منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية



اتفاق "نافع-عقار"
عودة الاتفاق
انقسام الجبهة الثورية

من شأن أي تحوُّل إيجابي في العلاقة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال، أن يجر وراءه الاعتراف ضمنياً بالجبهة الثورية (تحالف كاودا) التي تأسست في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، حتى لو أظهرت الحكومة عكس ذلك.

وعندها ما أسهل أن تُزلزل الأرض من تحت أقدام قوى التحالف الوطني المعارضة، فضلاً عن الزعزعة داخل تحالف ثبت أنه سهل الاختراق، تُستقطب أطرافه وتُنبذ الأخرى دون أن تنأى بنفسها عن مواقع المد والجزر.

اتفاق "نافع-عقار"
شرعت الحكومة السودانية في سياسة تجديد التحالفات بتوقيع اتفاق بينها وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال. وقّع الاتفاق نافع علي نافع مساعد الرئيس السوداني عمر البشير ومالك عقّار حاكم ولاية النيل الأزرق ورئيس الحركة الشعبية-قطاع الشمال، وكان ذلك في يونيو/حزيران 2011 في أديس أبابا برعاية الاتحاد الأفريقي، وتبعه مشروع اتفاق سبتمبر/أيلول 2012.

ومن المفترض أن يوفر هذان الاتفاقان أساساً متيناً لتطبيق التسوية التفاوضية للصراع في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وهو الاتفاق المدّخر لاستثماره لاحقاً في توزيع السلطة على المنضوين تحت جناح الحكومة بغرض إضعاف جاذبية أطراف المعارضة الأخرى حتى لا تستقوي ببعضها البعض.

لطالما حاولت الحكومة عدم الاستجابة لاستفزاز الحركة الشعبية-قطاع الشمال، ولكن حين وصلت إلى حقيقة أن وجودها كأرضية معترف بها دولياً من أجل التفاوض، جلست للتحاور معها على مضض.

حين وصلت الحكومة  إلى حقيقة أن وجود الحركة الشعبية-قطاع الشمال كأرضية معترف بها دولياً من أجل التفاوض، جلست للتحاور معها على مضض

وجاء الاتفاق في عدة بنود هي: الشراكة السياسية والترتيبات الأمنية والسياسية في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، والعمل على التحول الديمقراطي واحترام التنوع العرقي، والتأكيد على أن المشورة الشعبية حق ديمقراطي ودستوري لمواطني جنوب كردفان والنيل الأزرق. وكل ذلك كان في إطار الاعتراف بالحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال كحزب قانوني له الحق في ممارسة نشاطه.

مع احتدام الأزمة، اندلعت الحرب في جنوب كردفان بين جيش الحركة الشعبية-قطاع الشمال والجيش السوداني أوائل يونيو/حزيران 2011 بسبب الخلاف على نتيجة الانتخابات في الولاية، قبل أن يمتد إلى ولاية النيل الأزرق المجاورة في سبتمبر/أيلول من نفس العام.

لم يكن الاتفاق قصير الأجل بين الطرفين ليدرأ من مواصلة الصراع، ولكن شكّلت بعض الأوضاع جزءاً من المشكلة.

عند تصاعد الصراع بين الطرفين وبروز تجلياته في استضافة دولة جنوب السودان لأعضاء من قطاع الشمال، وبعض قادة حركات دارفور المسلحة، أعلنت الحركة الشعبية-قطاع الشمال مع حركات دارفور المسلحة تشكيل الجبهة الثورية (تحالف كاودا) في جبال النوبة والتوقيع عليها في نوفمبر/تشرين الثاني 2011.

وضع هذا التنظيم هدفاً رئيسياً نصب عينيه هو إسقاط النظام الحاكم في الخرطوم بقوة السلاح. وكل هذه التطورات صعّدت من المواجهة السياسية التي تطورت إلى مواجهة عسكرية بين الطرفين.

وكنتيجة لذلك انسحبت الحكومة السودانية من الاتفاق الإطاري، الأمر الذي عمّق ما في النفوس، ومع عدم الثقة المتجذرة أصلاً، ورغم اللجوء إلى المجتمع الدولي، فإن الطرفين لم يستطيعا تجاوز هذه المرحلة التي تميزت بتصفية حسابات أكثر منها بصراع له دواعيه، بل تحوّل تصلّب العلاقة بينهما إلى إستراتيجية لا تحتمل غير فوز طرف وخسران الآخر مما لم يترك هامشاً للوصول إلى حل أو تسوية.

من الواضح أن جذور الخلاف تجاوزت الرؤوس الموقّعة على الاتفاق، فاهتزاز النظام السياسي جعل من السهل التوصل إلى أن "نافع-عقار" ليسا بأيديهما الصمود أمام الرافضين للاتفاقية، وهؤلاء يمثلون تياراً معارضاً لكل ما يقارب بين الحركة الشعبية-قطاع الشمال والحكومة. فقد ألهبت الحملة الإعلامية المنظمة ظهور الموقعين على الاتفاق وحرّضت أئمة المساجد ودبجت خطب الجمعة لرفضها.

لم تنحسر أزمة الرفض، بل جاءت الضربة الكبرى لكل ما تم في الاتفاق والتوقيع عليه مثل اللجنة السياسية المشتركة التي جاءت كنتاج للمبادئ العامة الواردة في بروتوكول مشاكوس 2002 واتفاقية السلام الشامل 2005، وفي ثناياها بروتوكولات جنوب كردفان والنيل الأزرق، ثم الاتفاق الإطاري بشأن الشراكة السياسية المبرم يوم 28 يونيو/حزيران 2011.

وقد نجحت الأزمة في أن تأخذ في طريقها كل الآمال في الإصلاحات الدستورية. ولم يكن متوقعا أن يكون تأثير القوى المعارضة للاتفاق بمثل هذه القوة لولا ضعف السلطة وكيانها السياسي الهش الذي يُعتبر -وفقاً لمقياس تدهوره- مفتقراً إلى القدرة والاستعداد لممارسة دوره وأداء وظائفه الأساسية.

عودة الاتفاق
دُقت طبول الرافضين في الخرطوم لأن نتيجة ذاك الاتفاق لم تسفر عن شيء. ولكن نفض مجلس السلم والأمن الأفريقي الغبار عن ذاك الاتفاق ليعود الطرفان إلى طاولة التفاوض مرة أخرى، على ألا تتجاوز يوم 15 فبراير/شباط الجاري حسب توجيهات الوساطة الأفريقية، ودون أن يضع الطرفان شروطاً مسبقة، وذلك من أجل التوصل إلى حلٍّ سياسي لإنهاء النزاع في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.

ووسط مماطلة المفاوضين من الجانبين، يمسك المجتمع الدولي ولجنة الوساطة الأفريقية ببند اتفاق وقف إطلاق النار من أجل تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان المنطقتين المتضررتين.

وتجدر الإشارة إلى أن الاختراق السريع الذي قامت به الأمم المتحدة بتشديدها على حكومة السودان والحركة الشعبية-قطاع الشمال بضرورة الدخول في المحادثات بدون شروط مسبقة، لم يكن ليتم بسهولة لولا الضعف الذي اعترى الحكومة السودانية نتيجة للضغوط الاقتصادية والأمنية والسياسية والذي عرّى من حقيقة احتياجها وأوصلها لأن تدسّ موافقتها تحت سياق القرار الأممي.

وما التشديد عليه إلا كمحاولة إعادة أمل حتى يتمكن الطرفان من الوصول إلى حل سياسي ينهي الحرب في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق المستمرة منذ قرابة العامين. ويعوّل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على حل القضية في البيت الأفريقي بشكل يفرض نفسه ويأخذ المفاوضات مع دولة جنوب السودان المتعثرة في الاعتبار للتوصل إلى سلام عاجل.

أما رفض الخرطوم المنمّق بحجة أولوية فك الارتباط بين حكومة الجنوب وقطاع الشمال أولاً، وجد من يدعمه من بعض الجهات المتشددة التي ما زالت ترفض تقارب الحكومة مع القطاع جملة وتفصيلا، وحجتها في ذلك أن القرار أتى من الخارج وأنه تدخل وانتقاص من سيادة الدولة.

رفض الخرطوم المنمّق بحجة أولوية فك الارتباط بين حكومة الجنوب وقطاع الشمال أولاً، وجد من يدعمه من بعض الجهات المتشددة التي ما زالت ترفض تقارب الحكومة مع القطاع

كما تعلقت هذه الجهات بحبائل الإشراف الإقليمي والدولي الذي طبع في أذهانهم أن التفاوض مع القطاع يجعل منه كياناً مساوياً لدولة السودان وليس جزءاً منها.

وبالطبع لم يدع القطاع هذا التصور يمرُّ بسلام، فقد استثمره أيضاً عبر تكتيكاته المتوقعة كي تؤثر نتيجة هذا الاتفاق بقوة على المشهد السياسي السوداني. فإن نجح الاتفاق فسيكون بمثابة خطوة لحل عقدة الاتفاقات الأمنية والحدود المتعثرة مع دولة جنوب السودان في مسرحها (منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق) بعد العديد من الاتفاقيات الإطارية الفاشلة، وإن فشل فسيدفع السودان إلى مزيد من التمزق واستمراره في الصراعات العنيفة ليعلو صوت قطاع الشمال في المنطقتين.

وفي كلتا الحالتين فإن الاتفاق سيؤدي إلى قبر المعارضة السودانية، في دلالة على تخطيط الحكومة ومقدرتها على قطع الربط بين المعارضتين المدنية في الشمال والمسلحة في دول الجوار، والمستفيد من ذلك هو قطاع الشمال.

وعلى النقيض من تصورات وتوقعات المعارضة، فإن التحالف بين الحكومة وقطاع الشمال أكثر تعقيداً من تحالف الحكومة معها، وذلك لأن تحالف الحكومة مع أحزاب المعارضة يتم ببث الانقسام في ثنايا هذه الأحزاب الضعيفة لتصبح أجنحة مع الحكومة وأخرى ضدها، وهي سياسة التخلص من أطراف قيادية تُعتبر أكثر إقلاقاً لها. وهذا ما عملت عليه الحكومة بأن ضمت منشقين عن الحركة الشعبية-قطاع الشمال، ولكن الدعم الدولي والإقليمي الذي يجده القطاع جعله لا يكترث بالضغوط الحكومية، كما لا يحرص على حسم ملف الخلاف في ظل عدم نجاح المفاوضات بين الحكومة السودانية وحكومة دولة جنوب السودان.

انقسام الجبهة الثورية
رغم اعتراف المؤتمر الوطني بالحركة الشعبية-قطاع الشمال فإنه لا يعترف بها كممثل وحيد لقضايا المنطقتين، فهناك أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق. ومع أن المؤتمر الوطني نجح في إحداث انقسامات في جسم الحركة الشعبية، فإنه لم يستطع الاستغناء عن الحركة الشعبية-قطاع الشمال التي خلقت كيان "الجبهة الثورية" التي ألقت بميثاق الفجر الجديد (كمبالا) في وجه الحكومة. وفي هذا الميثاق حاولت الجبهة الثورية أن تضع كل القضايا المختلف عليها والتي لم تستطع النخب السياسية المعارضة طرحها بشكل مباشر على مائدة الحوار.

تم التوقيع على وثيقة "الفجر الجديد" يوم 5 يناير/كانون الثاني 2013 من قبل الجبهة الثورية لتحالف كاودا وتحالف قوى الإجماع الوطني الممثلة لأحزاب المعارضة، رغم بنودها المليئة بالثقوب خاصة فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة واستخدام العمل السياسي المسلح لإسقاط نظام الحكم.

وثيقة الفجر الجديد جاءت والمناخُ داخل تكوين الجبهة الثورية تشوبه سحب خلافات بين قيادات قطاع الشمال وفصائل دارفور

وقد ساهمت هذه البنود في تصدع العلاقة بين قوى المعارضة والحكومة من جهة وإثارة ذعر الحكومة من جهة أخرى، كمسودة جمعت بين ما جاء في اتفاق البديل الديمقراطي لهذه الأطراف عن طريق إسقاط نظام الخرطوم وإقامة نظام علماني وتقسيم السودان إلى ثمانية أقاليم تعتمد على نظام فدرالي، ولكن قوبلت بانتقادات من قبل الحكومة، بل وصل الأمر إلى التهديد بحظر الأحزاب الموقعة عليها، بجانب فتاوى إخراجهم من الملة.

جاءت وثيقة الفجر الجديد والمناخُ داخل تكوين الجبهة الثورية تشوبه سحب خلافات بين قيادات قطاع الشمال وفصائل دارفور، بعد الفشل في حسمها قبل اجتماعات كمبالا الأخيرة، مما يعكس حالة الانقسام السياسي في صفوف التحالف الثوري الذي تعتمد عليه قوى التحالف الوطني (المعارضة) في إسقاط النظام.

يبدو أن لكل طرف حساباته الخاصة فيما يتعلق بتحالف الحكومة والحركة الشعبية-قطاع الشمال، فتأثير هذا التحالف على تكوين الجبهة الثورية المعادية لنظام الخرطوم يأتي في إطار الترتيبات الأساسية للتفاوض.

وبما أن قطاع الشمال جزء من تحالف الجبهة الثورية (كاودا)، فإذا قامت بإسقاط النظام فإن ما يبدو مرجّحاً حينها هو أن دائرة الانقسامات ستدور على الحكومة الانتقالية المرتقبة التي نادت بها وثيقة الفجر الجديد والتي قد تبعد قوى التحالف الوطني (المعارضة) عن دائرة الضوء.

ويقود هذا الوضع إلى توقعات جديدة تذهب في اتجاه مؤداه هو كسب الحكومة لمعركتها في الطرف الآخر بالنجاح في هزّ أركان الجبهة الثورية، مع مواصلة التفاوض مع قطاع الشمال في نفس الوقت. فإن فشل التحالف فستكون الحكومة رضخت للإرادة الدولية وأدت ما عليها، وإن نجح فعلى الحكومة في هذه الحال أن تستعد لمطالبات قطاع الشمال بتعيين أبناء منطقة جنوب كردفان والنيل الأزرق في مناصب رفيعة ومميزة في الدولة. ولا خاسر أكبر من الشعب السوداني الذي قبِل بالواقعية السياسية بعدما سلّم أحلامه بالخلاص إلى المعارضة فنثرتها على مذبح الجبهة الثورية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك