هشام  الشلوي

هشام الشلوي

كاتب وباحث ليبي

 

موجبات الأزمة
الأمازيغ
حرس المنشآت النفطية
فرضيات

كل القبائل والمدن والمجموعات شاركت في إغلاق الحقول والمرافئ النفطية، والتي تتقاطع مع مناطق سكناها تلك الحقول والمرافئ، ولا تكمن المشكلة في عملية الإغلاق ذاتها، أو الأطراف الفاعلة فيها إيجابا أو سلبا، قدر ما تكمن في تنوعها وتعدد أسبابها واتساع مساحة الأزمة جغرافيا، وتعدد الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين.

موجبات الأزمة
يبدو أن المؤسسات السياسية والأمنية المنبثقة من رحم الثورة لم ترث القوة من النظام السابق، ولم تبن لنفسها أجهزة جديدة تملك عنصر القوة أحد أهم عناصر السلطة.

يبرر البعض حالة الضعف التي انتابت كل مؤسسات ما بعد 17 فبراير التشريعية والتنفيذية والأمنية بفقر في الخبرة العامة انعكس بضعف القدرة على تدوير دواليب الدولة، بأن القذافي كان يمسك جميع خيوط الدولة بيده، حتى أنه استطاع أن يدير حتى حركة المجتمع الداخلية.

سبق وأن أٌعلن إقليم برقة فدراليا لأكثر من مرة وبأكثر من مكان بالشرق الليبي بقيادة عضو المجلس الانتقالي السابق أحمد الزبير، تسانده مجموعات قبلية وثوار جبهات وبارزون بالنظام السابق.

يبرر البعض حالة الضعف التي انتابت كل مؤسسات ما بعد 17 فبراير التشريعية والتنفيذية والأمنية، بفقر في الخبرة العامة انعكس بضعف القدرة على تدوير دواليب الدولة، حيث كان القذافي يمسك جميع خيوط الدولة بيده، حتى أنه استطاع أن يدير حتى حركة المجتمع الداخلية
لم يعر وقتها المجلس الوطني الانتقالي أهمية تذكر لمثل هذه الإعلانات المتكررة، وكذا حكومة الكيب، وسار على نهجهما المؤتمر الوطني وحكومة علي زيدان الحالية، واكتفى الجميع بقرع الحجج إعلاميا، وتذكير الليبيين بأواصر الوحدة الوطنية، وما يجمعهم من كفاح ونضال طويل.

كما أن الفدراليين لم يطوروا أداءهم السياسي بعرض مشروعهم الفدرالي على سكان الشرق الليبي وإقناع المجتمعات المحلية بدعواهم، مما جعل أغلب الناس ينظرون إليهم بتوجس معتقدين أن المشروع الفدرالي يرمي بشكل رئيس إلى تقسيم ليبيا.

وأظهرت نتائج استطلاع محلية قام بها مركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي أن نسبة 15% هي التي تثق بالفدرالية كنظام سياسي بالمنطقة الشرقية، ونسبة 8% على مستوى ليبيا، وحتى هذه النسبة تتداخل عندها الفدرالية باللامركزية الإدارية.

قدمت حكومة علي زيدان حججا إضافية لمتبني الطرح الفدرالي، وذلك بتقاعسها عن إنزال القانون رقم 59 لسنة 2012 بشأن نظام الإدارة المحلية منزل التطبيق، إذ من شأن هذا القانون منح صلاحيات أوسع للبلديات وللمحافظات والمحليات في اتخاذ القرار وتنفيذه بعد توفير الميزانيات المطلوبة لمثل هذه البرامج المحلية.

وكان أداء وسلوك الحكومة هو رأس الحربة في هذه الأزمة، بتقديم رشوة بحجة شراء أسلحة آمر حرس المنشآت النفطية بالمنطقة الوسطى، وهي حجة تفتقد للوجاهة كون هذه الأسلحة تعود بالأساس ملكيتها للدولة الليبية.

رئيس الحكومة علي زيدان استخدم عضو المؤتمر الوطني ورئيس لجنة الطاقة به ناجي مختار لتنفيذ هذا المخطط، إلا أن القصة كلها سرعان ما انكشفت، وشكل المؤتمر الوطني لجنة تحقيق أدلى فيها ناجي مختار وعلي زيدان ونوري بو سهمين -رئيس المؤتمر- بشهادتهم.

انحصرت مطالب معتصمي المرافئ والحقول في بدايتها بضرورة إرجاع رئيس حرس المنشآت السابق، ثم تطورت للمطالبة بإجراء تحقيقات في مزاعم سرقة النفط وبيعه بدون عدادات، ثم ارتفعت وتيرة المطالب لتصل حد الرغبة في نقل سلطة القرار النفطي إلى بنغازي باعتبار المنطقة الشرقية تحوي أغلب الاحتياطات النفطية، ثم انتهت إلى ذروتها بطلب نظام حكم يعتمد الفدرالية كمبدأ دستوري.

كما تؤكد الأحداث المتسارعة من خطف علي زيدان، وامتناع وزير العدل صلاح المرغني عن إحالة طلب النائب العام برفع الثقة عن عضو المؤتمر الوطني ناجي مختار، أنه لا توجد أدوات تأزيم أقوى من الحكومة، بالإضافة إلى تعنت كتلة تحالف القوى الوطنية ومن تحالف معها من أعضاء المؤتمر الدائرين في فلك رئيس الحكومة في إدراج رفع الحصانة عن عضو المؤتمر الوطني بجدول أعمال المؤتمر.

الأمازيغ
يرأس المحكمة العليا الليبية والمؤتمر الوطني العام وكتلة العدالة والبناء بالمؤتمر الوطني، ويوجد ثلاثة أعضاء بالمفوضية العليا للانتخابات من الأمازيغ، أي أن دعوى التهميش والإقصاء لهم كمكون ثقافي غير مطروحة بالنظر إلى ما حصدوه بعد الثورة من مناصب عليا بالدولة الليبية سواء على المستوى التشريعي أو التنفيذي.

إلا أن المجلس الأعلى للأمازيغ والمكون من رؤساء مجالس محلية غير منتخبين (زوارة، جادو، كاباو، نالوت، ويفرن) يقوم بعملية تحشيد عاطفي لمجموعات شبابية وتحريض لمنع تصدير الغاز من حقل مليته إلى إيطاليا والذي تديره شركة إيني الإيطالية شراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط.

ثمة خمس قضايا محددة تمس المكونات الثقافية، اسم الدولة، والعلم، والنشيد، والهوية، واللغة. يتمحور الخلاف حول دسترة اللغة، بمعنى أن ينص الدستور القادم على اعتبار اللغة الأمازيغية لغة رسمية للدولة الليبية بجوار اللغة العربية.

طالب بعض الأمازيغ الأحزاب السياسية بأن تتبنى هذه القضية وتجعلها ضمن برامجها الانتخابية القادمة، إلا أن طرح هذه القضية في غير مناطق الأمازيغ لن تجلب أصوات الناخبين من وجهة نظر الأحزاب، إذ إن قضية لغة الأمازيغ تتعلق بما نسبته التقريبية حوالي 2% من سكان ليبيا.

وبالتالي يعاني المجلس الأعلى للأمازيغ من أزمة مشروع سياسي جامع لكل الشعب الليبي، بالإضافة إلى كونه مجلسا لا يعبر عن كل الأمازيغ بطريقة ديمقراطية، إذ إن أعضاءه رؤساء مجالس محلية غير منتخبين، وليس من صلاحياتهم طرح أو تبني هذه القضايا، إذ إن المجالس المحلية منوطة أساسا بتقديم الخدمات التسييرية للمواطنين.
نلاحظ هنا مدى التشابه بين الحالة الأمازيغية والحالة الفدرالية، إذ يعتمدان على القوة ولم يحظيا بتأييد أو إجماع شعبي من قبل المناطق التي يقطنها الأمازيغ والفدراليون على السواء.

المشكلة الأساسية أن المجلس الأعلى للأمازيغ فقد السيطرة على معتصمي مليته، وعاجز تماما عن فض الاعتصام، كما أنه فقد رصيدا حيويا له، وهو أعضاء المؤتمر الوطني الممثلين للأمازيغ به، والذين عادوا لمباشرة عملهم بالمؤتمر الوطني، ورفضوا مقاطعة الجلسات بناء على تحريض وطلب المجلس الأعلى للأمازيغ.

أغلب حرس المنشآت النفطية لم يتلق تدريبات عسكرية في مؤسسات عسكرية محترفة، وإنما جاء أغلبهم إما من ثوار جبهات سابقين منضوين تحت كتائب شكليا تتبع الدولة، وعمليا تتبع مؤسسيها وقادتها، أو جاؤوا إلى هذه الوظيفة بسبب قرب مناطقهم السكنية من الحقول والمرافئ
يطالب مجلس الأمازيغ بتعديل المادة الخامسة من قانون انتخاب لجنة الستين ليصبح التصويت على حقهم في دسترة اللغة من عدمه يخضع للتوافق بدلا من الأغلبية الخاصة وهي الثلثان زائد واحد، وهذا بدوره يستدعي تعديلا في المادة 30 من الإعلان الدستوري، كشرط أساسي لفض اعتصامهم من مليته والسماح بتصدير الغاز منه.

وهنا تواجه المجلس الأعلى للأمازيغ مشكلتان أسياسيتان، الأولى، لجنة الستين باعتبارها هيئة تأسيسية منشئة لدستور ليبيا القادم غير ملزمة بقانون إنشائها، ولا بالإعلان الدستوري وخاصة المادة 30 منه والتي تمثل خارطة طريق العملية السياسية بليبيا، وغير ملزمة كذلك بأية قوانين أو قرارات تصدرها أي جهة أخرى.

بسبب كونها هي التي ستقوم بوضع الدستور الأعلى والأسمى فوق كل القوانين والإعلانات الدستورية، وعضويا وموضوعيا من يملك إصدار وإنشاء الأعلى لا يُلزم بما هو أدنى منه مرتبة ودرجة.

والثانية، أن كتلة التحالف الوطني وبعض المستقلين لا يدعمون هذا التعديل في الإعلان الدستوري أو تعديل المادة 5 من قانون الهيئة التأسيسية، وهذه التعديلات تحتاج إلى 120 صوتا لتصبح نافذة وقابلة للتطبيق.

ورفض كتلة التحالف يفسره البعض بأنه يأتي ضمن تأزيم وعرقلة خروج لجنة الستين من رحم القوانين والقرارات إلى عالم الممارسة، وبالتالي سقوط لجنة الستين في حالة سقوط المؤتمر الوطني ضمن ما يُعرف بتاريخ 7/2/2014 القادم كآخر يوم لعمل المؤتمر الوطني.

لكن الإستراتيجيات الأبعد، والدوافع الرئيسة لغلق المرافئ والحقول النفطية، متجاورة في آن مع أحداث وشواهد أخرى كالانفلات الأمني وقتل أكثر من مائة شخصية عسكرية ومدنية في مدينة بنغازي وحدها، وحالة الجمود التي تسيطر على أهم استحقاقات المؤتمر الوطني، وضعف الحكومة بل ومساهمتها بشكل قوي بتأجيج الأزمات بدل احتوائها، كل هذا وغيره يشير إلى ثورة مضادة تتزامن مع ثورات مضادة تجتاح بلدان الربيع العربي.

حرس المنشآت النفطية
يلاحظ المتتبع لحركة حرس المنشآت النفطية ( قبل الثورة كان عددهم ثلاثة آلاف عنصر، قفز هذا العدد بعد الثورة إلى 21 ألف عنصر) أن أغلبهم لم يتلق تدريبات عسكرية في مؤسسات عسكرية محترفة، وإنما جاء أغلبهم إما من ثوار جبهات سابقين منضوين تحت كتائب شكليا تتبع الدولة، وعمليا تتبع مؤسسيها وقادتها، أو جاؤوا إلى هذه الوظيفة بسبب قرب مناطقهم السكنية من الحقول والمرافئ.

كما أنهم يمارسون اختصاصات ليست ممنوحة لهم قانونا، فوظيفتهم تفرض عليهم حماية الحقول والمرافئ من أية اعتداءات أو تخريب أو سرقة، وليس منها التدخل بعمليات بيع وتسويق وإنتاج النفط في ليبيا.

كما أنهم تدخلوا بالشأن السياسي والجدل ما بين الأحزاب السياسية، واختطوا لأنفسهم برامج سياسية طالبوا فيها بحل الأحزاب وعودة دستور 1951، وباعتماد نظام فدرالي يقسم ليبيا إلى ثلاث ولايات، وطالبوا بإقالة وزير النفط، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط، وهذا يتعارض تماما مع ما للقوات المسلحة من دور ينحصر في شؤون الدفاع والحرب.

فرضيات
الفرضية الأولى تقول بأن الأزمة النفطية في ليبيا ما هي إلا محاولة من أطراف محلية وإقليمية ودولية لكسر حالة التوازن السياسي، والأمني، والاقتصادي، والاجتماعي.

إذ إن انتشار السلاح بين مجموعات وقبائل وثوار مختلفين في التوجهات والرؤى عزز من وجود هذا التوازن المانع أولا للانزلاق في أتون حرب أهلية، فالكل يخشى الجميع.

وثانيا يمنع هذا التوازن من انفراد أو سيطرة طرف دون آخر على المشهد السياسي برمته وتوجيهه لمصالحه الخاصة.

وثالثا يحافظ هذا التوازن على استمرار شرعية ثورة السابع عشر من فبراير كمظلة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، ويعزز موقعها بين دول الربيع العربي الآخذة في التداعي.

أزمة النفط الليبية تخلف آثارا كثيرة غير مباشرة لا يمكن علاجها أو تجنبها بسهولة تتعلق بسمعة ليبيا كبلد مهم في تصدير النفط والغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي، مع احتمال نشوء سوق سوداء لتصدير النفط الليبي في حال استمرار ضعف سيطرة الدولة على أهم مورد اقتصادي
كما ترى هذه الفرضية أن أغلب المباشرين في أزمة النفط الليبي هم جزء من مخطط كبير برعاية دولية لضرب كل من المؤتمر الوطني العام، والثوار، وعموم التيار الإسلامي بليبيا، وفضيلة المفتي، إذ إن الدندنة والعزف المستمر من قبل مغلقي الحقول تدور حول الركائز الأساسية والتي خرجت من رحم ثورة فبراير.

وتعتمد هذه الفرضية على عدم الاتفاق أو الإجماع حول المطالب المباشرة التي يتبناها مغلقو الحقول والمرافئ، فالفدرالية ليست محل اتفاق أو إجماع داخل الشرق الليبي، والمطالبون بها قلة قياسا بالرافضين لها، واتهام الدولة ببيع النفط خارج القانون ثبت بطلان ادعائه، كما أن المطالبة بحقوق لغوية وثقافية لم تكن محل اتفاق بين المكون الثقافي الواحد.

الفرضية الثانية، ترفض ما انتهت إليه الفرضية الأولى، وتكيف المسألة من خلال عجز وشلل الحكومة عن بسط سيطرتها على كامل ليبيا، مما سنح لكل من يرغب في الخروج على القانون أو ابتزاز الدولة لتحقيق مكاسب مالية أو الحصول على مواقع سياسية، في أن يتقدم دون خوف من عقاب أو مساءلة قانونية.

وتستشهد الفرضية بالعصبية القبلية كمفسر أساس لحالة التضامن بين قادة إغلاق الحقول النفطية والأفراد التابعين لهم، إذ إن أغلب شيوخ القبائل يرفضون بشكل علني ما قام به أبناء قبائلهم الداخلون تحت عباءة حرس المنشآت، لكن ما يمنعهم من ردعهم هو التعصب القبلي.

وبغض النظر عن تلك الفرضيات فإن خسائر الاقتصاد الليبي من أزمة البلاد النفطية تبدو كبيرة جدا، ففي الوقت الذي قدر فيه وزير النفط الليبي خسائر قطاع النفط بسبعة مليارات دولار، أشارت تقديرات أخرى إلى ارتفاعها بما يناهز الـ13 مليار دولار.

وتسببت حركات الاحتجاج في المنشآت النفطية بتدهور الإنتاج النفطي إلى 250 ألف برميل في اليوم مقابل قرابة 1.5 مليون برميل في اليوم قبل اندلاع الأزمة في نهاية يوليو/تموز الماضي وفقا للمؤسسة الوطنية للنفط.

كما حذر صندوق النقد الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من أن الاقتصاد الليبي سيسجل انكماشا بنسبة 5.1% هذه السنة بسبب الاضطرابات الناجمة عن حركات الاحتجاج في المرافئ النفطية.

كما أن آثارا أخرى غير مباشرة لا يمكن علاجها أو تجنبها بسهولة تتعلق بسمعة ليبيا كبلد مهم في تصدير النفط والغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي، مع احتمال نشوء سوق سوداء لتصدير النفط الليبي في حال استمرار ضعف سيطرة الدولة على أهم مورد اقتصادي.

وأكد متخصصون في قطاع النفط أن للإغلاق تبعات سلبية على أغلب الآبار والتي تتطلب عودتها إلى سابق عهدها صيانة مكلفة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك