عماد قدورة

عماد قدورة



متلازمة أفغانستان
سيناريو إنهاك تركيا
خلاصة

انتقلت تركيا من موقف قوي كانت فيه الطرف الخارجي الأكثر نشاطا في أول الثورة السورية إلى موقف ضعيف تخشى فيه تبعات النزاع.

وفي حين كانت تصريحات القادة الأتراك، مثل "لن نسمح بحماة أخرى"، تجد صدى لها في الجماهير التي خرجت بمظاهرات سلمية، تراجعت تصريحاتهم إلى حالة من السلبية تشي بمجرد درء الأذى عن النفس، حتى قال رئيسها قبل أيام "لا أعتقد أن أي أحد يمكن أن يتسامح مع وجود شيء مثل أفغانستان على ضفاف المتوسط".

فهل تقتصر تخوفات تركيا على نشوء حالة أفغانية بجوارها، أم أنها تخشى امتداد تأثيراتها إلى الوضع التركي الداخلي أمنيا و"سياسيا"، كحال باكستان؟ وهل تستشعر أن ثمة مَن يريد إدخالها في هذه الحالة لإنهاء أو إنهاك "نموذجها"؟

متلازمة أفغانستان
في البداية، لا بد من الإقرار بأن التخوف من تحول سوريا إلى متلازمة الحرب الأفغانية الممتدة له ما يبرره من بعض الأوجه، فإطالة أمد الثورة السورية وإجهاض أي جهود مبكرة لمساعدة الشعب السوري، سواء في حسم المعركة أو في إيجاد تسوية ما، كانا -ولا يزالان- كفيلين بتحويل سوريا إلى ما يقارب الحالة الأفغانية.

تدرك تركيا الواقع السوري بشموليته وانعكاساته، وباتت تتحسب لانتقال الأخطار إلى أراضيها، إذ تتقارب ظروف سوريا حاليا إلى حد ما مع ظروف أفغانستان من حيث الانعكاسات على دول الجوار

وينعكس ذلك في تدمير لبنيتها التحتية الأساسية والصناعية والتعليمية والخدمية، وتفكيك البنى الاجتماعية الطبيعية عبر إخلاء العديد من المدن والبلدات من سكانها وإحلال جزء كبير من الشعب السوري لاجئا في دول الجوار، ثم خلق مناطق نفوذ تخضع لسيطرة أقليات عرقية أو تنظيمات جهادية عالمية، ودخول فصائل مسلحة تمثل أجندات طائفية وإقليمية، مما جعل البلاد ساحة تنافس وتصفية حسابات إقليمية ودولية.

تدرك تركيا هذا الواقع بشموليته وانعكاساته، وباتت تتحسب لانتقال الأخطار إلى أراضيها، إذ تتقارب ظروف سوريا حاليا إلى حد ما مع ظروف أفغانستان من حيث الانعكاسات على دول الجوار.

وقد كانت الدولة الأكثر تأثرا في الحالة الأفغانية باكستان، فبعد أن كانت الأخيرة منطلقا للإمداد والدعم اللوجستي والتنظيمي لجماعات المجاهدين الرئيسية، أضحت في ما بعد مأوى لملايين اللاجئين الأفغان، وساحة خصبة لوجود التنظيمات الجهادية الباكستانية والعالمية، ومسرحا لأجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية، مع وجود مناطق مضطربة تطالب بمزيد من الاستقلال الذاتي وتمنع الحكومة من التدخل بشؤونها، وجماعات عرقية ومذهبية تخوض حرب تفجيرات، حتى أضحت الدولة عرضة للانهيار والفشل.

ومع أن باكستان لم تكن تعرف الاستقرار السياسي والحكم الديمقراطي الراسخ قبل الأزمة الأفغانية، ولديها مشكلات حدودية وداخلية واقتصادية كفيلة بإرهاقها، فإن هذه الأزمة فاقمت مشكلاتها الحدودية والعرقية والأمنية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية حتى كانت أحد عوامل تخلفها عن القوى الإقليمية المنافسة وفي جميع المجالات.

ومن هنا، تستشعر تركيا أن الخطر بات محدقا بها، ففي لهجة لا تخلو من الألم والجرأة، اشتكى الرئيس التركي عبد الله غول في مقابلته مع جريدة الغارديان البريطانية في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي "عدم دعم القوى الغربية جهود الوساطة التركية في بداية الحرب، بل قامت بتقويضها".

ويسترعي الانتباه صراحة غول بتخصيص "القوى الغربية" بالذكر عند الحديث عن إجهاض جهود تركيا لإنهاء حرب سوريا، مما يعني أن ثمة قوى دولية وإقليمية -شرقية وغربية أيضا- معنية بإنهاك سوريا وإدخالها في حالة من الأفغنة، لأن حالة الاستقرار في سوريا وحفظ أركان الدولة لا يخدمان المصالح الدولية والإقليمية.

فهذه القوى تدرك ما يمكن أن تفرزه الخيارات الديمقراطية للشعب السوري المحافظ، والمعادي لإسرائيل، والذي يشكّل كتلة سنية كبيرة (بجانب تركيا) موازنة ومواجهة لـ"مشروع الهلال الشيعي"، فضلا عن انطواء سوريا على إمكانات إستراتيجية اقتصادية واجتماعية وحضارية كامنة تسمح لها (في ظل مجتمع ديمقراطي متعدد) بخلق نموذج جديد في المنطقة قد يحذو سياسة مستقلة نسبيا لا تلقى قبولا دوليا.

سيناريو إنهاك تركيا
لم يأتِ تشبيه رئيس الدولة غير الاعتيادي من فراغ، فالأرجح أن المؤسسات المعنية في الدولة أشبعت الوضع في سوريا وانعكاساته دراسة وتحليلا واستقراء، واستنتجت أن الخطر لم يعد مقتصرا على سوريا فحسب، بل إن تركيا نفسها صارت عرضة لأخطار النزاع، أو أنها ربما أضحت الهدف التالي الذي يتضمن تقويض استقرارها السياسي ونموها الاقتصادي وتقدمها الصناعي واكتفائها الذاتي، وإعادتها عقودا إلى الوراء لتذكيرها بأن عليها ألا تمارس أدورا فاعلة وفق سياساتها ومصالحها الذاتية، بل ضمن منظومة التحالفات التي هي عضو فيها.

ولكن، ما هي الانعكاسات المباشرة لحرب سوريا على الأوضاع في تركيا؟ وكيف يمكن أن توظف المشكلات الناشئة عن الصراع في إنهاكها سياسيا واقتصاديا وتقويض دورها الإقليمي؟

تشترك تركيا مع سوريا بحدود تمتد لنحو تسعمائة كيلومتر، وعبر هذه الحدود الطويلة تواجه مشكلات متنوعة مثل تدفق اللاجئين، وتفجر الحساسيات العرقية، والطائفية، وانتقال مسلحين، والتهريب، وبوادر أعمال عنف استهدفت بلدات ومدنا تركية، فضلا عن تهديدات صريحة بنقل المعركة إلى أراضيها.

تشترك تركيا مع سوريا بحدود تمتد لنحو تسعمائة كيلومتر، وعبر هذه الحدود الطويلة تواجه مشكلات متنوعة مثل تدفق اللاجئين، وتفجر الحساسيات العرقية، والطائفية، وانتقال مسلحين، والتهريب، وبوادر أعمال عنف استهدفت بلدات ومدنا تركية، فضلا عن تهديدات صريحة بنقل المعركة إلى أراضيها

بالنسبة للاجئين السوريين الفارين من الحرب، تواجه تركيا تدفقا متزايدا منهم، فقد وصل عددهم حتى الآن إلى مائتي ألف في المخيمات، وثلاثمائة ألف منتشرين في المدن التركية.

وتفرض مشكلة اللاجئين تحديات أمام تركيا، فعلى الرغم من أنها استوعبت حتى الآن هذه الأعداد وتكاليف إيوائهم التي بلغت نحو ملياري دولار، ومع أن الرئيس غول تعهد بالاستمرار بتقديم المعونات وتحمل المسؤوليات بهذا الشأن، فثمة خشية من استمرار تدفقهم وزيادة عددهم إلى الحد الذي تعجز فيه تركيا عن توفير متطلبات إيوائهم، ومن ثم التأثير سلبيا على الأوضاع الاقتصادية فيها.

كما قد يولد تزايد عدد اللاجئين حساسيات لدى بعض الأتراك، خاصة العلويين منهم، إذ لم تتضح -حتى الآن- ردود أفعال الأقلية العلوية التركية الكبيرة على الوضع في سوريا على نحو صريح، لأن الأقلية العلوية السورية لم تمسها حتى الآن اعتداءات منظمة، فإذا ازدادت سيطرة المعارضة السورية على الأرض وحدثت انتهاكات وعمليات انتقام من العلويين ومناطق الساحل القريبة من إنطاكيا فلا يمكن التنبؤ بما ستحدثه الأقلية العلوية التركية من مظاهرات حاشدة، وربما اضطرابات وعمليات انتقام داخل تركيا نفسها، وبما إشعال حرب عبر الحدود.

ولعل طلب غول من بشار الأسد "أن يقود التغيير ويمنع انقسام البلاد إلى أجزاء" يصب في خشيته من حدوث هذا السيناريو المؤثر في تركيا أو من ظهور كيان علوي على الساحل السوري سيكون مصدرا لتحريض علوييّ تركيا بالمطالبة بالاستقلال الذاتي في الإسكندرون أو على الأقل إحياء قضية الاستفتاء على مصير الإقليم.

أما جهود المصالحة التاريخية -التي تقودها الحكومة التركية دستوريا وسياسيا بعد نحو ثلاثة عقود من الاستنزاف والصراع مع أكرادها- فقد تواجه ما يقوضها مع تفاقم مشكلة أكراد سوريا وسيطرتهم على مناطق في شمالها بدعم من حزب العمال الكردستاني التركي.

وتخشى تركيا أن يجد هذا الحزب ملاذا آمنا جديدا ودعما وإغراء إقليميا للعودة إلى التشدد في مطالبه التي قد تصل حد التهديد بالانفصال مرة أخرى، وربما الرغبة في تشكيل كيان كردي متواصل بين تركيا والعراق وسوريا.

وعلى الرغم من أن الاضطرابات والتفجيرات في تركيا لا تزال محدودة، والتي ظهر بعضها مؤخرا في بلدة الريحانية وباب الهوى، فإنها أضحت تتعرض حاليا لتهديدات جدية من قبل الجماعات نفسها التي نشأت في أفغانستان وباكستان كتنظيم القاعدة ممثلا بـ"الدولة الإسلامية في العراق والشام" الذي هدد الحكومة التركية بشكل صريح في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي بنقل المعركة إلى عقر دارها إن استمرت بدعم الجيش السوري الحر والفصائل المناوئة للتنظيم في سوريا، وإن استمرت بإغلاق معبري باب الهوى وباب السلامة بعد سيطرته على بلدة إعزاز شمالي حلب، كما هدد بأن أقدام عناصره "قد اقتربت من أن تطأ أرض تركيا لتطهر أرضها من الكفار والبغاة".

وفضلا عن ذلك، أضحت تركيا ساحة لعمليات التهريب وانتقال المسلحين إلى أراضيها، بغض النظر إن كانوا أكرادا أو جهاديين، مما دعاها لبناء جدار بارتفاع مترين في منطقة نصيبين، وهي منطقة حدودية تبعد عشرة كيلومترات عن مدينة القامشلي السورية التي كثيرا ما شهدت نزاعات بين السكان الأكراد والقبائل العربية وبعض مسلحي المعارضة، لمنع اجتياز حدودها بشكل غير شرعي.

كما حاولت أطراف عديدة توريط تركيا بإقحامها بشكل مباشر طرفا في الأزمة السورية، تمهيدا لاستنزافها، وربما تبريرا لاستعانة النظام في سوريا بقوى إقليمية ودولية، لكنها عملت حتى الآن على تجنب ردود الفعل العسكرية المباشرة.

ومع ذلك، فإن منح البرلمان التركي "تفويضا للحكومة لإرسال قوات إلى سوريا، إذا دعت الضرورة إلى ذلك"، يعني أن خيار دخول الحرب في سوريا لم يغلق تماما، وربما يصبح واقعا ملموسا.

خلاصة
إن المخاطر المتعددة التي تحيق بتركيا جراء إطالة أمد الحرب في سوريا تتفاقم يوما بعد آخر، وهي في اتجاه تصاعدي، ولذلك فإن مقاربة وضعها مع وضع باكستان إبان الأزمة الأفغانية لها ما يبررها نسبيا، فطول أمد حروب أفغانستان (منذ أكثر من ثلاثة عقود) أسهم في تفاقم الوضع الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي والاضطرابات العرقية والطائفية ثم الجهادية العالمية في باكستان.

المخاطر المحيقة بتركيا جراء إطالة أمد الحرب في تصاعد، ولذلك فإن مقاربة وضعها مع وضع باكستان إبان الأزمة الأفغانية له ما يبرره نسبيا، فطول أمد حروب أفغانستان أسهم في تفاقم الوضع الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي والاضطرابات العرقية والطائفية ثم الجهادية العالمية في باكستان

لكن هذه النتيجة تبقى جزئية، ولا تشير إلى الصورة الكاملة، فثمة اختلافات جوهرية بين الحالتين التركية والباكستانية من حيث بنية الدولتين وموقعهما الإقليمي والدولي.

وعلى الرغم من أن التعرف على تلك الاختلافات كلها يحتاج إلى دراسة مفصلة، فيمكن الإشارة هنا إلى أهمها، فتركيا دولة طبيعية متكاملة الأركان والموارد ولها عمق جغرافي، وهي غير مجتزأة من بيئة أوسع كحال باكستان التي اقتسمت من شبه القارة الهندية المتكاملة.

كما تحتفظ تركيا بإرث تاريخي حضاري قاد إمبراطورية واسعة امتدت مئات السنين. وحديثا، فهي دولة تشهد منذ بداية القرن الحالي استقرارا سياسيا، ونموا اقتصاديا مستمرا، وأضحت تزاحم الدول المتقدمة، وهي غير غارقة في الديون، ومعتادة على التعامل مع الاضطرابات فلم تكن يوما خالية منها، كما أن مؤسستها الأمنية والعسكرية تخضع حاليا -على الأقل- لنظامها السياسي ومؤسساته المنتخبة، مما يفرض خضوع السياسات وردود الأفعال لتقدير هذه المؤسسات وليس لمصالح فئات متنفذة.

وفضلا عن ذلك، فإن موقع تركيا الجغرافي المجاور لأوروبا يجعل الأخيرة حريصة على استقرارها أمنيا كي لا تنتقل المشكلات إليها.

لا تعدّ هذه الخصائص والمكتسبات وحدها مطمئنة، فالمخاطر محدقة بتركيا فعلا، وإن كانت إمكاناتها تمنعها من أن تتحول إلى حال باكستان، لكن يلاحظ أن ثمة رغبة من القوى الإقليمية المنافسة وبعض القوى الدولية لاستنزاف تركيا داخليا، ونقل آثار حرب سوريا إليها، لتعود إلى سياستها الانعزالية الماضية، وتخلي الساحة الشرق أوسطية لتلك القوى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك