كمال الجزولي

كمال الجزولي

كمال الجزولي



دفعت هَبَّة الجماهير السودانية، في سبتمبر/أيلول الماضي بهموم التغيير في البلاد إلى الواجهة السياسية على جميع الأصعدة أكثر من أي وقت مضى.

ومن ثمَّ فإن الحوارية التي افترعها الأستاذ الحاج وراق في هذا الشأن (حريات الإلكترونية، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2013م) تستدعي التداخل، خصوصا في ما يتصل بـ"روحية" قضايا "انضاج العامل الذاتي" كأحد أهم الروافع الإستراتيجية للقوى التي يُنتظر أن تسهم في إحداث التغيير المنشود.

ولئن كان الضلعان الرئيسان لهذه القوى خلال ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964م، وانتفاضة مارس/ آذار، وأبريل/نيسان 1985م، هما الأحزاب السياسية والكيانات النقابية، فثمة ضلع ثالث برز خلال ربع القرن الماضي، ولا يمكن إغفاله: "منظمات المجتمع المدني".

(1)

تأهيل "العامل الذاتي" إذن، لهذه المنظمات يقع في مركز الدعوة التي طرحها وراق بشكل غير مسبوق، لمراعاة تحقيق "فاعلية" النشاط الرامي لإحداث التغيير المنشود، وذلك بإشاعة "روحية جديدة" في أفق هذا النشاط عموما، وأفق نشاط هذه المنظمات خصوصا.

لا بد من الاعتراف بأن نشاط هذه المنظمات يعاني مرضا يكاد يستفحل، ولولا فسحة الأمل لقلنا إنه قد يستعصي على العلاج تماما. هذا المرض يتمظهر بالأساس في ثلاثة أعراض بارزة: "ضعف الوعي بالذات"، و"تناقض النظر والممارسة"، و"ازدواجية الحقيقة والوهم"

وأول ما تجدر ملاحظته هنا، هو أن ناشطي هذه المنظمات ما انفكوا يعكسون منذ حين وعن جدارة أكثر فأكثر، في السودان كما في غيره، صورة "مناضلي" القرن الجديد.

مع ذلك لا بد من الاعتراف بأن نشاط هذه المنظمات يعاني، في بعض البلدان- وفي السودان بالتحديد- مرضا يكاد يستفحل، ولولا فسحة الأمل لقلنا إنه قد يستعصي على العلاج تماما، هذا المرض يتمظهر بالأساس في ثلاثة أعراض بارزة: "ضعف الوعي بالذات" و"تناقض النظر والممارسة" و"ازدواجية الحقيقة والوهم".

أهمية تهوية هذه القضية ذات الأثر والخطر تنبع من ضرورة تهيئة الفضاء "المعنوي" عموما، والأخلاقي خصوصا، لنشاط هذه المنظمات بما يفوق ربما الاهتمام ببُعده "الموضوعي". ذلكم هو على وجه الدقة ما عناه الأستاذ الحاج بدعوته المذكورة، والشاملة لكل قوى التغيير.

(2)

العرَض الأول للمرض المشار إليه يتمثل في ضعف وعي الكثير من منظمات المجتمع المدني بذاتها، تحت وطأة خطأ معرفي ومفهومي فادح لديها، تغفل بفعله عن أنها سليلة المنظمات الجماهيرية القديمة فتتوهم -ضلالا- أن ظاهرتها "مستجلبة" من الغرب، ولا تنتسب إلى أية خبرة وطنية، هذا الخطأ يستند في الغالب إلى ثلاثة أسباب:

(1) استسهال الحصول على التمويل الكافي اللازم لعمل هذه المنظمات من المصادر الأجنبية، مقارنة مع الصعوبة النسبية للحصول على التبرعات من السوق المحلي، حيث يحتاج جمع القدر المجدي منها إلى عمر نوح وصبر أيوب، بصرف النظر عن الحكمة التي تجري بها بعض الأمثال عن أن "من يدفع للزامر يفرض عليه اللحن"، اللهم إلا من عصم ربك، وهؤلاء في العادة قلة، وسوف نعرض لاحقا لقضية التمويلين "الحميد" و"الخبيث".

(2) طبيعة مناهج التدريب الغربيَّة التي غالبا ما تأتي في أذيال التمويل الأجنبي، والتي تصمم على نحو ما بتصورات أيديولوجية زائفة تُفرض بنعومة على هذه المنظمات.

(3) غلبة المصطلحات والمرجعيات الأجنبية المعربة بلا هوادة، والمعتمدة كلغة لهذا المجال، فتوحي بأن مصدر علمه الأساسي هو -بالضرورة- غير سوداني، حتف أنف ما سنورد أدناه حول النشأة الباكرة للنشاط المدني في بلادنا.

على أنه تلزمنا المسارعة هنا باستدراكين مهمَّين:
أولهما: أن المشكلة -كما سبق وألمحنا- ليست وقفا على التجربة السودانية، فليس نادرا ما تثار في الكثير من الفعاليات المدنية الإقليمية.

وثانيهما: أننا لا نعمم ولا ينبغي لنا، فثمة منظمات في بلادنا، وإن تكن قليلة مبرأة، -إلى حد كبير- من حَوَل البصر والبصيرة هذا، وحبذا لو نهضت بتنظيم مُدارسة مرموقة لقواعد هذا النشاط المستمدة من ثقافة الإرث العريق للعمل التطوعي الضارب بجذوره في تربة مختلف تكويناتنا الاثنية، فضلا عن تطور هذا العمل، وارتقائه من الشكل الأهلي إلى الشكل المدني، وما راكم خلال ذلك المشوار، منذ مطالع القرن الماضي، من خبرات ثرة، عبر مؤسسة الصحافة، والمكتبة القبطية، والفرق المسرحية، وأندية الخريجين، والاتحاد السوداني، واللواء الأبيض وغيرها، جهد كهذا قمين بتوفير أدبيات نحتاجها بإلحاح، لتصحيح فهومنا المغلوطة بأننا في هذا الحقل تابعون لا مبتدعون.

(3)

العرَض الثاني يتمثل في التناقض الواضح لدى بعض هذه المنظمات بين اللغو النظري بقيم حداثوية محددة، وبين المفارقة العملية لذات هذه القيم، ومردُّ ذلك في الغالب، للظروف الاستثنائية التي تفجرت تحتها أثناء ربع القرن الماضي ظاهرة الأشكال والأساليب الأكثر حداثة في نشاط هذه المنظمات، مقارنة بقواعد هذا النشاط التي تعود بأصولها إلى الثقافة الشعبية، أو مقارنة حتى بمناهج عمل ما كان يُعرف سابقا بالمنظمات الجماهيرية التي مر ذكرها.

ولا نعتقد أن ثمة حاجة بنا لتعريف هذه الظروف الاستثنائية بالقمع السياسي، وتضييق فرص الحركة باحتكارها للموالين للسلطة، وغياب أي احترام رسمي لأية مظلة دستوريَّة لديمقراطية التنوع والتعدد.

لذلك كله فإن من أبرز تمظهرات هذا العرَض:

غلبة المحاذير الأمنيَّة ترسي الأساس التبريري لتحوُّل الكثير من هذه المنظمات إلى محض كيانات مغلقة، لا يتجاوز عدد "مالكيها"، بل ولا يرغبون في أن يتجاوز أصابع اليد الواحدة، خلافا للمبدأ المتمثل في وجوب انفتاحها للعضوية الفاعلة والراغبة  بالمشاركة في المجال المعيَّن
(1) تضعضع إدارة هذا النوع من المنظمات التي يفترض فيها توقير العمل الجماعي، وترديها-في أفضل الأحوال- إلى أنماط ضيِّقة من الذهنية القبلية، أو العشائرية أو العائلية، وفي أسوئها إلى ذهنية العصابة أو الشُّلة، حيث تستأثر رؤوسا معدودة، في كلا الحالين بالأمر إداريا وماليا، وربما رأس واحد.

(2) وقد يستسهل بعضها تفادي قيود التسجيل لدى "مسجل تنظيمات العمل التطوعي" أو "مسجل الجماعات الثقافية" وذلك بالتسجيل الميسور نسبيا لدى "المسجل التجاري العام"، فتضع نفسها، منذ البداية، وبصرف النظر عن حسن النوايا أو سوئها، في دائرة "السوق"، دون اعتبار للفروق الجوهريَّة بين هذه الدائرة وبين دائرتي "المجتمع" و"الدولة"، ودون اعتبار، كذلك، لمنظومات القيم الموضوعية التي تحكم كلا منها.

(3) ويُخشى -من وجه آخر- أن غلبة المحاذير الأمنيَّة ترسي الأساس التبريري لتحوُّل الكثير من هذه المنظمات إلى محض كيانات مغلقة، لا يتجاوز عدد "مالكيها" بل ولا يرغبون في أن يتجاوز أصابع اليد الواحدة، خلافا للمبدأ المتمثل في وجوب انفتاحها للعضوية الفاعلة والراغبة في المشاركة في المجال المعيَّن.

وهذا ما يفضي، بالضرورة إلى غياب الهيكلة والممارسة الديمقراطيَّة داخلها، فقلما تعقد جمعيات عمومية، أو تنتخب مجالس أمناء، أو إدارات تنفيذية، أو يُعهد بالميزانيات إلى مراجعين قانونيين، أو ما إلى ذلك.

(4) وتأتى من فوق هذا كله، مشكلة "التمويل" الذي يدفع إحجام الدولة عنه، كما يقتضي واجبها، لإفساح المجال بأكمله أمام "التمويل الأجنبي" وحده.

وينبغي ألا يُفهم من هذا أن لدينا اعتراضا مطلقا على "التمويل الأجنبي" من حيث هو، لكن مع إقرارنا بوجود تمويل أجنبي "حميد"، يجدر بنا الإقرار أيضا بوجود تمويل أجنبي "خبيث" يلعب الدور الأكبر في تحويل بعض المنظمات إلى محض "كناتين للعمل المدني!"، بل إن بعض المنظمات أو المراكز ليست غير حقيبة صغيرة تحت إبط "المالك.

وهذا النوع من التمويل يقف في تقديرنا، وتحت ضغط الضوائق الاقتصاديَّة المعلومة، على رأس مهدِّدات هذه المنظمات بالفناء، أو بالشلل في أفضل الأحوال، إذ يحوِّلها إلى مجرَّد "مشروعات إعاشة" لـ "أصحابها" وذويهم، أو "مطايا" للأسفار "السياحيَّة" التي تُحتكر فحسب لدوائر القرار العليا في إداراتها، بصرف النظر عن القدرات الفكريَّة المتدنِّية لدى كثير مِمَّن يجرى ابتعاثهم إلى مشاركات دوليَّة أو إقليميَّة.

(5) وتتبدى أخشن تمظهرات التناقض بين اللغو النظري بقيم الحقوق ومبادئ الحداثة، وبين إدارة الظهر لنفس هذه القيم والمبادئ في الواقع العملي، حين تجد مثلا، منظمة يدعي القائمون عليها الدفاع عن المظلومين في العلن، بينما هم يمالئون الظالمين في الخفاء إذا كان الأخيرون من الأقارب أو الأصدقاء أو الشُّلة! أو حين تجد مركزا ثقافيا يملأ الدنيا ضجيجا حول حقوق الإنسان، في حين لا يتوانى هو نفسه في جحد حقوق العاملين لديه، أو يهضم حقوق المؤلفين الذين ينشر أعمالهم، أو ينتهك بفظاظة حقوق ملكيتهم الفكرية!

(4)

أما العـرَض الثالث فيتمـثل في بعـض "الأوهـام" التي تعشعـش في أذهان الكـثير مـن النشـطاء، وأخطـرهـا طـرا تعـريـف "منظـمـة المجـتمـع المدني" ككـيان "غـير سياسـي، بينما المقصود أنها كيان "غير حزبي، والفرق شاسع!

وقد يستبين هؤلاء خطأهم الفادح حين يدركون أن تقارير منظمة دولية، كمنظمة الصحة العالمية، أصبحت تلاحظ ازدياد نشاط هذه المنظمات كقنوات لممارسة المواطنة وتحقيق التغيير الاجتماعي والاقتصادي.

ولأنه من غير الممكن لمثل هذه القنوات أن تكون "غير سياسية"، فإن الكثير من الباحثين، كالسوداني محمد سعيد الطيب والتونسي منصف المرزوقي، أضحوا يميلون إلى تأكيد أنها مفهوم سياسي بالأساس.

من عمى البصيرة، عدم رؤية الطبيعة "السياسيَّة" لهذه "الحركة" نفسها من هذه الزاوية، وحتى لو جرى بحسن نيَّة ابتلاع الفكرة "الزائفة" بأن على "المنظمات المدنية" ألا تمارس "السياسة"، فإن "المناضل" من أجل "حقوق الإنسان" سرعان ما يصاب بالحيرة  حين يكتشف أنه في "نضاله" هذا لا يغادر السياسة
كما أن ثمَّة تيارا عالميا مرموقا يشدِّد الآن، لدى الحديث عن "منظمات حقوق الإنسان" مثلا، على أنه لا معنى لـ "الإنسانية" ذاتها بدون الصحة والعمل والغذاء والملبس والمسكن والتعليم والثقافة، وأن تواتر المناداة بـ "العدالة الاجتماعيَّة" في شأن هذه المطلوبات عائد لكون نفس الأسباب تولد دائما نفس النتائج، فمن الضروري أن تتصدَّى "حركة حقوق الإنسان" لتحقيق هذه المطالب المشروعة للطبقات الفقيرة والشعوب المقهورة.

وإنه لمن عمى البصيرة، عدم رؤية الطبيعة "السياسيَّة" لهذه "الحركة" نفسها من هذه الزاوية، وحتى لو جرى بحسن نيَّة ابتلاع الفكرة "الزائفة" بأن على "المنظمات المدنية" ألا تمارس "السياسة"، فإن "المناضل" من أجل "حقوق الإنسان"، أو "صون البيئة"، أو "حماية المستهلك" مثلا، سرعان ما يصاب بالحيرة ـ وفق المرزوقي ـ حين يكتشف أنه في "نضاله" هذا لا يغادر السياسة في الحقيقة قيد أنملة!

فإنْ هو أدان التعذيب مارس "السياسة"، وإن صمت عنه مارس "السياسة" أيضا، وسواء طالب بالحريات الشخصية أو العامة أو بحقوق الطفل أو المرأة أو الأقليات أو حتى سعى فقط لـ "تعليم" حقوق الإنسان، فهو إنما يمارس "السياسة" بالضرورة!

وهكذا فإن الأمر في جوهره لأكثر تعقيدا من مجرد قوائم الشروط التبسيطية المُخِلة التي تصمَّم كتالوجاتها خصيصا ليُدفع بها إلى الورش التدريبيَّة، استهدافا لإخصاء الطابع الراديكالي لخبرة "المنظمات الجماهيرية" في بلادنا، منذ نشأتها في أتون الصراع السياسي ضد الاستعمار، وحتى انخراط سليلتها "المنظمات المدنية" في النضال من أجل التغيير الاقتصادي والاجتماعي.

(5)

أخيرا، لئن كان من الخطأ أن يدعو أحد لإرجاء المكاشفة الواجبة حول هذه القضية بزعم الحذر من استغلالها من جانب خصوم النشاط المدني، فإن ثمة مِن أهل النشاط المدني مَن يستغل هذه الدعوة، أيضا ليكرِّس الاتجاهات الخاطئة!

لذا ينبغي تفويت الفرصة على كلا الطرفين بحملة جادة لإصلاح أوضاع هذه المنظمات عبر حوار داخلي واسع صريح وشفاف اليوم، وليس غدا، وإلا فالحديث عن إسهامها في التغيير المنشود لن يعدو كونه محضا .. حديث خرافة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك