فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي



يتفق الجميع على أن العالم بات كقرية صغيرة تماما كما تنبأ العالم الكندي مارشال ماكلوهن، حين رأى -وأصاب في رؤيته- أن وسائل الإعلام ستحول هذا العالم المترامي الأطراف، نتيجة تطورها السريع، إلى مراكز (إرسال وتلقّ)لا يفصل بينها سوى جزء من الثانية، ثم سيكون جميع سكان كوكب الأرض بدوله المختلفة أشبه بسكان قرية صغيرة ما يجري في أي بيت من بيوتها سرعان ما يعلم ويتأثر به كل سكانها.

وبالطبع فإن شبكات التواصل الاجتماعي التي وفرت لها الشبكة العنكبوتية أرضية خصبة للتوسع والتنوع والانتشار، إضافة إلى الفضائيات التي استخدمت العالم الرقمي بأقصى درجات الاستثمار، كلها وضعت الناس أينما كانوا أمام حالة من الآنية والتفاعلية جعلتهم يعيشون رؤية ماكلوهن صوتا وصورة، فعلا ورد فعل، دون حسابات كبيرة أو مؤثرة جدا للقومية والمعتقد وحتى الأديان، وهو ما قال عنه العالم الكندي تحديدا "العودة إلى النموذج القبائلي".

تذكرت نظرية ماكلوهن أثناء مروري بدول أوروبية وبعض الدول الآسيوية الكبرى وكذلك بالولايات المتحدة، ولم يكن سبب هذا الحضور الآني لنظرية القرية العالمية الصغيرة تطور وسائل الاتصال والتواصل الحديث، حيث بات هذا الأمر واقعا.

لكن ما شاهدته في هذه الدول من ظاهرة مشتركة أفرزت لدي ملاحظة، وهي حسب سعة انتشارها وتكراراها، أقرب ما تكون إلى الملاحظة العلمية التي تستدعي البحث والتمحيص، تلك هي زيادة عدد المهاجرين وتنوع البلدان الأصلية للمهاجرين حتى باتت الغربة بالنسبة إليهم شيئا رمزيا، كما تمكنوا من صناعة بيئات متطابقة تماما لبيئة بلدانهم مكنتهم من إيجاد التجمعات المثالية لحياة أقرب ما تكون لتلك البيئة.

إن شبكات التواصل الاجتماعي التي وفرت لها الشبكة العنكبوتية أرضية خصبة للتوسع، إضافة إلى الفضائيات التي استخدمت العالم الرقمي بأقصى درجات الاستثمار، كلها وضعت الناس أينما كانوا أمام حالة من الآنية والتفاعلية جعلتهم يعيشون رؤية ماكلوهن صوتا وصورة

ولعل الملاحظة الأهم أنك أينما ذهبت، في أي مكان في العالم، من القطب إلى القطب، ستجد مهاجرين عربا وأفغانا وهنودا وصينيين وغيرهم من أقوام العالم الواسع.

ولن يمر زائر بأي بلد في عالم اليوم بمشكلة الغربة أو حتى مشكلة اللغة، لأنه ببساطة سيجد في كل بلد يزروه الآلاف ممن هم في الأصل من أبناء بلده، أو ممن يتكلمون لغته يسكنون ويعملون في كل زاوية من هذا العالم، خطرت على بالك أم لم تخطر، على عكس ما كنا نسمع قبل عقود من الآن من أخبار المسافرين، وكيف أن قلوبهم تكاد تقفز من مكانها فرحا ودهشة عندما تسمع شخصا ما يتكلم العربية في لندن مثلا أو في الولايات المتحدة أو غيرها.

اللافت في كل هذا أن هناك بيئات مختلفة تخلق في الدول المستقبلة للهجرة، هذه البيئات تحديدا هي أنموذج لقرية عالمية مصغرة، فيها كل مواصفات الاتصال، وفيها أمثل أشكال التفاعلية، حيث إننا نجد أن العالم كله يتجمع في مثل هذه الدول وفق حاضنة كبيرة اختلف الكثيرون في تأثيراتها سواء على المهاجرين أم على أبناء هذه الدول الأصليين.

وقد يكون واضحا للدارسين أن حجم الفروقات التي أفرزتها الصراعات العالمية وكذلك الفروقات الاقتصادية والاجتماعية والحضارية بين الشمال والجنوب، وما خلّفته فترات الاستعمار الغربي تحديدا من أنظمة ونظم تتسم بالديكتاتورية والفساد والتخلف والقهر والإذلال والطائفية وجيوب الصراعات الداخلية وإهمال حقوق الإنسان وغيرها.

إضافة إلى تطور وسائل الاتصال والتواصل الحديث، كلها أسباب أفضت إلى أن تكون الهجرة واحدة من أساليب التعامل الوقائي ضد كل هذه الممارسات بعد أن أصبحت فرضية الشاعر العربي الشريف قتادة أبو عزيز (597-617 هجرية) "بلادي وإن جارت علي عزيزة، وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام"، ضربا من خيال ليس إلا.

ولعل الكثير قد استبدلوا منها فرضية ابن الوردي: حيث يقول:

حبك الأوطان عجز ظاهر * فاغترب تلق عن الأهل بدلْ

وقد عبرّ عن هذه الرؤية قبل أكثر من ثلاثة عقود الكاتب الساخر الراحل محمود السعدني في مقال له في ثمانينيات القرن الماضي في جريدة السياسة الكويتية بقوله "ما قيمة الأوطان إن جارت علينا وما قيمة الأهل إن ضنوا أو شحوا على أبنائهم!

وكان السعدني -رحمه الله- في ذاك المقال يحث الشباب العربي والمصري تحديدا على الهجرة بسبب الحالة المزرية التي كانوا عليها وتفشّي البطالة والجريمة والمخدرات وضعف الأمل أو فقدانه أحيانا في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات.

لقد أظهر تقرير حديث للأمم المتحدة أن عدد المهاجرين إلى خارج أوطانهم على مستوى العالم ارتفع بشكل غير مسبوق، وحسب التقرير هناك أكثر من 232 مليون إنسان (3% من سكان العالم)، يعيشون خارج أوطانهم الأصلية، وهو ما عبّرت عنه المنظمة الدولية للهجرة بوصف "خامس(دولة) في العالم" من حيث عدد السكان بالطبع، واللافت في هذا التقرير أن عدد المهاجرين زاد في العشرين سنة الأخيرة بنحو 80 مليون مهاجر معظمهم من دول الشرق الأوسط وآسيا وبعض دول أوروبا الشرقية.

أظهر تقرير أممي حديث أن عدد المهاجرين إلى خارج أوطانهم ارتفع بشكل غير مسبوق، فحسب التقرير هناك أكثر من 232 مليون إنسان (3% من سكان العالم)، يعيشون خارج أوطانهم الأصلية، وهو ما عبرت عنه المنظمة الدولية للهجرة بوصف "خامس دولة" في العالم
ولعل الزيادة الكبيرة في أعداد المهاجرين ورغبة كل مكون قومي أو وطني بالتجمع قريبا بعضهم من بعض، خلق مشاكل، وأفضى إلى تغيرات في معالم وصور مدن رئيسية في العالم كلندن وباريس وبروكسل وغيرها، حيث منعت مثل هذه السلوكيات المهاجرين من الاندماج بمجتمعاتهم الجديدة، كما أفضت في حالات أخرى إلى خلق حالة من الصدام النفسي والاجتماعي مع مجتمعات الدول المضيفة ورفض استيعاب قيمها الحضارية والإنسانية.
 
أما فيما يتعلق "بذات البين"، فإنك ترى أن ما اختلف الناس عليه وسبب هجرتهم لبلدانهم قبل حين من الدهر يعودون ليختلفون فيه مع مهاجرين آخرين اضطروا للهجرة نتيجة تغير أنظمة أو نتيجة تعرضهم لحالات من الضغط السياسي والأمني، وترى موجات من الكراهية والبغضاء والحساسيات بين أبناء البلد الأصلي الواحد تصل حد الاعتراك والتصادم بسبب آراء ومواقف تعود أحيانا إلى عقود من الزمن ولا يمت لها الواقع بأي صلة.
 
رغم دعوة مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إلى ضرورة انتهاج إستراتيجية لجوء جديدة، لمواجهة تفاقم ظاهرة الهجرة وارتفاع عدد النازحين والفارين من الصراعات المسلحة في العديد من مناطق العالم، إلا أن أعداد المهاجرين في ازدياد مستمر، وكل يوم تضاف دول جديدة بشعوبها لقائمة الدول الساخنة سواء نتيجة ظروفها الأمنية أم الاقتصادية.
 
فبعدما كان مهاجرو العراق والصومال ومصر على رأس قائمة المهاجرين في الشرق الأوسط في نهاية الثمانينيات والتسعينيات على سبيل المثال، قفزت دول مثل سوريا وليبيا والكويت واليمن لتشكل أرقاما جديدة في قوائم المهاجرين الجدد، وأسباب ذلك معروفة بالطبع، وبات الأمر أشبه بولادة لوبي شرق أوسطي في دول المهجر يحتاج إلى أن ينظر إليه بهذا المنظار فعلا حتى تكون له قوة التأثير المطلوبة للتأثير في صناعة القرار الخاص بهذا الجزء الحساس من العالم.
 
إن قراءة متأنية في كتاب "أوروبا: قارة واحدة وعوالم مختلفة.. سيناريوهات السكان في القرن الواحد والعشرين" للباحثين الهولنديين يوبدوبير وليوفانفيسن، تطلعنا على حقائق كبيرة في حجم اعتماد أوروبا مثلا على الهجرة في مستقبلها، حيث توصل الباحثان إلى أن عدد السكان في أوروبا سيشهد انخفاضا كبيرا حيث سينخفض في العام 2050 أقل من مستواه الحالي بنسبة 40%.

والأخطر أن الانخفاض الأبرز سيكون في الفئة الشبابية ذات العشرين عاما، وهو التحدي الأكبر الذي ستواجهه القارة في هذا القرن وستترتب عليه الكثير من المشاكل، مثل الحفاظ على مستويات ملائمة للخدمات وكيفية التعامل مع الانكماش في عدد السكان النشيطين اقتصاديا إضافة إلى ارتفاع مستوى الأجور وغيرها، وهو بالتأكيد ما سيبقي موضوع قبول المهاجرين الجدد وتنظيم اندماجهم بمجتمعاتهم الجديدة حاضرا في الأجندة السياسية لكل الحكومات الأوروبية في العقود القادمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك