عارف أبو حاتم

عارف أبو حاتم

كاتب وصحفي يمني



الفساد في سلاح الجو
سقوط الطائرات العسكرية

شيوخ القوات البرية!
مخازن القوات البرية

كاد سقوط الطائرات العسكرية في اليمن يتحول إلى ظاهرة مخيفة لمقاتلي القوات الجوية، وبدأت ملامح الطيار اليمني تقترب من ملامح المغامر والانتحاري، إذ كثرت حوادث سقوط مقاتلات الجو، في أكثر من محافظة.

الفساد في سلاح الجو
لم يلتفت الشارع اليمني إلى تفاقم المشكلة إلا في أغسطس/آب 2005 حين اختطف قائد القوات الجوية السابق اللواء محمد صالح الأحمر (الأخ غير الشقيق للرئيس السابق علي عبد الله صالح) مراسل جريدة "القدس العربي" في اليمن، بعد نشر الأخير تقريرا مفصلا عن حوادث سقوط الطائرات العسكرية، وكان في مقدمة الأسباب الإهمال وضعف الصيانة، رغم الميزانية الضخمة المخصصة للقوات الجوية.

ومنذ انطلاق ثورة 11 فبراير/شباط 2011 ضد نظام الرئيس صالح، وحتى الآن، وسيناريو سقوط الطائرات العسكرية يخيم على المشهد العسكري والأمني، بوصفه شبحا بوجهين مخيفين، الأول تآكل وتدهور المؤسسة العسكرية والقوات الجوية تحديدا، والآخر تبعات ذلك التدهور من أسئلة مشتعلة في أذهان الناس.
منذ اندلاع الثورة وسيناريو سقوط الطائرات العسكرية يخيم على المشهد العسكري والأمني، بوصفه شبحا بوجهين مخيفين، الأول تآكل وتدهور المؤسسة العسكرية والقوات الجوية تحديدا، والآخر تبعات ذلك التدهور من أسئلة مشتعلة في أذهان الناس

ومن هذه الأسئلة إلى أي مدى مخترقة هي المؤسسة العسكرية اليمنية؟ هل سلمت القوات الجوية أمرها لقائدها الجديد؟ أم لا تزال بيد جنرالها العنيد اللواء الأحمر؟ هل لا تزال مقاتلات الجو حليفة للفساد والإهمال، أين يحتمي الناس من سقوط الطائرات على بيوتهم وأسواقهم ومتاجرهم؟

ولأن الرئيس عبد ربه منصور هادي قائد عسكري يدرك خطورة بقاء القوات الجوية بيد عائلة سلفه، فقد كان بين قراراته المبكرة عزل اللواء الأحمر، ولم يسلم الأخير منصبه في قيادة القوات الجوية إلا بعد تدخل المبعوث الأممي جمال بن عمر.

سقوط الطائرات العسكرية
في 25أكتوبر/تشرين الأول 2011 انفجرت طائرة عسكرية روسية من نوع "أنتينوف" في قاعدة "العند" بمحافظة لحج جنوب اليمن مودية بحياة ثمانية طيارين سوريين وجرح أربعة آخرين، وطيار يمني، ويومها عزت وزارة الدفاع السبب إلى ثقل الأسلحة التي كانت تقلها الطائرة.

بيد أن مصادر سياسية وإعلامية متواترة قالت إن قائد الطائرة "النقيب الشامي" كان ممن يؤيدون الثورة الشعبية، وأنه أخذ دور الانتحاري، وفجر الطائرة التي كانت تقل 12 طيارا سوريا، تقرر استخدامهم من قبل نظام الرئيس صالح للقصف على مواقع الجيش المؤيد للثورة، بعد أن تبين له تخاذل وعدم جدية الطيارين اليمنيين أثناء قصفهم على القبائل المؤيدة للثورة الشعبية والمحاصرة لمعسكرات الحرس الجمهوري في منطقة أرحب شمال صنعاء.

بعدها بخمسة أيام كان سلاح الجو اليمني على موعد مع مذبحة مروعة عشية اليوم الأخير من أكتوبر/تشرين الأول 2011، إذ دمرت ثلاث مقاتلات وأصيبت رابعة بأضرار بالغة في انفجار عبوات ناسفة زرعت في الطائرات أثناء ربوضها في قاعدة الديلمي الجوية المحاذية لمطار صنعاء الدولي، مما أدى إلى إعلان حالة الطوارئ في القاعدة، وإغلاق المطار لساعتين.

وشهدت القاعدة نفسها انفجار طائرة شحن عسكرية روسية من طراز "أنتينوف" في 4 مارس/آذار 2012، وتسبب الانفجار في خروج الطائرة عن الخدمة، بينما كانت القاعدة الجوية تشهد احتجاجات واسعة تطالب بإقالة قائد القوات الجوية اللواء محمد صالح الأحمر.

وفي 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 سقطت طائرة عسكرية من طراز (أنتينوف أم 24) في منطقة الحصبة شمال العاصمة وتوفي قائدها وتسعة متدربين وأفراد طاقمها.

وفي 19 فبراير/شباط الماضي لقي 12 مدنيا مصرعهم، في حادثة سقوط طائرة عسكرية طراز "سوخوي22" في حي الزراعة قرب ساحة التغيير بصنعاء، ولاحقا قالت وزارة الدفاع إن نتائج فحص الصندوق الأسود كشفت أن السقوط نتج عن خلل مصنعي، رغم أن الطائرة دخلت الخدمة قبل 22 سنة، أما الجانب الروسي المشارك في فحص الصندوق الأسود للطائرة فقد سخر من تهمة الخلل المصنعي، ربما لإدراكه ثقل اليد العابثة بمقدرات القوات الجوية اليمنية.

بعد خمسة أيام من الحادثة أصدر الرئيس هادي قرارا بمنع التدريبات الجوية فوق الأحياء السكنية، وكان يجب أن يرافق القرار قراران آخران، الأول بفصل مطار صنعاء عن القاعدة الجوية، وتخصيص مدرجات تفصل بين الطيران المدني والحربي، والآخر إخلاء المدن من المعسكرات ومخازن السلاح، بما فيها مخازن تجار السلاح والألعاب النارية، فقد شهدت العاصمة ومدينة تعز انفجارين ضخمين لمخازن التجار أوديا بحياة العشرات، وتسببت بانهيار وتصدع عشرات المنازل المجاورة.

وما لبث سلاح الجو أن عاد للتحليق فوق الأحياء السكنية حيث تحطمت مقاتلة يمنية أخرى ومن ذات الطراز "سوخوي22" في شارع الخمسين جنوب صنعاء في 13 مايو/أيار الماضي، وقتل قائدها، غير أن حطام الطائرة التي كانت عائدة من مهمة تدريبية ظهر عليه 6 طلقات نارية، أحدها أصاب خزان الوقود، وهو ما فسر انفجارها في الجو وتناثرها إلى أشلاء.

من النادر أن تجد في اليمن شيخا قبليا لا يحمل السلاح بعشرات المرافقين، بل إن معظمهم يتسلم معونات مالية شهرية تصرف لهم من رئاسة الجمهورية حتى هذه اللحظة، رغم ما يتقاضونه من أموال عبر مصلحة شؤون القبائل

السرعة المخيفة في تدمير سلاح الجو اليمني أقنعت عددا من المراقبين باحتمالية وجود سيناريو خطير يراد منه تحييد القوات الجوية، وإصابتها بالذعر، حتى يتم الإجهاز على النظام الجديد، ذلك أن من يملك القوة الجوية، يملك مفاتيح النصر والسيطرة.

شيوخ القوات البرية!
لم تكن القوات البرية اليمنية في معزل من العبث والفساد، الذي ينخر صلب المؤسسة العسكرية، بل كانت أكثر جهة تطالها يد المخربين والمتاجرين، وكثيرا ما استرضى الرئيس صالح شيوخ القبائل بتعيينهم أو تعيين أنجالهم قادة لمعسكرات ووحدات عسكرية، وأحيانا كان يبعث لهم كميات ضخمة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة هدايا، لكسب ولائهم، أو لكف شرهم.

ومن النادر أن تجد في اليمن شيخا قبليا لا يحمل السلاح بعشرات المرافقين، بل إن معظمهم يتسلم معونات مالية شهرية تصرف لهم من رئاسة الجمهورية حتى هذه اللحظة، رغم ما يتقاضونه من أموال عبر "مصلحة شؤون القبائل".

وهذه الهيئة تصرف أموالا للشيوخ فقط، دون مسوغ قانوني أو أخلاقي، وطالما طالب شباب ثورة التغيير بإسقاط تلك المصلحة العنصرية، إلا أن شيوخ القبائل المؤيدين للثورة والمناصرين لنظام الرئيس السابق أتفقوا على بقاء المصلحة التي تدر عليهم الأموال.

وبالغ نظام الرئيس السابق باسترضاء شيوخ القبائل ووصل الأمر إلى اعتماد ميزانية معسكرات وكتائب متفرغة لحراستهم، من ذلك تقاضي الشيخ الراحل عبد الله الأحمر مستحقات 3000 جندي هم قوام لواء الزبيري المتفرغ لحراسته.

وفي منتصف العام الجاري قال الرئيس هادي إنه يوجد أكثر من 100 ألف اسم جندي وهمي في القوات البرية، يتقاضى رواتبهم وأسلحتهم قادة تلك الوحدات العسكرية، وأعلنت وزارة الدفاع وجود 50 ألف اسم وهمي في قوات الحرس الجمهوري، ولم تعلن الرقم الوهمي في قوات الفرقة الأولى مدرع التي يقودها اللواء علي محسن الأحمر قائد ومؤسس الجيش المؤيد لثورة التغيير.

التعقيدات الكبيرة والمتداخلة في القوات البرية اليمنية جعلت الرئيس هادي يستعين بخبرات أميركية وأردنية في إعادة هيكلة الجيش، وإنهاء الانقسام الحاصل داخله وأفرزت الهيكلة إلغاء التسميتين (الحرس الجمهوري والفرقة الأولى) وتقسيم القوات البرية إلى سبع مناطق عسكرية وتوحيد زيها وإلحاقها بوزير الدفاع مباشرة.

ووفقا للهيكلة المعلنة في أبريل/نيسان الماضي عين العميد أحمد علي سفيرا لليمن لدى دولة الإمارات، وتعيين اللواء محسن مستشارا لرئيس الجمهورية لشؤون الدفاع والأمن.

مخازن القوات البرية
كان جبل "نقم" الحاضن لصنعاء من جهة الشرق شاهدا على حركة تحرر ضد الأئمة في مطلع ستينيات القرن الماضي، والآن يؤدي نفس الوظيفة، لكنه شاهد على حجم الفساد الذي ينخر المؤسسة العسكرية، وفي الحالتين هو حامل للسلاح، في الستينيات مع "الجمهورية" ضد الأئمة، والآن يسرب سلاح "الجمهورية" لدعاة عودة طغيان الأئمة.

التعقيدات الكبيرة والمتداخلة في القوات البرية اليمنية جعلت هادي يستعين بخبرات أميركية وأردنية في إعادة هيكلة الجيش، وإنهاء الانقسام الحاصل داخله وأفرزت الهيكلة إلغاء تسميتين، وتقسيم القوات البرية إلى سبع مناطق عسكرية

ففي الأول من يونيو/حزيران 2007 هزت انفجارات قوية مخازن السلاح في جبل "نُقم"، الذي يقع فيه معسكر الحفا، ووجد نظام صالح نفسه أمام ضغط إعلامي يبحث عن تفسير مقنع لأسباب الانفجار، وحينها اتصل أحد معاوني وزير الداخلية اللواء مطهر المصري، بزميل صحفي كان يجلس إلى جواري، يبحث معه عن تخريج، فكان اقتراح الزميل "نقول لهم إن المطر تسرب من الشقوق، وتسبب بماس ومنه نتج الانفجار!"... وهكذا جرت الرواية الرسمية!

الحقيقة إلى اليوم لم تعلن، لكن روايات متطابقة تحدثت عن معلومات وصلت الرئيس صالح بقيام نجله العميد أحمد بتسريب كميات ضخمة من الأسلحة إلى جماعة الحوثيين الموالية لإيران، والتي تقاتل القوات الحكومية في شمال اليمن، من أجل استنزاف الترسانة العسكرية الضخمة التي بيد خصمه اللدود اللواء علي محسن، الرجل المواجه للجماعة الحوثية عسكريا.

يومها زار الرئيس صالح جبل "نُقم"، وتيقن له تسريب الأسلحة، وقرر تشكيل لجنة لجرد المخازن، وقبل وصوله إلى دار الرئاسة عائدا كانت المخازن تدوي بالانفجارات، بفعل فاعل، لتمييع القضية!

وقبل ذلك شهدت محافظة عدن جنوب اليمن في سبتمبر/أيلول 2006 انفجارا في مخزن الأسلحة الواقع في جبل حديد، وتسبب بمصرع امرأتين وإصابة شخص ثالث، ولم تجد وزارة الدفاع وقتها غير ذلك السبب التقليدي: "انهيار صخري تسبب..."، وهو السبب نفسه الذي بررت به انهيارات لاحقه لمخازن أسلحة في جروف الجبال.

وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول 2012 قتل مدني وعسكري وأصيب العشرات في حادثة انفجار مخزن للصواريخ في معسكر الفرقة الأولى مدرع شمال غرب صنعاء، في حادثة قالت الدفاع إنها عن طريق الخطأ، حيث أصابت قذيفة مخازن السلاح.

تفجيرات جبل "نُقُم" عادت في 5أكتوبر/تشرين الأول الجاري إلى الواجهة، بانفجار ضخم، لم تجد له وزارة الدفاع تبريرا جديدا، غير استبدال قطرة مطر، بصخرة جبل، وقبل ذلك بثلاثة أسابيع تحدثت مصادر عسكرية عن اكتشاف مخازن أسلحة لأول مرة تعرفها الوزارة في جبل "الصباحة" غرب العاصمة، من بين ما يوجد فيه 30 ألف مسدس، لم يبق منها غير 3000 فقط.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2012 قال وزير الدفاع اللواء محمد ناصر أحمد إنه لا يوجد غير 10% من قوام عتاد اللواء الأول حرس جمهوري، والبقية نهبت، وهو ما يستدعي خطوات عاجلة لإعادة النظر في قرارات الهيكلة، وإيقاف نزيف المؤسسة العسكرية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك