مصباح الله عبد الباقي

مصباح الله عبد الباقي

​أكاديمي وكاتب أفغاني



خلفية الهجمات
الضجة الأخيرة
مباركة باكستانية؟
أهداف الهجوم الأخير
النتائج المتوقعة

لقد أثار هجوم طائرة دون طيار أميركية على سيارة كانت تقل زعيم حركة طالبان الباكستانية حكيم الله محسود ومقتله فيه، ضجة سياسية واجتماعية كبيرة في الأوساط الباكستانية، وانقسم الشعب الباكستاني تجاه استمرار تلك الهجمات وتوقفها إلى مؤيد ومعارض.

فلماذا هذه الضجة الكبيرة هذه المرة فقط، مع أنها ليست هي المرة الأولى؟ وما المواقف المختلفة تجاهها؟ وماذا يتوقع بعد هذا الهجوم بالذات من رد فعل لحركة طالبان؟ وهل أوقعت تلك الهجمات الأميركية جهود المصالحة الوطنية الباكستانية في مأزق حقيقي؟

هذه بعض الأسئلة التي تدور في أذهان المهتمين بالشأن الباكستاني، والمهتمين بأمر السلم والاستقرار في المنطقة، وهذا ما نريد مناقشته في السطور المقبلة.

خلفية الهجمات
بدأت الهجمات الأميركية بطائرات دون طيار على المناطق الباكستانية المتاخمة للحدود الأفغانية عام 2004، وقتل في أول هجوم لها أحد قيادات حركة طالبان الباكستانية هو المولوي "نيك محمد" يوم 18 يونيو/حزيران 2004، وكان قد دخل لتوه في هدنة مع الحكومة الباكستانية، ثم قتل في هجوم آخر لتلك الطائرات "بيت الله محسود" زعيم حركة طالبان، وكان ذلك يوم الخامس من أغسطس/آب 2009، ثم قتل أحد أهم قادة حركة طالبان وهو "قاري حسين" في هجوم لتلك الطائرات يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2010.

بدأت الهجمات الأميركية بطائرات دون طيار على المناطق الباكستانية المتاخمة للحدود الأفغانية عام 2004، وقتل في أول هجوم لها أحد قيادات حركة طالبان الباكستانية هو المولوي "نيك محمد"، وكان قد دخل لتوه في هدنة مع الحكومة الباكستانية

ولم تتوقف تلك الهجمات، ففي هجوم آخر قتل "المولوي نذير" في الثاني من  يناير/كانون الثاني 2013، ثم شقيقه "حضرت عمر" في أكتوبر/تشرين الأول 2013، وكانا من أهم القيادات الموالية للحكومة الباكستانية داخل حركة طالبان المكونة من عشرات المجموعات المسلحة. ثم قتل في هجوم آخر لطائرة دون طيار الشيخ "ولي الرحمن" يوم 29 مايو/أيار من هذا العام، وكان آخرهم "حكيم الله محسود" أمير حركة طالبان، وكان مقتله في اليوم الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

وقد أعلنت الحكومة الباكستانية بعض الإحصائيات حول خسائر هجمات طائرات من غير طيار قبل عدة أيام، وتشير تلك الإحصائيات إلى أن الحكومة الباكستانية مقتنعة بجدواها.

فقد وردت في تلك التصريحات أن المناطق الباكستانية تعرضت خلال السنوات الست الماضية لـ"317" حادثة قصف بطائرات دون طيار أميركية، قتل في هذه الهجمات "2160" إرهابيا، وسقط فيها "67" ضحية من المدنيين.

ويرى المطلعون أن الحكومة الباكستانية قد وقعت اتفاقية مع الحكومة الأميركية عام 2004 في عهد الجنرال مشرّف، سمحت بموجبها للولايات المتحدة الأميركية باستخدام المجال الجوي الباكستاني والاستفادة من مطاراتها لإقلاع وهبوط طائراتها من غير طيار.

وكانت هذه الطائرات تستخدم في البداية قاعدة "شاهين" الجوية في إقليم السند الباكستاني، والذي طلب من الأميركيين إخلاؤه بعد العمليات العسكرية الأميركية في داخل الأراضي الباكستانية لقتل أسامة بن لادن، مع أن الحكومات الباكستانية المتعاقبة تنكر اتفاقية من هذا القبيل.

الضجة الأخيرة
قامت طائرة أميركية من غير طيار يوم الجمعة، الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، بقصف بيت وسيارة في منطقة دربه خيل على بعد أربعة كيلومترات من مدينة ميرانشاه عاصمة وزيرستان الشمالية، وقتل في هذ الهجوم بالإضافة إلى زعيم حركة طالبان حكيم الله محسود عدد آخر من قادتها.

وقد أثار هذا الهجوم ضجة كبيرة في الأوساط الباكستانية، فقد أعلنت "حركة إنصاف" بزعامة عمران خان التي تحكم إقليم خيبر بختونخوا أنها ستمنع القوافل التموينية التابعة لحلف دول شمال الأطلسي. واستدعت الحكومة الباكستانية السفير الأميركي إلى مقر الوزارة الخارجية واحتجت على الهجوم، وأعلن تشودري نثار أحمد وزير الداخلية الباكستاني بعد الهجوم أن باكستان ستراجع إستراتيجية التعاون مع أميركا.

حدثت هذه الضجة مع أنه ليس هو الهجوم الأول من نوعه، لأن الحكومة الباكستانية ومعها بعض الأحزاب السياسية الباكستانية مثل "حركة إنصاف" وجمعية علماء الإسلام، والجماعة الإسلامية كانت تسعى منذ شهرين أو أكثر لتهيئة الأجواء لإجراء محادثات جادة مع حركة طالبان الباكستانية بناء على توصية مؤتمر جميع الأحزاب السياسية الباكستانية الذي عقد منذ فترة في إسلام آباد.

وكان من القرارات النهائية لذلك المؤتمر أن طريق استباب الأمن والاستقرار في باكستان هي المصالحة الوطنية والحوار الجاد مع جميع الأطراف، وخاصة مع حركة طالبان الباكستانية، وكان من شروط حركة طالبان لبدء المحادثات وقف هجمات الطائرات الأميركية دون طيار.

وفي زيارته الأخيرة لواشنطن، ناقش رئيس الوزراء الباكستاني محمد نواز شريف قضية هجمات طائرات أميركية من غير طيار على المناطق القبلية الباكستانية مع باراك أوباما، وطالبه بوقفها للتوصل إلى حل للقضية الأمنية مع حركة طالبان.

ولما اطمأنت الحكومة الباكستانية أن تلك الهجمات ستتوقف، وكذلك اطمأنت قيادات حركة طالبان، وتركوا كل التدابير الوقائية والاحتياطات اللازمة، حصل هذا الهجوم وراح ضحيته زعيم حركة طالبان مع بعض رفاقه الذين حضروا اجتماعا لمجلس شورى حركة طالبان لمناقشة قضية المصالحة مع الحكومة الباكستانية التي كانت سترسل وفدا من ثلاثة أشخاص لبدء المحادثات في اليوم التالي للهجوم، وهذا ما أثار غضب بعض الجهات الرسمية والجهات السياسية التي تريد أن تخرج باكستان من دوامة العنف الذي وقعت فيها بسبب دورانها في الفلك الأميركي، منذ أن ورطها مشرّف -الديكتاتور الباكستاني السابق- في الحرب الأميركية على الإرهاب المزعوم منذ عام 2001.

ترى حركة طالبان وبعض الأحزاب السياسية الباكستانية بالإضافة إلى بعض الشخصيات الأميركية، أن هجمات الطائرات دون طيار في الأراضي الباكستانية لا يمكن أن تنفذ إلا بمباركة من الحكومة الباكستانية وموافقة مؤسساتها الأمنية
مباركة باكستانية؟
تظاهرت الحكومة الباكستانية الحالية أمام الرأي العام الباكستاني والرأي العام العالمي بعد وقوع الهجوم الأخير بأنها تفاجأت بذلك وأنها غاضبة على أميركا بسببه وأنها ستراجع سياساتها بخصوص تعاونها مع أميركا، هذا ما ورد في تصريحات رسمية على لسان وزير داخليتها تشودري نثار أحمد.
 
بينما ترى حركة طالبان وبعض الأحزاب السياسية الباكستانية بالإضافة إلى بعض الشخصيات الأميركية أن مثل تلك الهجمات لا يمكن أن تنفذ إلا بمباركة من الحكومة الباكستانية وموافقة مؤسساتها الأمنية.

وقد صرحت حركة طالبان بعد الحادث بيوم أن الهجوم وقع بتنسيق تام بين الأجهزة الاستخباراتية الباكستانية والأميركية، وأنها ستنتقم لمقتل زعيمها، كما صرح إيلن غريسن عضو لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي بأن مثل هذه الهجمات لا يمكن أن تنفذ إلا بالتعاون من قبل الجهات الباكستانية، وأنها يمكن إيقافها غدا إن أرادت الحكومة الباكستانية.

لكن الذي يبدو أن الجهات السيادية الباكستانية تريد حل مشاكلها الأمنية مع حركة طالبان عن طريق الحوار والمحادثات، لأن الجيش الباكستاني جرب كل الوسائل الأخرى وقتل الآلاف من سكان المناطق التي تتخذها حركة طالبان مقرا لها، وارتكبت جرائم بشعة بحقهم، لكنه لم يستطع السيطرة على الوضع.

ومن هنا توصلت إلى أن الحل يكمن في الحوار، لكنها تفقد الجرأة اللازمة للوقوف أمام المطالب الأميركية، فلا تريد أن تغضب أميركا وأن تخسر المعونات الأميركية بمطالبتها بما تقتنع به.

أهداف الهجوم الأخير
ترى بعض الجهات الباكستانية المؤيدة لوجهة النظر الأميركية أن أميركا قتلت زعيم حركة طالبان لضلوعه في العديد من العمليات ضد القوات الأميركية، منها العمليات التي قام بها أحد الأردنيين في مدينة خوست الأفغانية والتي قتل فيها مجموعة من عملاء الاستخبارات الأميركية (سي آي أي) كما أنها كانت تعتبر زعيم حركة طالبان تهديدا للأمن القومي الأميركي.

لكن يبدو أن الهجوم الأخير في هذا التوقيت بالذات نُفّذ للوصول إلى أهداف أخرى غير ما تعلن عنه هذه الجهات، ومن تلك الأهداف إفشال عملية الحوار والتفاهم بين حركة طالبان والحكومة، لأن أميركا تزعم أن المجموعات المسلحة المتواجدة في الشريط الحدودي بين أفغانستان وباكستان تهدد أمنها القومي كما أنها تهدد أمن قواتها المتواجدة في المنطقة، ومن ثم يجب القضاء عليها عن طريق استخدام القوة.

وتريد أميركا استخدام الجيش الباكستاني لهذا الغرض بأن يؤدي دور مليشيات مستأجرة، وهذا لن يكون إلا إذا شعر الجيش بأن تلك المجموعات تشكل تهديدا للمصالح الباكستانية كذلك، وأما إذا توصلت تلك المجموعات إلى المصالحة مع الحكومة ففي هذه الحالة لن تتمكن أميركا من استخدام الجيش الباكستاني ضدها، كما حدث ذلك في وزيرستان الجنوبية، فالمجموعات المسلحة تعهدت بعدم تعرضها للمصالح الباكستانية، ومن هنا لم تتعرض لأي هجوم من قبل الجيش منذ عدة سنوات مع الإصرار الأميركي ومطالبتها بصورة متكررة بالهجوم عليها.

ويبدو أنها حققت هذا الهدف إلى حد كبير، فحركة طالبان الباكستانية التي تتألف من حوالي 69 مجموعة مسلحة، وأهمها 25 جماعة مسلحة، لم تكن كل فصائلها تؤيد عملية الحوار مع الحكومة، لكن شخصية حكيم الله محسود التي كانت تحظى باحترام لدى أغلب تلك الفصائل كانت تحملها على قبول الحوار، أما الآن فمع من ستتحاور الحكومة الباكستانية؟ وكيف ستجمع تلك الفصائل المختلفة؟
وعلى ذلك فإن الحكومة الباكستانية يجب أن تنتظر وقتا طويلا ليبرز شخص آخر ويحتل نفس المكانة التي كان يحتلها حكيم الله محسود بين الفصائل المسلحة، ويجب أن يكون ذلك الشخص مقتنعا بالسعي لحل المشاكل مع الحكومة عن طريق الحوار، لتبدأ عملية المصالحة مرة أخرى، هذا ما كانت تريده أميركا وقد حققته بهذه الضربة.

يبدو أن موقف المجموعات التي تتبنى الموقف المتشدد حيال العمليات العسكرية داخل المدن الباكستانية سيتقوى بعد الحادث الأخير، وأن سلسلة جديدة من التفجيرات والهجمات النوعية ستبدأ في المدن الكبيرة إن لم تتدارك الحكومة الباكستانية هذا الأمر

وقد أبدت أميركا رغبتها بأن يتولى قيادة حركة طالبان شخص يضمر كرها شديدا للحكومة الباكستانية لكي لا يبدأ الحوار مرة أخرى بسهولة، فقد ورد في الإعلام الأميركي خبر مفاده أن حركة طالبان ستختار الشيخ فضل الله (من منطقة سوات الباكستانية) أميرا لها، وهذه رغبة أكثر من أن تكون معلومة، فإن الشيخ فضل الله من ألد أعداء الحكومة الباكستانية، وقد حاولت الجهات الباكستانية اغتياله أكثر من مرة في مخبئه في داخل الأراضي الأفغانية.

النتائج المتوقعة
قامت حركة طالبان بسلسلة من العمليات العسكرية داخل باكستان بعد مقتل المولوي نيك محمد في هجوم لطائرات أميركية دون طيار عام 2004، واستمرت بنفس النهج إلى أن تناقصت تلك العمليات في الآونة الأخيرة.

ويبدو أن موقف المجموعات التي تتبنى الموقف المتشدد حيال العمليات العسكرية داخل المدن الباكستانية سيتقوى بعد الحادث الأخير، وأن سلسلة جديدة من التفجيرات والهجمات النوعية ستبدأ في المدن الكبيرة إن لم تتدارك الحكومة الباكستانية هذا الأمر، وأن التفجيرات والهجمات لن يكون ضحيتها إلا المدنيون الأبرياء من الشعب الباكستاني.

وكل هذه المصائب التي سيعاني منها الشعب الباكستاني بسبب رد الفعل الذي ستتبناه حركة طالبان ليس لها سبب سوى ضعف الحكام والعنجهية الأميركية.

والمخلص الوحيد للحكام من هذه الورطة أن يرعوا مصالح شعوبها ومصالح شعوب المنطقة المشتركة، وأن يجدوا في أنفسهم الجرأة على الوقوف في وجه المصالح الأميركية إذا تعارضت مع مصالح شعوبهم، وأن يستشعروا القدرة على التضحية في سبيل ذلك، ولتدرك الحكومة الباكستانية أن استباب الأمن في باكستان متوقف على الاستقرار في أفغانستان، فإن لم ترد استقرار أفغانستان لذاته فلتسع إليه لأجل الاستقرار في باكستان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك