عبد الله البريدي

عبد الله البريدي

- كاتب وأكاديمي سعودي- دكتوراه في السلوك التنظيمي "في موضوع الإبداع"- جامعة مانشستر

 

دولة معدلة ثوريا؟
الأمن اللغوي العربي
تشجيع الاستثمار العربي
تعزيز التنمية المستدامة

أرى ويرى كثيرون معي بأن المغرب تشهد حركة إصلاحية مميزة في سياقات دستورية وسياسية واقتصادية واجتماعية.

والجميل أن العاهل المغربي الملك محمد السادس يقود هذه الحركة ويشرف عليها، وهذا أمر إيجابي للغاية، يجب أن يذكر ويشكر، وقد استمرت هذه الإصلاحات بعد الربيع العربي وأخذت أمداء أعمق في بعض السياقات.

وسأبدأ هذا المقال بفكرة تأسيسية أحسب أنها مهمة لجميع الدول العربية دون استثناء، وهذا من النصح الإصلاحي الذي أحب أن أضعه بكل وضوح أمام الجميع، فنحن شركاء في تصنيع مستقبلنا، في أي اتجاه كان ذلك التصنيع.

دولة معدلة ثوريا؟
بعد حقبة الربيع العربي، طرحت مفهوم "الدولة المعدلة ثوريا" بحسبانه يجسّد مخرجا إصلاحيا ذكيا، يعبر بالدول العربية تخوم الثورات وتكاليفها المرتفعة وسيناريوهاتها الخطرة المحتملة، كما يتجاوز بها في الوقت نفسه أوهام "الاستقرار المصطنع" الذي قد يجر هذا البلد أو ذاك إلى حراك احتجاجي أو ثوري بطريقة أو بأخرى، قد تخرج عن نطاق السيطرة في لحظة زمنية ما.

الدولة المعدلة ثوريا خيار تصالحي تشاركي، يبتعد بهذه الدولة أو تلك عن الصدام والعنف، ويسعى لتجنب احتمالات التشظي والانقسام أو الحروب الأهلية التي قد يفرضها الربيع في بعض الدول العربية

و"الدولة المعدلة ثوريا" خيار إصلاحي إستراتيجي، فهو يحقق حزمة كبيرة من تطلعات الشعوب وحقوقها، أي أنه ينظر إلى غائية الحراك الاحتجاجي أو الثوري وليس دوافعه النفسية وتراكماته السياسية والثقافية فقط.

كما أنه خيار تصالحي تشاركي، يبتعد بهذه الدولة أو تلك عن الصدام والعنف، ويسعى لتجنب احتمالات التشظي والانقسام أو الحروب الأهلية التي قد يفرضها الربيع العربي في بعض الدول العربية.

إذن "الدولة المعدلة ثوريا" تتخذ مكانا وسطا بين تصورين متطرفين، الأول يعمي الأبصار عن الحقائق والمعطيات ويتلبس بذهنية الإنكار لكل ما هو قائم في اللحظة الراهنة ويزعم أن "كل شيء على ما يرام" (التيار المنافق الجامد)، والثاني يخطف الأبصار بأضواء مضخمة وربما مفتعلة ويزعم أنه لا "طريق إلا الثورة" (التيار الراديكالي الطائش).

والحقيقة قد تكمن في منطقة تتوسط بين هذين التصورين المتطرفين.

ولهذا فإنني دعوت -ولا أزال أدعو- إلى تبني ذلك الخيار من كل الدول العربية التي لما يلحقها الحراك الاحتجاجي أو الثوري بعد، مع وجوب دفع تكلفة ذلك الخيار كاملة غير منقوصة.

و"الدولة المعدلة ثوريا" لا تقبل التعديلات الطفيفة أو الإصلاحات الشكلية، بل تتطلب تغييرات جوهرية تمس كل الجوانب التي تحركت حيالها "التروس الاجتماعية"، وعلى رأسها تحقيق إصلاحات شاملة وجوهرية في الجوانب الدستورية والسياسية والتنموية وفق منظور كلي إستراتيجي شامل.

وللحقيقة والتاريخ أقول إن الكثير من أصدقائي العرب بعد طرحي لمفهوم "الدولة المعدلة ثوريا" باتوا يقولون لي بأن المغرب هي دولة معدلة ثوريا، أو بأنها تسير في هذا الطريق بشكل مشجع، وهذا الطرح الأخير وجيه جدا، حيث نرى إصلاحات جوهرية في مجالات عدة، وهذه هي الرسالة الإصلاحية الواردة من المغرب والتي ألمحت إليها في عنوان المقال.

وتلك الإصلاحات تستحق أبحاثا مفصلة معمقة لتحليلها وتوثيقها، بغية تطويرها والعمل على استمرارها وتوسيعها واستكمالها ودفع كافة استحقاقاتها على المستوى القطري والقومي على حد سواء.

وإسهاما في هذا النهج الإصلاحي أضع بعض المحاور والأفكار التي خلصت إليها أثتاء القراءة والزيارات الميدانية للمغرب الحبيب، وأنا أدرك بأنها محل الاهتمام والعناية الواجبة في المغرب، وبأنها ليست شاملة ولا جديدة، كما أنها ليست خارقة الذكاء في توصيفها وطرحها، فأنا هنا أشدد على أهميتها فقط، ولتكن في نقاط مكثفة مع حرصي على تجاوز المسألة السياسية لكثرة الطروحات حولها، وهذه هي رسالة إصلاحية موجهة للمغرب والتي أشرت إليها في العنوان.

الأمن اللغوي العربي
يطرح البعض في المغرب هذه الأيام مسألة استخدام اللهجة العامية (الدارجة المغربية) في مراحل التعليم الأولي، وهذا أمر خطير للغاية، وهو يخرج عن نطاق الفعل المجتمعي الديمقراطي، حيث إنه يخالف مبدأ "السيادة اللغوية الواجبة للضاد"، ويعرِّض اللغة الوطنية والقومية للمغرب لمخاطر الاضمحلال أو حتى الانتحار اللغوي.

يطرح البعض في المغرب مسألة استخدام اللهجة العامية في مراحل التعليم الأولي، وهذا أمر خطير للغاية، ويخرج عن نطاق الفعل المجتمعي الديمقراطي، حيث إنه يخالف مبدأ "السيادة اللغوية الواجبة للضاد"

وأحسب أن خطوة كهذه قد تجعلنا نحتاج إلى مترجمين حين نزور المغرب بعد ثلاثين أو خمسين سنة، كي نتواصل بشكل واضح مع بعض الشرائح المجتمعية المغربية التي لا تعرف سوى "الدارجة"، مع تأكيدي على أن "الذخيرة اللغوية بالفصيح" لدى تلك الشرائح على محدوديتها هي التي نعوّل عليها في التواصل.

وتثبت التجربة أن هذه الذخيرة الصغيرة تكفي لمد عروق التواصل الجيد، فهؤلاء الناس الطيبون يفهمون ما نقوله حينما نلوذ بالعربية الفصيحة، وهم على مقدرة جيدة لاستخدامها أيضا.

وثمة مسألة أكثر أهمية من "التواصل" وهي متعلقة بالهوية العربية الإسلامية، فـ"اللغة هوية ناطقة"، وإذ عمدنا إلى إضعافها فإن هذا يعني أن ثمة رغبة في تغيير الهوية، وأنا أقطع بأن هذا غير وارد في المغرب العربي الإسلامي.

ومن هنا فإننا ننتظر موقفا حاسما من العاهل المغربي ينهي فيه هذا الموضوع إلى الأبد، فلغتنا (هويتنا) ليست مجالا للنقاش والجدل، كما أن مسائل الأمن والسيادة الوطنية ليست مجالا للنقاش، وكما أن الوطن خط أحمر، فاللغة العربية خط أحمر أيضا.

تشجيع الاستثمار العربي
المغرب بلد مدهش في تنوعه في كل شيء، في مهارات وخبرات أهله، في مدنه وقراه وأريافه، في جباله وسهوله، في موارده وخيراته، في أنشطته وأسواقه، في ثقافاته المحلية المتنوعة.. وأشياء أخرى كثيرة، وكل ذلك يخلق فرصا مواتية للاستثمار وجلب رأس المال الوافد، والذي أتمناه أن يكون عربيا في أغلبه، فالمغرب منا ونحن منه، وهو أولى بالاستثمار العربي من الدول الأجنبية التي نضع فيها مئات المليارات.

وبعد استطلاع آراء العديد من الناس اكتشفت أن القطاع الاستثماري يحتاج إلى إصلاح جوهري ومحاربة كافة ألوان الفساد المالي والإداري والفني، بحيث يضمن المستثمر حقوقه كاملة ومعاملة لائقة بدون تأخير ولا تلكؤ.

وهذا الملف يستحق وقفة من العاهل المغربي بشكل مباشر، والإعلان عن مبادرة لفتح باب الاستثمار وفق منظور قانوني مؤسسي إجرائي تقني متكامل وفاعل وكفء، وعلينا حين ذاك أن نشجع المستثمرين العرب بل أن نضغط عليهم كي يوجهوا جزءا ملموسا من استثماراتهم إلى المغرب، كي يربحوا خيري الاستثمار: ربحية مأمونة جيدة، وإسهام في التنمية المجتمعية والاقتصادية في قطر عربي عزيز علينا جميعا.

تعزيز التنمية المستدامة
أضحت فكرة التنمية المستدامة بأبعادها البيئية والاجتماعية والاقتصادية الفكرة التنموية الأكثر نجاعة، نظرا لشمولها ولقدرتها على إحداث التوزان بين متطلبات المحافظة على البيئة بكامل مكوناتها وأنظمتها وتنوعها الحيوي، بجانب التقدم الاجتماعي والاقتصادي بكافة أبعاده كالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.

ومعلوم أن التنمية المستدامة هي وصفة إصلاحية تنموية تشمل جميع السياقات والأنشطة الإنسانية، وأنا أحب أن أركز هنا على "السياحة المستدامة" على وجه التحديد، نظرا لعراقة الفعل السياحي في المغرب، ولأني لاحظت أن هنالك نواقص كبيرة في السياحة المستدامة.

هنالك استحقاقات كبيرة للوفاء بمتطلبات السياحة المستدامة، وبدهي أن هذا المقال لا يتسع لها، ولذا فإنني ألفت النظر إلى ضرورة توجيه القطاع السياحي ليكون مستداما في كل جوانبه.

يمكن إدارة ملف الفقر في البلد بصورة أفضل عبر وضع إستراتيجية ذكية، بما فيها العمل على إعادة توطين الفئات الفقيرة في أماكن أخرى داخل المغرب بغية إدماجهم في الحراك التنموي وإخراجهم من "دوامة الفقر"

ومن الملاحظات التي وجدتها على سبيل المثال أن هنالك إسرافا كبيرا في استخدام الموارد المائية، فالفنادق التي رأيتها لا تستخدم أدوات توفير المياه، مما يجعل السياحة تستنزف كميات هائلة من المياه، وقد لاحظت أن بعض المساجد أيضا تستهلك كميات كبيرة في الوضوء (كجامع القرويين بفاس)، بجانب الإسراف في الطاقة الكهربائية في القطاع السياحي بشكل ملفت.

صحيح أن السياح يدفعون كلفتها، ولكنني أشدد على أن المغرب أولى بهذه الطاقة المبددة، بجانب تحقيق أبعاد من الاستدامة البيئية في هذا البلد العربي الإسلامي الجميل.

وبمنظور تنموي أكبر من المسألة السياحية، أشير إلى أنه يمكن إدارة ملف الفقر في البلد بصورة أفضل عبر وضع إستراتيجية ذكية، بما فيها العمل على إعادة توطين الفئات الفقيرة في أماكن أخرى داخل المغرب بغية إدماجهم في الحراك التنموي والاقتصادي وإخراجهم من "دوامة الفقر" التي تضعف قدراتهم على التفكير السليم في مجالات العمل والإنتاجية واكتساب بعض المهارات والخبرات الجيدة.

ومؤسسات المجتمع المدني في عالمنا العربي مدعوة للمشاركة الفاعلة في إنضاج مثل تلك الإستراتيجية وفي تنفيذها، فهل يطور المغرب إطارا إستراتيجيا عمليا لتحريك التروس في هذا المجال الحيوي التنموي الإنساني؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات