عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.



المحصلة الصفرية
مواقف المعارضة
ما الذي سيحمله جنيف2؟

حرك الاتفاق الروسي الأميركي حول نزع أسلحة النظام السوري الكيميائية المياه الراكدة التي كان مؤتمر جنيف2 يغطس فيها منذ شهور عدة، حيث كثر الحديث حوله، في أيامنا هذه.

لكن رغم كل الحراك الدبلوماسي والسياسي الذي تشهده العواصم والدوائر المعنية به، لا أحد يمكنه التأكيد على أن هذا المؤتمر سيعقد في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، بالنظر إلى اختلاف التفسيرات والحيثيات لنص جنيف نفسه، وافتراق مواقف قوى وأطراف الصراع، خصوصا بعدما أعاد الاتفاق الروسي الأميركي بعضا من "الشرعية الدولية" للنظام الأسدي، مع حملة دولية مشبوهة لإعادة تأهيله وتلميعه.

وهذا الأمر الذي جعل رأس النظام الأسدي يعلن بكل صفاقة استعداده للترشح لولاية رئاسية جديدة، ووضع شروطا رفض من خلالها التفاوض على تسليم صلاحياته كاملة إلى أي حكومة مؤقتة، مما يعني عدم التسليم برحيله أمام معارضة ينكر وجودها، ولا يعترف بها، بل ويلصق بها أبشع التهم، التي تثير هواجس وأحاسيس الساسة الغربيين، في تضليل متعمد، يعيه جيدا القاصي والداني في عالم السياسة.

لا أحد يمكنه تأكيد انعقاد جنيف بنوفمبر/تشرين الثاني، بالنظر إلى اختلاف التفسيرات والحيثيات لنص جنيف1، وافتراق مواقف قوى وأطراف الصراع، خصوصا بعدما أعاد الاتفاق الروسي الأميركي بعضا من "الشرعية الدولية" للنظام الأسدي، مع حملة دولية مشبوهة لإعادة تأهيله وتلميعه
المحصلة الصفرية
يبدو أن اللقاءات المتكررة بين كل من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، بنيت على خلفية موقف إستراتيجي مشترك، بين ساسة الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، حول تركيز الجهود للبحث عن حل سياسي للأزمة السورية، ينهض على أسس اتفاق جنيف الأول.

ترتب على ذلك أن دعوا إلى عقد مؤتمر دولي حول سوريا، وراحوا يحضرون ويحشدون لعقد جنيف2، ويعطون تفسيرات حوله، كلّ حسب وجهة نظره وفهمه، بما يتسق مع نفوذ ومصالح بلاده وأمنها القومي، حيث لم يكف الروس عن الدفاع عن الأسد ونظامه، ويتحدثون باستمرار عن ضرورة التخلي عن شرط تنحي الأسد، وسعوا إلى إشراك إيران في المؤتمر.

وبموازاة مع ذلك تراجع ساسة الولايات المتحدة الأميركية عن الضربة العسكرية، بعد أن حصلوا على صفقة تجريد النظام من سلاحه الكيميائي، ووافقوا على بدء التفاوض مع وجود المجرم في الحكم، دون أي عقاب على جريمته ضد المدنيين العزل في مجزرة الغوطتين، واكتفوا بالقول إنه لن يكون له دور في العملية الانتقالية، مع القبول بإمكانية مشاركة إيران، رغم كونها شريكا كاملا في قتل السوريين.

ولا شك أن الدعوة إلى مؤتمر جنيف2 تحمل في طياتها دعوة روسية أميركية للحوار مع النظام، بغية الوصول إلى حل مبهم للأزمة السورية، واقتضى ذلك تراجعا أميركيا عن الدعوة لرحيل الأسد كشرط مسبق للبدء بأي عملية سياسية.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن الساسة الأميركيين قبلوا بدعوة إيران وحضور المؤتمر، فإن ذلك كله يعد تعزيزا لمواقف النظام المجرم، وإقرارا بدور حليفته إيران في حل الأزمة.

ومن الطبيعي أن تثار شكوك كثيرة حول مؤتمر جنيف2، خاصة لدى قطاعات واسعة من الحاضنة الاجتماعية للثورة السورية، حيث إن المهم لساسة كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا هو أن ينعقد المؤتمر دون أي ضمانات تتعلق بنجاحه في تقديم حل مقبول من قبل جميع الأطراف.

لذلك تبذل هذه الأطراف جهودا محمومة، وتمارس ضغوطا على المعارضة، كي تكون مسألة عقده حتمية، ومطلوبة بحد ذاتها، وكأنها مسألة قائمة وحدها، بوصفها إنجازا يطلب تحقيقه بأي ثمن، ولو على حساب دماء السوريين وعذاباتهم.
 
ويجد الناظر، في تطورات ملف جنيف 1 وجنيف 2، أنه رغم كل الحراك الدبلوماسي والسياسي الدولي، الذي تشهده المنطقة، فإن المحصلة صفرية، إذ منذ إعلان جنيف في 30 يونيو/حزيران 2012 أوكلت الإدارة الأميركية مهمة إيجاد حل سياسي للأزمة السورية إلى ساسة الكرملين، دون أن تبذل أي جهد حقيقي بخصوص إيجاده، بل ولم تتشاور مع حلفائها الفرنسيين والبريطانيين والعرب، بغية إيجاد الحل المطلوب.

أكثر من ذلك راحت تتحدث عن المخاوف الكبيرة من سقوط النظام الأسدي، ووصول قوى إسلامية متطرفة إلى الحكم في سوريا، وظلت إلى وقت قريب تعتبر أن الوضع في سوريا لا يحظى بأولوية في سياستها الخارجية.

مواقف المعارضة
في المقابل، فإن مواقف بعض أطراف المعارضة السورية متضاربة ومرتبكة، إذ يرفض بعضها الذهاب إلى جنيف2، ويشترط بعض شخصياتها رحيل الأسد مقدمة لأية عملية تفاوض، في حين تقبّل آخرون الذهاب إلى مؤتمر جنيف2، بوصفه أمرا واقعا، حتى قبل معرفة تفاصيله.
 
والأدهى من ذلك أن ضغوطا عديدة تمارس على قوى المعارضة لحضور المؤتمر العتيد، حيث تتحدث بعض شخصيات المعارضة عن تهديدات، أطلقها السفير الأميركي، روبررت فورد، بقطع المساعدات الأميركية، مع أن إدارته تفرض حظرا على تقديم السلاح إلى المعارضة المسلحة، رغم تأكدها من خرق النظام الأسدي للخط الأحمر الذي وضع رئيسه، المتمثل باستخدام السلاح الكيميائي.
مواقف بعض أطراف المعارضة السورية متضاربة ومرتبكة، إذ يرفض بعضها الذهاب إلى جنيف2، ويشترط بعض شخصياتها رحيل الأسد مقدمة لأية عملية تفاوض، في حين يقبل آخرون الذهاب إلى جنيف-2، بوصفه أمرا واقعا، حتى قبل معرفة تفاصيله

لعله من المضحك والمبكي في آن أن يهدد الساسة الأميركيون بقطع شيء لم يقدموه، رغم أنهم أشبعونا كلاما حول ضرورة "تغيير موازين القوى على الأرض" لإجبار النظام على الذهاب إلى جنيف، ولم يفعلوا شيئا في هذا الخصوص.

وليس جديدا، القول بأن كل أطياف المعارضة السياسية السورية لا تمتلك تصورا واضحا ومحددا حول المشاركة في جنيف2، وحول من يمثل المعارضة في وفد موحد، ومن يمثل النظام من رموزه الذين لم تتلوث أياديهم بدماء السوريين؟

الأمر الذي يطرح التساؤل عمن في النظام الأسدي يمتلك تفويضا سياسيا كاملا ولم تلوث أيديه بالدماء.

ويبدو أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في وضع لا يحسد عليه، إذ طالب رئيسه بالتوافق على "التمسك بثوابت الثورة مهما عظمت التضحيات".

وأكد أن قراره السياسي بهذا الشأن، كما هو في كل شأن، مرتبط بعملية التواصل المستمرة مع الثوار على الأرض، ويخضع كل قرار يتخذه في النهاية، للتصويت من قبل الهيئة العامة للائتلاف.

وقد جرت حملة تشويه لأحاديث صدرت عنه في بعض المناسبات، رغم أنه شدد على أنه لا حوار مع المجرم بشار الأسد، وأن الحل السياسي يحتاج ظروفا موضوعية، وفي مقدمتها انسحاب قوات الحرس الثوري الإيراني ومليشيات حزب الله الغازية، والحصول على ضمانات عربية وإسلامية للتفاوض، انطلاقا من ثابتة تنحي الأسد ورموز نظامه المجرم، مع التمسك بحق الجيش السوري الحر بالاستمرار بالقتال للدفاع عن الشعب السوري.

ولعل قوى عديدة في المعارضة السورية تطالب بتنفيذ بنود جنيف1 الستة، قبل الذهاب إلى جنيف2، تلك القاضية بوقف إطلاق النار، وسحب وحدات الجيش من المدن والبلدات والقرى السورية، وإطلاق جميع المعتقلين منذ بدء الثورة السورية، والسماح بكل أشكال ومظاهر التظاهر السلمي، وتشكيل حكومة انتقالية تتمتع بصلاحيات كاملة، تشرف على إعادة هيكلة الجيش والأمن والقضاء، بغية الوصول إلى إقامة نظام ديمقراطي وتحقيق تطلعات الشعب السوري.

ما الذي سيحمله جنيف2؟
إن ما يثير التوجس لدى قطاعات الشعب السوري الثائر هو أن الولايات المتحدة الأميركية، الشريك الرئيس لجنيف2، لم تقف بالفعل مع الشعب السوري في محنته الكارثية، بل وضعت مع حلفائها الأوروبيين حظرا على توريد الأسلحة النوعية إلى الثوار والمقاتلين في الداخل السوري ضد قوات وشبيحة النظام الأسدي، ومنعت محاولات بعض الدول العربية تأمين مثل هذه الأسلحة لهم.

ومن الطبيعي أن يطالب السوريون بتحديد المتطلبات الإستراتيجية، التي يجب انتهاجها قبل الذهاب إلى جنيف٢، ومناقشة وتحديد الشروط التي ينبغي أن تتوافر لنجاح المفاوضات، التي عليها أن تنتهي برحيل نظام الأسد والدخول بمرحلة انتقالية، تفضي إلى سوريا جديدة، دولة مدنية، ديمقراطية وتعددية.

وعليه، فإن المطلوب هو وضع أسس واضحة ومحددة للمفاوضات، تنهض على منظور انتقالي سياسي حقيقي.

لكن المشكلة هي أن الإدارة الأميركية ما زالت غامضة حول ما تقوم به مع الجانب الروسي فيما يخص جنيف٢، ويكتفي مسؤولوها بالقول إن إدارتهم تريد "مسارا انتقاليا في سوريا"، لكن لا أحد يعرف -بالضبط- ماذا يعني هذا المسار، وماذا تفعل هذه الإدارة مع الجانب الروسي في شأن طبيعة هذا المسار الانتقالي.

لا يختلف الكثير من السوريين على تفضيل الحل السياسي الذي يخلصهم من المجازر ومن الدمار ومن الكارثة التي حلت بهم، ولكنهم يختلفون كثيرا حول أي حل سياسي يعيدهم إلى الوراء، أي إلى استبداد حكم آل الأسد

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي سيحمله مؤتمر جنيف2 للسوريين، في ظل تجربة التسعة والعشرين شهرا التي خلت من عمر الثورة، ولم يقدم فيها "المجتمع الدولي" الدعم الذي يرتقي إلى مستوى الدعم الذي يتلقاه النظام السوري، والذي يجعل الحرب التي يخوضها ضد غالبية شعبه، تدار من طرف ساسة روسيا وإيران وحزب الله وبعض القوى السياسية في العراق، في حين أن الشعب السوري ترك وحيدا، يقتل منه النظام ما يشاء، ويجتاز كل الخطوط التي وضعتها الولايات المتحدة الأميركية وغيرها.

لا يختلف كثير من السوريين على تفضيل حل سياسي، يخلص السوريين من المجازر ومن الدمار والكارثة التي سببتها حرب النظام وحلفائه، فالناس في الداخل السوري أرهقتها المجازر والجرائم، تنام وتصحو على وقع قصف الطائرات والصواريخ ومختلف أنواع المدافع والراجمات.

ومع ذلك يختلف غالبية السوريين كثيرا حول أي حل سياسي يعيدهم إلى الوراء، أي إلى استبداد حكم آل الأسد.

وهناك تخوف من أن يلجأ النظام الأسدي إلى التفاوض، بوصفه لعبة لشراء الوقت، وهي لعبة يجيدها، مثله مثل وصيفه الإسرائيلي، الذي مارس هذه اللعبة عقودا طويلة مع الفلسطينيين، وتفاوض معهم مع أجل التفاوض فقط، أي من أجل إطالة أمد احتلاله للأرض الفلسطينية، والخوف من أن تتكرر اللعبة من أجل إطالة أمد احتلال آل الأسد لسوريا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك