القائمة والمواقف الحالية للمعارضة، فالموقف البشري يكشف عن ذاته في وقت التمكن أكثر وأوضح مما يكشف عنها في وقت الاستضعاف، والطاغي في الحكم على الناس وهو مغلول سيكون أطغى حين ينطلق من أسره، والقاسي على أهل قريته وعشيرته سيكون أقسى إن أُعطي حكم الأوطان والبلاد الواسعة، والدكتاتور في إدارة حزبه سيكون كذلك، بل أسوأ، وهو يدير دولته.

وبعبارة أخرى: هل ستدير هذه المعارضة الدولة إدارة ديمقراطية إن نجحت في الإطاحة بالنظام القائم كما تصرح؟ هل ستسمح لخصومها بالوصول إلى الحكم وتجري انتخابات حرة في البلاد؟ وإن أجرتها وهي بصورتها الحالية هل سيمنحها الشعب ثقته؟ وهل سيكون في إمكانها التفوق على خصمها اللدود (الإسلاميين) من خلال صناديق الاقتراع الشفافة؟

رصيد الإسلاميين
لا شك أن الإسلاميين المصريين من جهتهم لم ينجحوا إلى الآن -برغم بعض إنجازاتهم المهمة- في انتشال سفينة الوطن الثائر من الوحل الذي فرضته فصول ثورية طويلة ومتتابعة ضمن نظام الضريبة الطبيعي الذي تفرضه التغييرات الكبيرة في النظم السياسية.

وكذلك لم ينسَ الشارع السياسي المصري الأداء الضعيف للإسلاميين في البرلمان الأول للثورة والذي حلته المحكمة الدستورية، ولم يرق الأداء فيه إلى مستوى يليق بالثورة، ولا إلى ما يلبي مطامح الجماهير التي منحت ثقتها الإسلاميين، فجاء تمثيلهم البرلماني حينها كاسحا.

لم ينجح الإسلاميون في مصر إلى الآن كل النجاح، إلا أنهم أيضًا لم يسقطوا سقوطا مدويا يحرمهم من رصيدهم الجماهيري الواسع

ومع هذا وذاك فما زال رصيد الإسلاميين في الشارع المصري أكبر بكثير من بقية أطراف المعادلة السياسية المصرية الأخرى، خاصة أن الأطراف الليبرالية واليسارية والثورية غير الإسلامية لم تنجح في تكوين تيار سياسي راشد ينال ثقة الجماهير، ويقترب من هويتها محتفظا بسمته الوطني العام، وهو ما نراه في بلدان أخرى جمعت في جعبتها بين التوجهات اليمينية -أو اليسارية- والهوية الوطنية والتاريخية لبلادها.

ولا يخفى أن سر الرصيد الكبير الذي يحظى به الإسلاميون في البيئة المصرية يرجع إلى الانتشار الجغرافي الواسع والمتنوع الذي يحظون به في البلاد، ويشمل بيئات ريفية وحضرية في الصعيد والدلتا والقاهرة والمحافظات الشاطئية والبدوية على السواء.

كما يرجع هذا الرصيد إلى التحام الإسلاميين بشرائح الشعب المختلفة، ومشاركتهم خلال عقود في حل كثير من القضايا والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية الصغيرة -حين أعجزهم النظام عن الكبيرة- للناس، وهو ما يجعل المرشح الإسلامي في البرلمان عادة وجها مألوفا لدى أبناء دائرته، فلا يكون الناخب في خياره محتاجا إلى تفكير طويل، خاصة حين نعلم أن تنظيما مثل الإخوان المسلمين يضيف إلى وجوه الامتياز السابقة حرصه في كثير من المناطق على أن يكون مرشحهم منتميا إلى عائلة كبيرة في دائرته.

نعم، لم ينجح الإسلاميون في مصر إلى الآن كل النجاح، إلا أنهم أيضًا لم يسقطوا سقوطا مدويا يحرمهم من رصيدهم الجماهيري الواسع، ومحاولاتُ زعزعة الثقة فيهم من خلال الإعلام أو غيره تصطدم دائما بالواقع الصغير الذي يعيشه المواطن في مؤسسته أو شارعه أو قريته أو حتى مقهاه، فيرى تأثير الإسلاميين وتواجدهم الوفير في عائلته وجيرانه ومسجده وعمله وخدمته.

ومع أن بقاء هذا الرصيد الذي يحظى به الإسلاميون مرهون بالعبور بمصر من عنق الزجاجة، وأنه ليس منحة مطلقة من الأمة لهذا الفصيل ولا غيره، إلا أن المعارضة تحتاج هي الأخرى إلى أن تراجع نفسها، وتعدل من نهجها بحيث تنال ثقة الجماهير، وتتبرأ من إثارة الاضطرابات والفتن في البلاد، مع وقوفها الدائم في صف الأمة ومصالحها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك