توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

 

في ساعة متأخرة من صبيحة السادس من ديسمبر/كانون أول صحوت على مكالمة من ابني حاول بدأها بنبرة إيجابية, ولكنه أردف "يبدو صوتك ناعسا, أيقظتك؟ إذا لم تكوني قد سمعت الأنباء اليوم أريد أن أخبرك، الحقيقة أريد أن أعزيك، مانديلا توفي اليوم".

ولأن صوتي اختنق تابع "ولكن يا ماما هو في الخامسة والتسعين, وكان مريضا ويتألم..". قول يجب أن نقبله ونظهر تسليمنا العاقل به حين تطغى العاطفة, تحديدا حين يأتي من أبنائنا كونه أول ما سيقال لهم على الأرجح حين نرحل نحن.

ولكن بعد تجاوز الصدمة وجدت نفسي أمام سؤال: من هو ذلك الإنسان في بلاد غريبة وبعيدة الذي يوجب على الأبناء أن يعزوا آباءهم وأمهاتهم فيه, متلمسين طريقهم بوجل خوفا من أثر الصدمة عليهم، من غير نيلسون مانديلا الذي دخل باستحقاق غير مسبوق عقول وقلوب العالم كله؟

لم ألتقِ مانديلا، بل لم أره شخصيا أبدا, ولكن كان لي لقاء غير مباشر به أورد هنا قصته التي تظهر عمق التزام الرجل بمشروعه التحرري الديمقراطي, ولكونها عينة غير مألوفة من المدى الذي ذهب إليه هذا الرجل لتحصين مشروعه ذاك ضد أي فرصة للارتداد للحالة التي ثار عليها.

من هو ذلك الإنسان في بلاد غريبة وبعيدة الذي يوجب على الأبناء أن يعزوا آباءهم وأمهاتهم فيه, متلمسين طريقهم بوجل خوفا من أثر الصدمة عليهم، من غير نيلسون مانديلا الذي دخل باستحقاق غير مسبوق عقول وقلوب العالم كله؟
فأثناء رئاسته، ونيابتي أنا, وتحديدا في بواكير العام 1996 طلبت السكرتيرة الثالثة في سفارة جنوب أفريقيا لقائي, فاستقبلتها في قاعة كبيرة مخصصة للقاءات الأعيان (الشق المعين من الملك في السلطة التشريعية) بوفود كبيرة.

واختياري تلك القاعة كان لأضمن عدم وجود أجهزة تنصت مما ليس هنا مجال لسرد شكوكنا حولها أو حقائق وجودها، فلم أكن أعرف الغرض من طلب اللقاء ولم اسأل, فكونه أتى من الدولة التي يرأسها مانديلا يجعل أيا من ممثليها مرحبا به.

والحقيقة أنني فوجئت بالغرض من اللقاء، فالسيدة السكرتيرة الثالثة أخبرتني تخوف الرئيس من أن يتم تهميش الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا في الانتخابات القادمة, فتنشأ حالة تمييز أخرى مضادة.
ولكوني ابنة أقلية عرقية، إضافة إلى كوني امرأة وصلت إلى النيابة بأصوات مختلف مكونات الشعب وأعتبر ممثلة لهم جميعا، هي مكلفة بدراسة تجربتي وسماع اقتراحاتي في ما يمكن أن يضمن تحقيق ذات الدمج السياسي عندهم دونما تفرقة من أي نوع!

فوجئت وذهلت، فأن يقول هذا أي سياسي في خطاب علني شيء متوقع, ولكن أن يقلق بشأنه حقيقة زعيم الشعب الذي مورس التمييز العنصري ضده منذ وطأ أولئك البيض أرضه, بحيث يحاول جمع خلاصة كل تجارب العالم في مواجهته في عمل دؤوب صامت, إن كان وصلنا في الأردن فقد عبر بلادا كثيرة غيرنا وتاريخا أعمق أثرا من تجاربنا المحدودة الموؤودة في مهدها، فهو أمر آخر كليا يجعل مانديلا غير كل من سبقوه في عالم السياسة!

حينها قلت لضيفتي إنني لا أملك اقتراحات محددة لأنني لست مطلعة على تفاصيل واقعهم, ولكنني سأضع تجربتي وحيثياتها بين يديها لتتبين مدى جدواها بالنسبة لهم. ودخلنا في نقاش عملي نزن فيها ما نظن أنه أجدى لحالتهم وتدوين ملاحظات استغرق ثلاث ساعات, سألتي ضيفتي أثناءها إن كانت أثقلت علي, فطمأنتها بتأكيد ما لا يلزمه التأكيد من ترحيب بما تمثل، ومن تمثل.

وهي ساعات ثلاث أشغلت معنا الحكومة الأردنية التي أبقيتها عامدة في الظلمة، فعلى غير العادة حين ودعت ضيفتي وجدت محيط تلك القاعة يعج بمسؤولين وطواقم موظفين تأخرت حتى تلك الساعة عصرا, مع أن تأخري من قبل في العمل كان يلزم بتأخر الموظفين الذين أشغلتهم فقط, وتكون الحراسات العسكرية أقفلت كل الأبواب الأخرى قبل هذا الموعد بكثير, وبانتظاري لغلق البوابة ذاتها مع خروج سيارتي وسيارات ضيوفي إن وجدوا.

وسبب القلق الرسمي كان أمرا آخر تماما، فقد كنت فتحت ملفات حكومة زيد بن شاكر بما فيها ملفات تعامل سابق مع حكومة "الأبارثايد" في جنوب أفريقيا زمن فرض المقاطعة الدولية عليها.

وهذا القلق مؤشر على انقلاب دولي واكب قلب مانديلا لصفحة التاريخ, وليس لصفحة بلاده فقط، أما كيف دخل مانديلا بيتي وقلوب أبنائي إلى حد أن يعزوني به, فقصته نشرتها عند حدوثها تحت عنوان "شكرا مانديلا ", أوجزها هنا لأقول "وداعا مانديلا".

السياسة في العالم العربي دخلت بيوتنا وأحلامنا وكوابيسنا من أكثر من باب, بل وانهالت علينا عبر كل سقف حاولنا الاحتماء به, لهذا نجد تسييسا عاليا في صفوف الشعوب العربية، ولكن قلة هم من يختارون جعل السياسة مهنتهم الأولى أو الوحيدة لما قد تجره عليهم.

وباختياري دخول السياسة من بوابة الشعب في انتخابات عام 1989 فتحت على نفسي وعلى أسرتي وأطفالي أبواب الجحيم, فعايشوا "الإرهاب" بكل تعاريفه, بدءا بالإرهاب الأصولي المتطرف، وانتهاء بإرهاب الدولة ومافيات الفساد المدعمة بقوانين القمع ومحاكم أمن الدولة.

وابنتي الصغرى تحديدا لم تعرف غير هذا, فقد كانت في بواكير عامها الثاني عند ترشحي ذاك, وكانت على ذراعي حين اقتحم التكفيريون بيتي بهيئتهم المرعبة حاملين تهديدهم الصريح وحكم الموت الذي أصدروه بحقي.

مانديلا هو ابن العالم الثالث، الأفريقي الأسود الذي تحمّل بشموخ وليس برضوخ عنصرية الرجل الأبيض، وعندما جاء زمانه وانتصر لم ينتقم، ولكنه علم عدوه وجلاديه الحب والتسامح والمساواة الإنسانية الحقيقية
وكان أول رد فعل لي أن أدعو خالتها لتأخذ الطفلة بعيدا عني حماية لها من أي خطر قد يستهدفني، وكان ذلك بداية نزعها المتكرر عن صدري ونزع نفسي وغيابي عنها معظم ساعات النهار وحتى الليل وأغلب أيام السنة للتصدي لكل ما تلا بفعل تحالف التكفيرين مع الفاسدين، وحين فزت في الانتخابات التالية تعاظمت مسؤوليات مهمتي، فأبعدتني أكثر عن أطفالي.

لهذا ابتدعت وسائل للتواصل مع أبنائي تعتمد نوعية العلاقة أكثر من كميتها، ومنها استغلال فترات تنقلي في السيارة في مهام تنتهي بالعودة للبيت وليس باجتماع عمل, باصطحاب أحد أطفالي ليتمكن من الحديث معي وفتح قلبه لي على انفراد، وبما يناسب سنّه ورؤاه الخاصة دون إخوته.

وفي هذه الأوقات بالذات يواجهني أطفالي بالأسئلة الصعبة، وكان من أصعبها ما واجهتني به ابنتي الصغرى عام 1988, والتي كانت بالكاد أكملت عامها العاشر حينها، وشكل بالنسبة لي مواجهة مع الذات والواقع، وإنارة متميزة في عالم السياسة المظلم.

السؤال بدأ عن رئيس دولة عربية تعرف ابنتي تأييدي له في أكثر من شأن، فأجبتها بصراحة كي أساعدها على بناء وعي سياسي متوازن أن الرجل ممتاز على الصعيد القومي العربي، ولكنه داخل بلاده تنقصه الديمقراطية ومتطلبات الحريات العامة والتعددية.

وسألتني عن زعيم عربي آخر كانت استشعرت تراوحا في حديثي عنه، فأجبتها بأنه بين بين، فهو يخدم وطنه والأمة جزئيا, ولكن عينه على أميركا بأكثر مما يجب، ويهمه مقعده أولا.

وسألتني عن ثالث فقلت لها إن هذا خائن وفاسد وطنيا وقوميا، وألا تغتر بمعسول كلامه، ولم أتنبه إلى أنني وأنا أعطي صورة سياسة واقعية لابنتي كشفت لها الصورة البشعة لواقع السياسة والسياسيين العرب الذين أعمل معهم وتشاهد صوري وأنا أصافح بعضهم.

في بحث يائس عن شيء إيجابي تتشبث به هذه الطفلة البريئة المثالية، بادرتني بسؤال صعب نصه: هل هناك زعيم عربي جيد في تعامله مع شعبه في الداخل، ومع العرب جميعا؟

وتوقفت عندها وقد أدركت أن ابنتي تبحث عن الأجوبة النهائية، وأن مسؤوليتي تضاعفت لكون مهنتي التي من أجلها يحرم أطفالي مني ومن كل دواعي الاستقرار الأسري أصبحت موضع محاكمة، وربما موضع إدانة.

وسرعان ما خطر لي وأنا أستعرض شريط الزعماء العرب اسم الشيخ زايد، فقلت لها إن هذا الرجل بعيد عن فذلكات وتنظير الزعماء الآخرين الذين تسمع أسماءهم بتكرار، لكن شعبه مرتاح معه بدليل أن ليس هنالك مشاكل قمع وثورات واعتقالات كالتي نراها في العالم العربي، وأنشر في صحف بلاده ما لا ينشر لي هنا، وأنه رغم توافر كل وسائل الراحة والترف والأمان له ولشعبه فإنه لا يقفل أبوابه على الشأن القومي، بل يبادر إلى طرح ما لا يجرؤ غيره على طرحه من ضرورات المصلحة العربية.

وحدثتها عن موقف الشيخ زايد من قضية المصالحة العربية مع العراق ورفع الحصار كونه مثالا قريبا كانت ابنتي تسمع وتعايش الكثير من تفاصيله.

ولم أكد ألتقط أنفاسي وأهنئ نفسي على النجاح في ذلك السؤال الصعب حتى فاجأتني ابنة العشر سنوات بالسؤال الأصعب وبالتقييم النهائي لتلك المهنة التي سرقت منها أمها أو كادت، سؤالها كان: هل هنالك زعيم في العالم يخدم وطنه ويخدم قومه ويخدم العالم والبشر جميعا؟

عندها شعرت بالإحباط والعجز، وظننت لأول وهلة أن علي أن أبحث عن شخصية في التاريخ الغابر أحالتها الدعاية أو الأساطير أو الإسقاطات اللاحقة إلى حالة من الكمال، هي منها في الأغلب براء.

وبدأت أوازن بين ضرورات قول الحقيقة لابنتي وضرورات إنقاذ ماء وجهي بإنقاذ صورة مهنتي، وفجأة ثبت لي أن لا داعي لأن أكذب، وبقدر ما شعرت بأن بإمكاني أن أمد ابنتي بأمل حقيقي في مستقبل العالم الذي تديره السياسة، شعرت أنا نفسي بالأمل يتجدد فيّ. وأجبت ابنتي بثقة: أجل، هنالك نيلسون مانديلا.

اليوم وأنا أقول "وداعا مانديلا " لا يعزيني سوى كون أبنائي, وكثر من جيلهم حتما, شعروا بأن عليهم أن يسندوا آباءهم وأمهاتهم لحظة تلقيهم نبأ رحيله، فهذا هو عزاؤنا الوحيد بعد فقدنا لقائد وملهم عصر بكامله وأجيال عديدة قادمة
واستغرق مشوارنا ذاك الحديث عن مانديلا وسجنه ومبادئه التي لم تتزعزع، وكرهه الاقتتال وإيمانه بالسلم, ولكن حمله للسلاح حين وجب الدفاع عن الأبرياء, وقدرته على الصمود بقدر قدرته على الغفران، وتغليبه المصلحة العامة على الخاصة، ووقوفه -بحزم ولكن بأدب ودماثة تستدعي خجل واحترام الطرف الآخر- أمام دكتاتوريات العالم المعاصر، وقوله "لا" لهم جميعا كلما استدعى الأمر، وقلبه الدافق بالحب والتواق للألفة والعشرة الإنسانية، والذي جعله يعيش قصة حب حتى في شيخوخته (كان مانديلا قد احتفل قبل أيام بعيد ميلاده الثمانين وبزواجه معا).

وحدثتها عن إنسانية مانديلا, بل وعن الطفل البريء في داخله والذي ما زال يصله بالأطفال في حين لا يزيد سياسيو العالم على استثمارهم بأكثر من طريقة بشعة.

حدثتها باعتزاز أكبر عنه لأنه بالذات ابن العالم الثالث، الأفريقي الأسود الذي تحمّل بشموخ وليس برضوخ عنصرية الرجل الأبيض، وعندما جاء زمانه وانتصر، لم ينتقم ولكنه علم عدوه وجلاديه الحب والتسامح والمساواة الإنسانية الحقيقية.

وطوال حديثي الذي كان ممتعا لي كما هو لابنتي، كنت أقول في داخلي: شكرا مانديلا، فقد أنقذت ماء وجهي أمام ابنتي، وساعدتني على التخلص من الكثير من الشعور بالذنب تجاه أطفالي، بل وأعدتني طفلة مثلها في العاشرة، أجلس أمامك مع آلاف الأطفال الذين يحيطون بك ويستمعون إليك لنتعلم من جديد حقيقة السياسة وجوهرها، وليس ما آلت إليه.

وأعدت لي ثقتي بأن المبادئ ليست فقط مرغوبة، بل هي ممكنة في مهنة "السياسة "التي لوثتها العديد من الأيدي القذرة، والتي هي مهنتي، بل وقدري.

واليوم وأنا أقول "وداعا مانديلا" لا يعزيني سوى كون أبنائي, وكثر من جيلهم حتما, شعروا بأن عليهم أن يسندوا آباءهم وأمهاتهم لحظة تلقيهم نبأ رحيله، بل وأن يعزوهم عن فقده بوجودهم، فهذا هو عزاؤنا الوحيد بعد فقدنا لقائد وملهم عصر بكامله وأجيال عديدة قادمة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك