مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


أمام الصدى الضخم لارتدادات الاتفاق الرسمي بين الدول الغربية بقيادة واشنطن مع إيران وكل ما أثير عن تداعيات الاتفاق مستقبلا عادت حركة التطمين تتفاعل في الإعلام الخليجي، ساخرة من أحاديث الصفقة أو مهونة منها أو داعية للتعامل مع متطلباتها، وإن كانت هذه اللغة تتزامن مع اتصالات الرئيس أوباما وزيارات وزير الخارجية الإيراني المكوكية لدول مجلس التعاون، لكنها تصدر أيضا من تفكير داخل المنطقة الخليجية.

هذا الفكر يطرح أفقه تحت عنوان الواقعية في التعاطي مع الأزمات الدورية لمنطقة الخليج العربي كلما تطور المشهد السياسي والإستراتيجي على الأرض، وقد يكون دافعه حالة العجز التام أو مستوى الإعاقة التي تعيشها السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون، أو للإيمان بدفع التوتر عن الحدود الحالية لبعض دول المجلس أو كلها.
نظرة التهوين من تأثير الاتفاق نظرة خاطئة تعتمد السلامة الفردية لدول المجلس عبر مزيد من التجاوب مع أطراف اللعبة القوية دوليا وإقليميا والتسليم لها بقواعدها الجديدة، وهي نظرية أثبتت على مدار التاريخ وفي علم الاجتماع السياسي أنها تتصدع حين تقترب هذه المخاطر من حدود هذه الدولة أو تلك

وهي نظرة خاطئة تعتمد السلامة الفردية لدول المجلس عبر مزيد من التجاوب لأطراف اللعبة القوية دوليا وإقليميا والتسليم لها بقواعدها الجديدة، وهي نظرية أثبتت -على مدار التاريخ وعلم الاجتماع السياسي- أنها تتصدع حين تقترب هذه المخاطر من حدود هذه الدولة أو تلك، وتصب عليها لظاها إن لم تخترق أرضها أو تبتلعها.

لكننا بالفعل نحتاج إلى مناقشة هادئة وواقعية سياسية لاستعراض هذا الطرح، الذي تشجعه توجهات حكومية في المنطقة الخليجية لأسباب تتعلق بمبادرة هذه الدولة أو تلك لصياغة موقفها الجديد الذي توافق مع واشنطن ومد جسوره بقوة نحو الشريك الإيراني، أو كان ذلك لخشية ساسة خليجيين من تأثير الانكشاف الإستراتيجي لهم أمام الرأي العام الوطني الذي لا يزالون ممانعين معه أمام أبسط حقوقه السياسية، وبالتالي يكون الفشل مزدوجا، تصدع إستراتيجي وقهر داخلي.

والمسار الثاني هو ما تطرحه رؤية ترك القلق من أن الحديث عن مخاطر العلاقات الجديدة هو تصور هوليودي لا غير، وحفنة من المبالغات الإعلامية والضجيج.

ورغم أن هناك من يطرح صراع مصالح الخليج العربي مع تقاطعات الولايات المتحدة الامريكية كأفق أيديولوجي وطاولة "كوتشينة" تحرك ببساطة لمجرد علاقة بين الشيعية الإيرانية والغرب الصليبي وليس الهيمنة ومصالح النفوذ, وهي نظرة سطحية بلا شك.

لكن هناك أيضا تحرير دقيق وعبر شواهد وأدلة محددة المعالم لهذا التقاطع، تعني بالضرورة أن هناك تغيرات تعيشها المنطقة وموازين قوة اختلفت وتقييمات عُدّلت، حصيلتها الكلية اليوم أو غدا تأثير مباشر للعمق الإستراتيجي للخليج العربي في أمنه القومي، وفتح المجال لتغيير خرائطه.

ولا بد من الاعتراف قبل ذلك بأن إشكالية تحديد أمن الدولة القومية في إقليم الخليج العربي مختلف عن تقديرات أمن النظام السياسي وعلاقاته التي تضمن له استمرار الحكم المطلق وفقا للملكية لا الشراكة الشعبية، وهذا له تأثير كبير على تقييم الوضع الأمني والإستراتيجي للخليج العربي.

كما أننا نذكّر بأن احتلال العراق عام 2003 كان في عام 1989 أضحوكة لا تؤخذ على محمل الجد إلا في فلم هوليودي أنتج مسبقا، وكذلك الموقف من تقييم نفوذ إيران تضاءل بعد الحرب الخليجية الأولى، ثم قفز أمام العالم إلى شراكة كاملة في غزارة مشهد الاحتلال السياسي الإيراني للعراق بعد غزوه عسكريا من واشنطن في 2003.

ولكننا سنعود لقواعد التفكير الأصلية ذاتها في الاتفاق وتفكيكها بدءا بالمسلمات التي اعتمدتها الأطراف في توافقاتها:
 
1- لا يوجد من يشكك في أن اتفاق جنيف النووي توجه للإنجاز بعد لقاء سان بطرسبيرغ بين الرئيس بوتين والرئيس أوباما والانقلاب الكلي على فكرة الضربة العسكرية إلى رفض صعود المقاومة المسلحة للثورة السورية واعتبارها الخصم الأكبر.

مما يثير الغرابة أن مدرسة "ترك القلق" تعتمد على الاستنتاج فقط من النص الظاهري للاتفاق النووي وما تعلنه أميركا وإيران، مع إغفال التوافق على سوريا، وهو نوع من التعاطي السطحي مع الملف تم من دول إقليمية كبرى ومن داخل البيت الخليجي أيضا
2- والتحرك المرصود بعد ذلك كان تنفيذيا أو تقريريا بلا خلاف رئيسي في منع إسقاط الأسد عسكريا بين هذه الأطراف الرباعية واشنطن-تل أبيب
 وموسكو-طهران، وفتح المجال بعد ذلك لصيغ سياسية خادعة للعرب ولا يوجد أي ضمان لتنفيذها، فضلا عن قدرات الروس على تحويلها لصالح نظام الأسد، أو استنساخ نظامه من الداخل لتأمين بقاء الجسم الرئيسي في السلطة.

3- هذا المُعطى المهم هو الذي دفع الملف النووي لأن يتحرك، وأن تظهر واشنطن رغبتها الجادة في مرحلة سلمية مع طهران، لم تخالفها فيه تل أبيب في هذا المفصل، وإنما في باقي الملف.
4- وعليه، فإن قراءة الملف النووي بعيدا عن متطلبات الصفقة الأولى الواضحة والجلية هو خطأ في رؤية التحليل للأوضاع القائمة، وبالتالي ستعيش المنطقة بصورة أو بأخرى مرحلة جديدة كنتيجة طبيعية لآفاق هذه التوافقات.

5- هنا نقطة مثيرة للغرابة لدى مدرسة ترك القلق، وهي الاستنتاج فقط من خلال قراءة النص الظاهر في الاتفاق النووي والإعلان الرسمي الأميركي والإيراني عن تفسيرات الصفقة، مع إغفال التوافق على سوريا وما يعنيه ذلك من أرضية تتفاعل في منطقة الخليج.

وقد جرى ذلك التعاطي السطحي بالفعل من دول إقليمية كبرى وداخل البيت الخليجي، هذا البيت الذي مهما ادعى انسجامه فمواقفه تحمل رسائل اضطراب ضخمة في بنيته السياسية تفرز دوله وتقسّمه.

6- وفي ضوء ذلك، فإن القراءة السطحية هي هذا التناول الذي ذكرناه في تبسيط الأمور، فإذا أضفنا إلى ذلك تأكيد الولايات المتحدة الأميركية للرياض سابقا أنها لن تترك العراق الجديد رهينة للنفوذ الإيراني ثم النتيجة المعاكسة التي جرت وتأثيراتها على لبنان والداخل السوري، فهنا تبرز لنا قراءة واقعية تماما لما يمكن أن يقال عند بدء التقاطع وما ينتهي إليه هذا التقاطع فعليا على الأرض العربية.

7- إن ما تكتسبه هذه الدولة أو تلك في ظل نجاح مشروعها السياسي والعسكري يتطور صعوده جغرافيا أو سياسيا، فكيف إذا كان ذلك عبر أراضٍ مجاورة وقواعد لعبة تدفع واشنطن للتعاطي معها برغبة شديدة لحساباتها الخاصة، التي لا يعقل أن تقول لحلفائها المرتبكين في الخليج العربي لقد غيرنا تقييمكم الإستراتيجي، ولدينا مصالح أهم.

وهذا لا يعني التخلي الفوري على الأرض، لكنه التخلي المتدرج الذي يسمح بمساحات أكبر لإيران مع بقاء تدفق الأموال الخليجية المهولة لمصالح المعسكر الغربي.
احتواء إيران مطلب إستراتيجي، لكنه غير ممكن إلا بعد أن تضبط توازنات الملعب وتتفوق الثورة السورية، ليس كصعود موسمي بل حاسم من خلال كتلتها الصلبة التي تتحد اليوم في كتل عسكرية كبيرة وتدرك تماما ضرورة رؤية الخلاص السياسي لدولة حديثة بعد سقوط الأسد

إن هذ الواقع المر الذي تعيشه المنطقة لن يخرجها منه ترك القلق الإيجابي المحفّز والانطلاق في حياة جديدة مع العهد الأميركي الإيراني، بل إن أول محركاته هو القلق، لكن هذا القلق لا يعني أبدا الاندفاع في مواجهة عسكرية مع إيران لم تطرح أصلا، ولا يعني رهن المقدرات الاقتصادية والميزانيات العسكرية للغرب.

ولكنه الانطلاق في مساحة تصحيح داخلي وخارجي فتنفّذ مصالحات وطنية ويسحب الاحتقان من الشارع في أقل تقدير، ثم التوجه لصناعة قوة التوازن الإقليمي بدءا من إعادة الجسور مع أنقرة التي خسرها الخليج بتحريضات إعلامية ساذجة وتنظيم رؤية لإخراج مصر من دوامتها بعد انقلاب الفريق السيسي، والكف عن التلاسن الخليجي-الخليجي، والصراع المخابراتي لإقرار منظومة تعاون على أسس المصالح ما لم تتفق الأنظمة على المبادئ، وحتى الدولة الخليجية التي شاركت خاطئة في دفع الاتفاق ليس الحل بالصراع معها، ولكن بفتح حوار لتحويل جهدها لمصالحة إقليم الخليج العربي الجماعية.

إن احتواء إيران هو مطلب إستراتيجي، لكن لن يمكن ذلك إلا بعد أن تضبط توازنات الملعب وتعود الثورة السورية لتتفوق ليس كصعود موسمي بل حاسم من خلال كتلتها الصلبة التي تتحد اليوم في كتل عسكرية كبيرة، وتدرك تماما ضرورة رؤية الخلاص السياسي لدولة حديثة بعد سقوط الأسد.

ولا يوقف التطرف والتطرف المضاد إلا صعود هذا المشروع، حينها ستصل جسور الخليج بخطة محكمة يفاوض بها الغرب ويفرض شروطه عبر بطاقات التحالف التي ضيعها سابقا في العراق, أما هجرة القلق والنوم في الغطاء الإيراني وملمسه الأميركي فلعمرك هذا هو الغباء الإستراتيجي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك