سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني



تبدو الأمور مشوشة في الثورة السورية الآن، بعد أن تداخلت التناقضات الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، فضاعت "روح" الثورة وتشوشت مطالبها. فما هي أهداف الثورة؟ أو ما هي الأسباب التي فرضت على قطاع كبير من الشعب أن يتمرّد؟ وهل ما زالت تحكم مسار الثورة؟ وكيف وصلنا إلى الوضع المشوش القائم الآن؟

ربما ليس من السهل سرد الظروف التي أوجدت هذا الوضع المشوش، والذي جعل كل ما هو ضروري الآن هو وقف القتل، والتدمير والعنف، وإعادة الحياة لقطاع كبير بات يعيش حالة التشرد أو العجز عن العمل بعد موت الحياة الاقتصادية، وبالتالي الوصول إلى متنفس فقط.

فقد كانت الثورة السورية "مفصل تعقيدات العالم"، أو هكذا بدت، الأمر الذي فرض كل التدخلات التي جرت، لا من أجل إسقاط النظام كما طالب الشعب، ولا من أجل الحرية والديمقراطية كما يطالب البعض، ولا كذلك من أجل إخراج سوريا من "حلف المقاومة والممانعة" (كما يسمى من قبل الطائفيين، الحلف الشيعي)، بل إن هدفها الجوهري هو سحق الثورة بعد أن امتدّ لهيب الثورات من تونس إلى مصر، ومن ثم البحرين واليمن وليبيا، إلى سوريا، مع حراك كبير في المغرب والجزائر والأردن والعراق.

لم يكون "المنظور الأصولي" محركا في الثورة السورية، ولم يكن متواجدا في فاعليات الثورة أصلا. فقد كان السبب الذي حرّك قطاعا من الشباب هو الشعور بالحاجة إلى الحرية

وهو الوضع الذي دفع نحو تحويل الثورة إلى صراعات "طائفية" كما أرادت كل الأطراف تلك، و"عصابات مسلحة" كما أرادت السلطة، وإلى تشريد أكثر من ثلث الشعب، وقتل مئات الآلاف، واعتقال أكثر من ذلك. ولكن أيضا إلى الدفع نحو إفشال الثورة، أو الشعور بالحاجة إلى متنفس فقط.

لم يكون "المنظور الأصولي" محركا في الثورة السورية، ولم يكن متواجدا في فاعليات الثورة أصلا. فقد كان السبب الذي حرّك قطاعا من الشباب الذي تحمّس لما جرى في تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا، هو الشعور بالحاجة إلى الحرية، حيث واجه شعار السلطة "الله، سوريا، بشار وبس" بشعار "الله، سوريا، حرية وبس"، أي وضع الحرية مقابل بشار ممثل سلطة استبدادية شمولية حكمت عقودا، وسحقت شموليته كل أحلام ومطامح الشباب، وخصوصا الفئات الوسطى التي تحرّكت من أجل الحرية.

الحرية السياسية والتحرر الاجتماعي هما أساس حراك هؤلاء، ومطلبهم من نشاطهم الذي تحوّل من دعم الثورات الأخرى إلى تحريك الثورة في سوريا.

وهي النخب التي تريد الدولة المدنية الديمقراطية، وقاتلت من أجلها في الأشهر الأولى من الثورة بجرأة وقوة، ولكن عنف السلطة كان هائلا من أجل سحقها، ولهذا تراجع دورها فيما بعد.

كما كانت تمتلك أوهام الانتصار السريع لهذا "تعبت" بعد أشهر من ثورة لم يكن يبدو أنها قريبة الانتصار.

هذا الحراك محدود لكن المنتشر لاقى احتقانا كان يختمر منذ زمن، حيث انهار الريف بعد انتصار "اللبرلة"، وأصبحت قطاعات فلاحية كبيرة تعيش حالة الفقر، وأيضا أفضى احتكار الثروة إلى تعميم الفقر في المدن، حتى الفئات الوسطى تعرضت للإفقار، وكذلك فئات تجارية في المدن "المهمشة".

بالتالي كانت مواجهة الاستبداد هي مستوى في الصراع ضد السلطة، لكن كانت مظاهر البطالة والفقر هي التي حرّكت الأعداد الغفيرة.

وبهذا فإن هذه الصورة تفرض أن نعي بأن المطالب، بغض النظر عن الشعارات التي رفعت، ودون أن نناقش كيف رفعت، تتعلق بالنمط الاقتصادي كما تتعلق بالنظام السياسي، أي تغيير كلية النظام السياسي الاقتصادي، ففي ذلك وحده يمكن حل مشكلات البطالة والفقر وانهيار التعليم والصحة، وانطلاقا منه يمكن بناء دولة علمانية ديمقراطية، دولة الحريات.

في ذلك ملخص للبديل الذي كانت مشكلات الشعب تفرض تحقيقه، وما زال تحقيقه هو الذي يعلن انتصار الثورة.

لكن ذلك يحتاج إلى القوى السياسية، لأنه بالضبط من مهمة السياسة، من ثم هل تحمل القوى القائمة الآن حلا لمشكلات الشعب؟ هل تحمل المعارضة، الداخلية والخارجية، حلا؟ هل رؤيتها تتضمن تحقيق مطالب الشعب بالتالي؟

ربما أجبنا عديد المرات عن هذا الأمر. الآن نواجه بقوى أخرى هي القوى الأصولية، داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) وجبهة النصرة والجبهة الإسلامية.

وكما أوضحنا فالأمر لا يتعلق، بالأساس، بتغيير شخص أو بإنهاء حكم عائلة، لأن المشكلات التي عانى منها الشعب والتي فرضت ثورته لا تتعلق بالأفراد بما هم أفراد بل بالنمط الاقتصادي السياسي الذي فرضوه خدمة لمصالحهم. وبالتالي هل القوى الأصولية تلك تحمل حلولا لمشكلات الشعب؟

إن "البديل" لدى الأصوليين بديل تدميري، لا يحمل حلولا للمشكلات المجتمعية إلا عبر التدمير، وإعادة المجتمع إلى مجموعات "بدائية" لا تعرف الثقافة والعلم والحضارة

هذا الأمر يفرض أن ندقق في تكوين هذه القوى، في التكوين المعرفي الذي يحكمهم، ومن ثم فيما يطرحون كحل، هو "الدولة الإسلامية" بكل هذه العمومية.

الإخوان المسلمون رفعوا شعار "الإسلام هو الحل" وحكموا في مصر وتونس مكرسين التكوين الاقتصادي القائم، وقاموا بإحلال "رجال أعمال" جدد محل "رجال أعمال" النظام القديم، وأكدوا على السياسة الليبرالية ذاتها، وعلى الاعتماد على الاقتراض كما كان في النظام السابق. وفي هذا الإطار لا حل لمشكلات الشعب في رؤية هذا التيار.
 
لكن مع قوى مثل داعش والنصرة وجيش الإسلام، التي تمثل قوى سلفية تعتمد المذهب الوهابي المتشدد، سنكون في وضع أسوأ، لأنه ليس لهذه القوى من قاعدة اجتماعية، بل إنها تضم "مهمشين" ومفقرين، محدودي الثقافة والمعرفة، حتى في الدين ذاته، يتبعون أمراء ثقافتهم الدينية ضحلة. وكل الزاد المعرفي هو زاد "أخلاقي" و"ديني"، يتعلق بفرض اتباع التزام شكلي جدا بالطقوس الدينية، وفرض ما يعتبرونه محرمات، وهي تتعلق بالشأن الشخصي بالأساس.
 
لهذا فإن "البديل" الذي يطرحونه هو بديل فقير، لا يطال الاقتصاد والإدارة والسياسة، لأنه يقوم على أساس فقهي مختزل وفقير، ومحصور في مسائل قليلة قيمية في الغالب. وهو يجرّد كل تاريخ الإسلام، وكل التطور الذي حدث فيه، في مستخلصات تبلورت في مرحلة انهيار الدولة العباسية، وعادت إلى ما يقارب البداوة. وهي بالتالي تلخص الإسلام بتطبيق حدود يقال إنها "شرعية".

وهذه المستخلصات معادية للثقافة والفكر والعلم، وتعتبر الوضع الانهياري هو المثال. من هذا المنظور تسعى لتدمير كل ما جاءت به الحداثة، أو حصل خلال القرون التالية للقرون الوسطى تلك.
ولقد وجدنا أنها ترفض المدارس الحديثة مثلا لمصلحة العودة إلى الكتاتيب، واعتبار هذا الفهم المفقر للدين هو كل شيء.

إن "البديل" هنا هو بديل تدميري، لا يحمل حلولا للمشكلات المجتمعية إلا عبر التدمير، وإعادة المجتمع إلى مجموعات "بدائية" لا تعرف الثقافة والعلم والحضارة، وليس من نشاط اقتصادي سوى التهريب والنهب و"السلبطة"، وفي وضع يعيد عصر الحريم.

فما يبدو واضحا من "تنظيرات منظري" السلفية، والممارسات التي مورست في أفغانستان والعراق والشمال السوري يوضح أن البديل هو عودة إلى عصور الانهيار والتفكك والهامشية، هو استعادة تلك العصور بقيمها ومفاهيمها ومنطقها، و"اقتصادها".

وهذا مشروع يتناقض مع الواقع القائم، لأنه يفرض إعادة الشعب إلى مراحل متخلفة جدا، وهو واضح من الفئات التي تحمل هذا المشروع، وهي فئات مهمشة بكل المعاني الاقتصادية والثقافية والحضارية والقيمية، وتعاني من أزمة "احتقان جنسي".

من هذا المنظور، فإن هذا "البديل" هو بديل تفكيكي، ومدمر لبنية الدولة والمجتمع. فهو لا يحمل مشروعا اقتصاديا بل يدمر الاقتصاد القائم لمصلحة التهريب والنهب، وهو يقسّم المجتمع طائفيا، ويفرض الحد على "الأقليات الدينية" والأديان الأخرى من منظور أن ليس من دين سوى الإسلام، ويعيد النساء حريما مهمتهن الجنس والولادة، ويفرض تفسيرا أحاديا ضيقا في إطار الإسلام السني يجعله في تناقض مع الشعب ذاته.
الشعب يريد الحرية والديمقراطية، كما يريد اقتصادا يحل مشكلات البطالة العالية والفقر الشديد، وبناء تعليم حداثي علمي، ويؤسس لدولة علمانية ديمقراطية، وكل "بدائل" لا تتناول ذلك ستسقط

ومن ثم باتت تصوّر الأمور أننا بتنا إزاء خيارين: النظام الحالي أو هذه المجموعات الأصولية. هذه الوضعية نتجت عن جهد كبير قامت به السلطة لكي توجد وتقوي هذه المجموعات، وجهد كبير "مشكور" من العديد من أطراف المعارضة التي توهمت أن هذه القوى زحفت لكي تسقط السلطة لمصلحتها هي، أو تمركز همها في سحق "آل الأسد" (فهي ثورة ضد بشار الأسد حسب موقع إخواني).

لكن لا هذه ولا تلك تحمل حلولا لمشكلات الشعب التي أشرنا إليها قبلا، ومن ثم فإن صراع الشعب بات في الاتجاهين، أي ضد السلطة القائمة وضد الأصولية التي باتت معركتها مع الشعب أيضا وليست مع السلطة.

الشعب يريد الحرية والديمقراطية، كما يريد اقتصادا يحل مشكلات البطالة العالية والفقر الشديد، ويعيد بناء التعليم بشك حداثي علمي، ويؤسس لدولة علمانية ديمقراطية تخدم مصالحه، هذا هو جوهر الأمر، وكل "بدائل" لا تتناول ذلك ستسقط.

وانطلاقا من ذلك، يقف الشعب ضد السلطة كما ضد كل هذه القوى التي تحمل بديلا ماضويا مدمرا، وأيضا ضد البديل الليبرالي الذي تطرحه معظم أطياف المعارضة، بالضبط لأن اللبرلة هي التي أدت إلى كل تلك المشكلات المجتمعية وفرضت الثورة. وهذه المطالب هي "روح" الثورة التي سوف تبقيها مستمرة إلى أن تتحقق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك