عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.

الانتشار الأمني على الحدود
آليات تأمين الحدود
الدور الأميركي المستجد
الحياد باعتباره مفهوما تبسيطيا

شهد العراق، منذ الربع الثاني للعام 2013، عودة كبيرة ومتسارعة لأعمال العنف، التي استهدفت الدولة ومؤسساتها الأمنية والمدنية، بل المجتمع الأهلي ذاته.

وقد ساهم الشقاق السياسي الداخلي وتوتر البيئة الإقليمية في إذكاء العنف وتعظيم نطاقه، فالأول وفر الحافز والغطاء الضمني، والثاني فتح فرصا جديدة لتدفق المقاتلين والسلاح.

وعلى الرغم من ذلك، فإن العنف لا يجد مبرراته، أو خلفياته الأولى، في العامل الأول أو الثاني، بل في الأجندة الأصلية لبعض المجموعات المسلحة، التي وضعت نفسها علنا في مواجهة الدولة والمجتمع معا.

الحدود العراقية السورية، وبعض مناطقها الوعرة، تعتبر اليوم نقطة التجمع والانطلاق الرئيسية لتنظيم القاعدة في العراق، وقد أضحت من أهم مراكز نقل السلاح والمسلحين باتجاه الداخل العراقي

وقد تكون هناك مداخل سياسية وأمنية عديدة لتطويق موجة العنف والسيطرة عليها، إلا أن المدخل الأكثر إثارة في الوقت الراهن، يتمثل في محاولات السيطرة على الوضع المضطرب للحدود العراقية السورية، التي باتت تمثل مصدر قلق بالغ للمجتمع الدولي.

الانتشار الأمني على الحدود
إن الحدود العراقية السورية وبعض مناطقها الوعرة، تعتبر اليوم نقطة التجمع والانطلاق الرئيسية لتنظيم القاعدة في العراق، وقد أضحت من أهم مراكز نقل السلاح والمسلحين باتجاه الداخل العراقي.

وتجاور سوريا العراق بحدود طولها 605 كيلومترات، من أصل إجمالي حدوده البالغة 3650 كيلومترا.

وهناك معضلة تقليدية تواجه قوات الأمن العراقية في تعاملها مع القرى الحدودية المتاخمة للبلدات السورية، حيث تتداخل الأسر والعوائل تداخلا وثيقا، ويبدو تنقل الأهالي على جانبي الحدود، كما لو كانوا ضمن مدينة واحدة.

ويمتلك العراق قوات حدود تعدادها 43 ألف عنصر، تقرر في العام 2010 رفعها إلى 56 ألفا، كما جرى في العام ذاته وضع خطة لتشكيل قوة طيران الشرطة بهدف مراقبة المنافذ الحدودية.
وهذه القوة غير كافية بطبيعة الحال للنهوض بمهمة تأمين حدود شاسعة، تواجه نمطا مركبا من التحديات التقليدية والمستجدة.

وسبق أن قام العراق بإغلاق حدوده مع سوريا في معبر القائم/البوكمال في محافظة الأنبار، ثم معبر ربيعة/اليعربية الواقع بمحافظة نينوى.

وفي مايو/أيار2013، أقدم العراق على نشر عشرين ألف جندي على طول حدوده مع سوريا، في عملية قيل إن هدفها منع تسلل المسلحين إلى داخل الأراضي العراقية.

والسؤال المستمر هو: كيف يواجه العراق هذا التحدي القديم الجديد على حدوده مع سوريا.
بداية: يجب التأكيد على أن تأمين هذه الحدود يُمثل معضلة تتصل مركزيا بوضع القوات العراقية، ومستوى تجهيزها.

وبمعنى آخر، إن تأمين خط حدودي ساخن، يمتد لأكثر من ستمائة كيلومترا، لا يُمكن تحقيقه بدون قدرات عسكرية ناجزة، لديها إمكانية الانتشار والتمركز لوقت طويل، ولها من التجهيز والعتاد ما يؤهلها للقيام بالمهام المنوطة بها.

ووفقا لمعطيات العام 2012 يبلغ تعداد الجيش العراقي حوالي 300 ألف عنصر، فيما يبلغ إجمالي القوات المسلحة العراقية، بما فيها تلك التابعة لوزارة الداخلية، حوالي مليون عنصر.

ومبدئيا، يُمكن القول إن هذا الحجم من القوات قادر على تلبية احتياجات بلد مثل العراق، بمساحته البالغة 438.3 ألف كيلومترا مربعا، حتى يلاحظ تعقيدات أمنه الداخلي.

وتبقى القضية الرئيسية مرتبطة بمستوى ونوع التسلّح المتاح للقوى العسكرية والأمنية، ضمن تشكيلاتها ومواقعها المختلفة.

آليات تأمين الحدود
وبالنسبة لتأمين الحدود -على وجه خاص- يدور الأمر حول مدى تطوّر القدرات الاستطلاعية البرية والجوية، وتوفر المروحيات المجهزة والمدرعات الخفيفة سريعة الحركة.

ويمتلك العراق في الوقت الحالي عددا من الطائرات والمروحيات التي يُمكن استخدامها في عمليات الاستطلاع الجوي، وتعقب المجموعات وتنفيذ مهام القصف من ارتفاعات منخفضة.
كذلك لدى العراق مصفوفة من الآليات المصفحة والمدرعات الخفيفة، التي يُمكن استخدامها في عمليات المطاردة وتعقب المجموعات.
تأمين خط حدودي ساخن، يمتد لأكثر من ستمائة كيلومترا، لا يُمكن تحقيقه دون قدرات عسكرية ناجزة، لديها إمكانية الانتشار والتمركز لوقت طويل، ولها من التجهيز والعتاد ما يؤهلها للقيام بالمهام المنوطة بها

وقد استورد العراق، في السنوات الأخيرة، العديد من الطائرات والمروحيات العسكرية متعددة الأغراض، منها عشر طائرات أميركية من طراز (ISR King Air-350)، التي تجمع بين مزايا الطائرات المسيرة والطائرات المأهولة، على مستوى المراقبة الجوية وإطلاق الصواريخ الموجهة بالليزر.

كذلك اقتنى العراق من الولايات المتحدة 64 مروحية خفر خفيفة من طراز    (Bell) من أجيال مختلفة، كما تعاقد مع روسيا على نحو 40 مروحية من طرازات (Mi-8) و(Mi-17) و(Hip-H).

وفي الثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول 2013، قال مسؤول بالإدارة الأميركية إن تسليم مقاتلات (F-16) للعراق سوف تمضي وفق المقرر في الخريف القادم، وإن بغداد أودعت قسطا بحوالي 650 مليون دولار لهذا الغرض.

وأبرم العراق عقدا جديدا مع الولايات المتحدة في العام 2012 لشراء مجموعته الثانية من مقاتلات    (F-16) التي تضم 18 مقاتلة، وذلك في إطار صفقة لشراء 36 من هذه الطائرات المتطوّرة متعددة المهام التي تنتمي للجيل الرابع من الطائرات الحربية.

وما يُمكن قوله على نحو مجمل هو أن لدى العراق من الإمكانات على صعيدي المروحيات والمدرعات الخفيفة، ما يؤهله مبدئيا لتأمين حدوده المضطربة مع سوريا، في حال توفرت لديه قدرات الاستطلاع الأرضي إلا أن هذه القدرات غير متاحة على النحو المتعارف عليه حتى اليوم.

الدور الأميركي المستجد
هذه القدرات يُمكن تحقيقها بتعاون عراقي أميركي، أو في الحد الأدنى من خلال برامج تسليح أميركية للعراق، خاصة وأن بعضا مما نعنيه هنا هو قائم بالفعل في إطار العقود والخطط التي جرى التوافق عليها بين الجانبين خلال السنوات الماضية.

وفي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2013، قال بيان للبيت الأبيض إن الجانبين الأميركي والعراقي متفقان على حاجة القوات العراقية الماسة لمزيد من التسليح والعتاد، لتكون قادرة على النهوض بمهامها في المناطق النائية التي تتواجد بها معسكرات لمجموعات العنف المسلح.

ومن الزاوية السياسية فإن تأمين حدود العراق يُعد في جوهره التزاما أميركيا حيال الدولة العراقية، على النحو الذي حددته اتفاقية الإطار الإستراتيجي، التي جرى توقيعها بين البلدين في السابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2008، وأضحت نافذة المفعول اعتبارا من الأول من يناير/كانون الثاني 2009.

فقد نصت هذه الاتفاقية في أحد بنودها على "أنه تعزيزا للأمن والاستقرار في العراق والمساهمة في حفظ السلم والاستقرار الدوليين، وتعزيزا لقدرة جمهورية العراق على ردع كافة التهديدات الموجهة ضد سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها، يواصل الطرفان العمل على تنمية علاقات التعاون الوثيق بينهما فيما يتعلق بالترتيبات الدفاعية والأمنية".

وهذه الفقرة تشير إلى أن الولايات المتحدة معنية بالبحث عن سبل دعم مجهود العراق في السيطرة على الوضع المضطرب في حدوده الغربية.

وكان قد دار في منتصف العقد الماضي الكثير من النقاش حول دور الولايات المتحدة في تأمين الحدود السورية العراقية، وطرحت توصيات بهذا الخصوص من قبل قيادات عسكرية أميركية، إلا أن تعقيدات مالية وسياسية حالت دون ترجمتها على الأرض، كما أن الانسحاب المفاجئ للجنود الأميركيين نهاية العام 2011 أنهى العديد من الخطط المتداولة.

بعد ذلك التاريخ لم ترق العلاقات الأميركية العراقية إلى صورة مشابهة لروابط الولايات المتحدة باليابان أو كوريا الجنوبية، لكنها لم تفقد في الوقت نفسه مضمونها الإستراتيجي، ولا الآليات الكفيلة بإدامة هذا المضمون.

وهو ما يعكسه تصريح سابق للرئيس باراك أوباما "هذا اليوم نؤكد من جديد رؤيتنا المشتركة المتمثلة في إقامة شراكة طويلة الأمد بين دولتينا".

الحياد باعتباره مفهوما تبسيطيا
بقى أن نشير في نهاية هذا الإيجاز إلى أنه فيما يرتبط بمقاربة أشقائنا العراقيين لقضية حدودهم مع القطر السوري، لا بد من التشديد على ضرورة مراعاة خصوصية الظروف الصعبة التي تمر بها سوريا، والمعاناة المضاعفة التي يعيشها أهلنا في المحافظات الشرقية، وخاصة دير الزور التي شهدت إحدى أكبر عمليات النزوح نحو الداخل العراقي.

إننا نقر للعراق الشقيق حقه في المحافظة على حدوده، وهذه قضية كفلها القانون الدولي، وعلى الرغم من ذلك فإن المطلوب هو تجنب أي مسلك يؤدي إلى زيادة الضغط الأمني أو الإنساني على شعبنا السوري.

سواء رضي بعضنا بسياسات العراق أم لا، فالثابت هو أنه يُمثل متنفسا للملايين من أهلنا، وهذا الأمر ليس للسياسة صلة به، بل هو منطق الجغرافيا والتاريخ، والمشترك الاجتماعي، الذي يربط بين البلدين
والقوى الوطنية السورية معنية بمراعاة ظروف العراق، وخصوصية بيئته الأمنية وواقعه السياسي المعقد، حتى وإن كان الجميع يدرك بأن مقولة الحياد تجاه الأوضاع في سوريا هي مقولة إشكالية، بل وتبسيطية إلى حد بعيد.

إن العراق يحتضن اليوم عددا كبيرا من أهلنا النازحين، الذين فروا خصوصا من حلب والمحافظات الشرقية.

وهذا العراق في الوقت نفسه يُمثل امتدادا اجتماعيا، تتداخل فيه العشائر والأسر على امتداد الحدود، كما تزدهر عبره التجارة الأهلية خصوصا الغذائية والدوائية فضلا عن الوقود على اختلافه.

وسواء رضي بعضنا بسياسات العراق أم لا، فالثابت هو أنه يُمثل متنفسا للملايين من أهلنا، سواء من نزح منهم باتجاه الحدود، أو من مازال في بلداته المتاخمة لها. وهذا الأمر ليس للسياسة صلة به، بل هو منطق الجغرافيا والتاريخ والمشترك الاجتماعي الذي يربط بين البلدين.

ومن هنا، ليس ثمة مصلحة في دفع العراق بعيدا عن خط الوسط، حتى وإن كان هناك من لا يرى فيه وسطا.

وفي هذا السياق، يجب التشديد على حقيقة أن استمرار الاشتباكات في مناطق الجزيرة يضر بمصالح العراق، وقبل ذلك بمصالح السوريين أنفسهم، وهو يفتح الطريق أمام تورط كردي عراقي مباشر، من شأنه أن يفاقم الأوضاع ويزيدها تعقيدا.

إن الحدود السورية العراقية تُمثل عينة لواقعنا الصعب وتداخلاته المعقدة، ولا يرتبط استقرار حالها بواقع البلدين وحسب، بل أيضا بتشابكاتهما الإقليمية والدولية، وخاصة لجهة مستوى علاقات العراق بالولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك