وليد الزبيدي

وليد الزبيدي



تأثير الجغرافيا
عامل الخوف
تبعية القرار السياسي

اقتربت رغبة أكراد العراق في إقامة دولة كردية لهم من التحقق في عام 1946 حين تم الإعلان عن "جمهورية مهاباد" التي أنهارت في أقل من عام، وبعد ذلك بعقود تراجعت فرص ذلك (الحلم) إثر اتفاق الجزائر بين بغداد وطهران عام 1975، قبل أن تدخل القضية طورا جديدا بعد العام 1991، وما حصل فيه من تداعيات بعد حرب الخليج، حيث اقترب الوضع من كيان شبه مستقل.

وبعد ما يقرب من ربع قرن على ذلك التاريخ لم يصل المشروع إلى درجة النضج، رغم توفر الكثير من العوامل المساعدة له، وفي مقدمتها الدعم الأميركي المتواصل، قبل و بعد 2003.

لكن الصيغة السياسية التي حكمت العراق لم تتمكن من إنضاج الأجواء والعوامل المطلوبة لقطع المسافة بحكمة وتأن والوصول إلى هدف واقعي ومعقول، ثم جاءت الاضطرابات في سوريا مع تصاعد التدهور الأمني والخدمي في بقية مدن العراق، لتلقي بظلال قاتمة على الأوضاع في كردستان العراق، دون وجود أي شعور حقيقي بالاقتراب الحقيقي من تحقيق الأكراد العراقيين لرغبتهم في إقامة دولة كردية.

فهل تحولت محاولات قطع هذه المسافة في إقامة دولة كردية إلى حلم طوباوي يصعب تحقيقه، أو الوصول إلى قناعة راسخة باستحالة تحقيق ذلك، أم أن الإصرار على السير في هذا المسلك يسهم بقوة في زيادة القلق الكردي على طريق اتساع المأزق؟

ليست هناك إستراتيجية واضحة لأكراد العراق لتحقيق حلمهم المنشود، فعندما يفشل الحاكم في بغداد يعتقدون أنهم حققوا منجزات كبيرة، لكن الواقعية السياسية تقول إن فشل الآخر لا يمكن أن يحسب إنجازا لصالح طرف ما

ثلاثة عوامل
ليست هناك إستراتيجية واضحة لأكراد العراق، فعندما يفشل الحاكم في بغداد يعتقدون أنهم حققوا منجزات كبيرة، لكن الواقعية السياسية تقول في حال كان المعيار يستند إلى فشل الآخر وإخفاقه الكبير فإن ذلك لن يُحسب إنجازا.

وبالمقارنة مع حجم الأموال المتدفقة على حكومة الإقليم خلال السنوات العشر الماضية، التي تجاوزت المائة والخمسين مليار دولار، فإن المقارنة يجب أن تكون مع التطور الذي تشهده الدول المتقدمة، وأن لا تكون المقارنة مع الصورة التي تقدمها حكومة بغداد، من تراجع خطير في الأمن والخدمات وقفزات هائلة ومذهلة في سرقة المال العام وانتهاكات حقوق الإنسان.

ولا شك، أن هذا الاضطراب قد تمخض عن دمج واسع بين التكتيك والإستراتيجية في كردستان العراق، لدرجة أن الفصل بينهما لم يعد سهلا، ما يعني عدم وجود إستراتيجية حقيقية، وهو مؤشر فشل في الميادين الحيوية وتحديدا التنموية منها.

ولتمحيص طبيعة القلق وعمق المأزق الذي يعيشه كردستان العراق لابد من التوقف عند ثلاثة عوامل رئيسية، هي: الجغرافيا، الخوف، تبعية القرار السياسي.

وتتأرجح الرغبة الكردية بين اإنشاء مملكة تشبه (دولة مهاباد الكردية عام 1946)، التي سرعان ما انهارت، لأن تشكيلها خضع لإرادة خارجية، وثورات تشبه (ثورة محمود الحفيد أعوام 1919 و1923 و1932، وثورة البارزاني التي بدأت عام 1945) وحلم الاستقرار الذي انطلقت آفاقه بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لكن هذا الحلم لم يخرج عن إطاره الكابوسي، على الأقل في دواخل العارفين ببواطن السياسة، والذين لا ينسون ما اكتوى به الأكراد خلال التسعين سنة الماضية، وقد يكتوون به بسبب المصالح العليا للدول الكبرى، وهذا ما نحاول دراسته في العوامل الثلاثة موضوع المقال.

تأثير الجغرافيا
في واحد من أهم تعريفات السيادة للدول، أن الجغرافيا هي المسؤول الأول عن السيادة الحقيقة، وإذا حرصت الامبراطوريات قديما على وجود منفذ مائي للمساعدة في خروج الأساطيل والجيوش عبر البحار والانفتاح التجاري، فإن المنفذ المائي أصبح من أهم ضرورات الدول التي تعتمد في صادراتها على الثروة النفطية، على الأقل منذ النصف الأول من القرن العشرين، وتوفير مستلزمات الحياة اليومية من الواردات بعد تحوّل المجتمعات إلى استهلاكية وبنسبة متزايدة لم تشهدها البشرية في العصور السابقة.

فالأكراد في العراق والدول الثلاثة الأخرى لا يمتلكون منفذا بحريا على الإطلاق، ولن يكون بإمكانهم الحصول على هذا المنفذ.

هذا العامل، وفي حال حديثنا عن السيادة الكاملة لـ"الحلم الكردي في العراق" فإن انتفاءه مطلقا مع تنوع العلاقة مع الدول المحيطة بأكراد العراق بين العداء - كما هو الحال مع إيران- ومصالح آنية قلقة - مع تركيا- وقلق وخوف آني ومستقبلي - بالنسبة لسوريا مهما أصبح نوع الحكم في هذا البلد مستقبلا- ففي حال بقي نظام الرئيس بشار الأسد، فإن ما يقلق إيران في الموضوع الكردي لن يسمح للحكم بدمشق بتقديم فرصة لأكراد سوريا لتقوية حضورهم السياسي، وفي حال سيطرت الأطراف القوية في المعارضة الحالية، فإن العداء قد أصبح عميقا بينهم وبين حكومة أربيل، على خلفية الدعم الذي حصل عليه أكراد سوريا من السلطة في كردستان العراق، وهذا الأمر لم يعد خافيا على أحد.

وبالنسبة لجنوب كردستان العراق، فإن تجربة الشراكة في الحكم مع بغداد بعد عام 2003 أثبتت غياب الانسجام الحقيقي على الإطلاق بين أربيل وبغداد، وفي حال تمكنت القوى المعارضة من الوصول إلى الحكم في العراق، فإن دعم الأحزاب الكردية للمشروع الأميركي في العراق يقف عائقا أمام إقامة علاقات قوية تستند إلى ثقة عميقة.

يضاف إلى ذلك الخارطة التي يتحدث عنها الأكراد ويجد المناوئون للعملية السياسية بعد عام 2003، أنها تزخر بمطامع غير مشروعة.

وفي مقدمة ذلك الحرص على أخذ مدينة كركوك، التي يرى فيها الأكراد مصدرا للثروة لما تكتنزه من حقول نفطية، وتجد فيها القوى الوطنية المعارضة للعملية السياسية بعد الغزو الأميركي، المثال الأفضل لصورة التعايش بين القوميات العراقية (العربية والكردية والتركمانية) الذين يقطنون هذه المدينة منذ آلاف السنين وتعايشوا دون حساسيات أو مشاكل.

تجربة الشراكة في الحكم مع بغداد بعد عام 2003 أثبتت غياب الانسجام الحقيقي على الإطلاق بين أربيل وبغداد، وفي حال تمكنت القوى المعارضة من الوصول إلى الحكم في العراق، فإن دعم الأحزاب الكردية للمشروع الأميركي في العراق يقف عائقا أمام إقامة علاقات قوية تستند إلى ثقة عميقة
لكل هذه الأسباب، يسهم عامل الجغرافيا في ضخ المزيد من القلق داخل المشروع الكردي الذي يظهر على شكل تصريحات بين الفينة والأخرى، وأحيانا يتجسد بمظاهر تنطوي على بعض الغرور المرتكز على فشل بغداد في تقديم صورة ناضجة للحكم منذ عام 2003.

عامل الخوف
يقف الخوف بين المنفعة والشرف في السياسة الخارجية لكل دولة أو أمة، فإذا كان الخوف بمعنى الخشية من الانزلاق نحو المأزق، فإنه يصبح داعما للمنفعة، لأنه لا يسمح بمطامع خارج ما يقرره الجميع، كما أنه يرفع من مرتبة الشرف ويضعه في منزلته السليمة، فتتضافر هذه العوامل في إنضاج السياسة الخارجية وتخليصها من آفة الخوف.

وبدون شك، أن الحياة الجبلية قد منحت الأكراد قدرة على تحمل المصاعب، كما أنها ساهمت في تصديهم لكل مناوئ لهم، لما تقدمه التضاريس الجبلية الوعرة من دعم في حرب الأغوار - كما يؤكد ذلك جيفارا وحرص على أهمية ذلك هوشي منه في فيتنام أيضا - لكن الحياة الجبلية تكون أقرب إلى بيئة الخوف منها إلى الطمأنينة، عندما تكون طموحات القادة والزعماء مرتبطة بقدرات خارجية أكثر منها داخلية.

فقوة الجبال لم تتمكن من الوقوف في وجه الانهيار المعنوي الداخلي - كما حصل عام 1975على خلفية اتفاق الجزائر. وعام 1996 عندما تدخل الجيش العراقي أثناء القتال الدائر بين مقاتلي الحزبين الرئيسيين (الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، والديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني)، حيث انهارت قوات الاتحاد الوطني المدعومة حينذاك من إيران بسرعة البرق.

ولأن قاطني الجبال يميلون إلى الاستقلال والعزلة بصورة عامة، فإن دمج الحياة الاجتماعية بالأطر السياسية ليس بالأمر السهل، ما يجعل عامل الخوف متقدما على أجواء الطمأنينة للآخر.

ونتيجة لتراكم المآسي التي عاشها المجتمع الكردي بسبب الحروب والصراع والاقتتال الداخلي، وعدم وجود رؤية علمية تنطوي على إستراتيجية ثابتة وواضحة، فإن الخوف يتقدم على سواه في ربوع حياة أكراد العراق.

فأحيانا يتلقى كرد العراق ما يبشرهم بالاستقلال الكامل، ثم سرعان ما يجدون صعوبات ومشاكل جمة تحول دون تحقيق ذلك، وأينما يلتفت المواطن الكردي فإن العقبات الكثيرة تقفز أمامه، خاصة عندما يُمحّص حياة الأكراد وواقعهم في كل من إيران وسوريا وتركيا.

تبعية القرار السياسي
إذا افترضنا أن الخلافات التاريخية بين الحزبين الرئيسيين الكرديين قد وُضعت على الرف تقريبا خلال أكثر من عقد، وأن بروز المعارضة المتمثلة بالتيار الإسلامي وحركة تغيير (كوران) بزعامة نشيروان مصطفى القيادي السابق في حزب جلال الطالباني (الاتحاد الوطني الكردستاني)، يمكن إدراجها ضمن ما يسمى بـ"اللعبة الديمقراطية" فإن القرار السياسي لأكراد العراق يبقى متأثرا بالعديد من العوامل الداخلية والخارجية.

على الصعيد الداخلي، لن يتمكن أكراد العراق من تجاوز محنة المحاصصة التي اعتقدوا أنها ستضمن لهم تحقيق كل أهدافهم، فسارعوا للوقوف بقوة مع قرارات بول بريمر وفي مقدمتها تشكيل مجلس الحكم الانتقالي (13 يوليو/تموز 2003) على الأسس الطائفية والعرقية، معتقدين خطأ أن أميركا ستبقى قوية في العراق، دون أن يضعوا في حسبانهم أن الشعوب لن تقبل بالغزاة وستقاومهم بقوة السلاح، فكان هذا الوهم الأول.

ومثلما دعموا بقوة قانون إدارة الدولة الانتقالية (كتبه البروفسور نوح فيلدمان يهودي أميركي من أصل عراقي وعمل مستشارا قانونيا لبريمر) وطُرح للنقاش في 16 نوفمبر/تشرين الثاني2003 في مجلس الحكم، وتم إقراره من قبل المجلس في 8 مارس/آذار2004، فقد انتقل نفس الحرص والدعم للدستور الذي تمت كتابته عام 2005 وتناسلت جميع فقراته الخاصة بالمحاصصة من قانون إدارة الدولة آنف الذكر، وتم الاستفتاء عليه في 15 أكتوبر/تشرين الأول عام 2005.

واعتقد السياسيون الأكراد أن تضمين الدستور مادة خاصة بكركوك (المادة 140) الغنية بالنفط، أحد أهم منجزاتهم في هذا الدستور كما حصل في قانون إدارة الدولة بمادته (58)، يضاف إلى ذلك تقاسم السلطات تحت عناوين المحاصصة.

بما أن القوة الرئيسية التي استظلت الأحزاب الحاكمة بها بما في ذلك الأحزاب الكردية، هي القوات الأميركية، قد ضعفت في العراق ثم اضطرت للانسحاب نهاية عام 2011، بعد أن تكبدت خسائر بشرية ومادية فادحة بفعل ضربات المقاومة، فقد دخلت القوى الحاكمة في العراق في دوامة الخلافات

وبما أن القوة الرئيسية التي استظلت الأحزاب الحاكمة بها، بما في ذلك الأحزاب الكردية، وهي القوات الأميركية، قد ضعفت في العراق ثم اضطرت للانسحاب نهاية عام 2011، بعد أن تكبدت خسائر بشرية ومادية فادحة، بفعل ضربات المقاومة، فقد دخلت القوى الحاكمة في العراق في دوامة الخلافات.

وتعتبر الخلافات بين أربيل وبغداد أبرز تلك الخلافات، والسبب يعود إلى تمسك الأطراف الثلاثة (الأكراد والأحزاب الشيعية والأحزاب السنية) بما اعتقدوا واهمين أنها امتيازات في دستور 2005، دون التوقف عند مسألة حساسة في كل الدساتير في العالم، حيث يتم التأكيد في مواده على حرص الجميع على إنسانية واجتماعية مواد الدستور قبل حسابات الربح لهذا الطرف أو ذاك على حساب الآخر، وهذا الأمر نتج عنه ضعف وهزال جميع أطراف العملية السياسية، وحصدت الأحزاب الكردية حصة الأسد من هذا الضعف، ما انعكس على جميع مفاصل العلاقة مع الحكومة وأقطاب العملية السياسية.

ونتيجة لمحاولة القادة الأكراد عكس ما هم عليه في العراق على الأكراد الآخرين، فقد ظلت العلاقة شائكة مع إيران ومتأرجحة - قلقة مع تركيا، خشية تقديم أكراد العراق التشجيع والدعم لهؤلاء في كلا البلدين، وارتد الدعم المقدم لأكراد سوريا في كارثة أمنية هزّت أربيل في (19- 9-2013) بعد أن هاجم مقاتلون أكراد سوريون إسلاميون مقر الأمن الكردي، مما أثر على مشهد الاستقرار الأمني الذي تتفاخر به السلطات هناك.

وبما أن الولايات المتحدة قد خرجت من العراق، وتحاول توجهات البيت الأبيض الجديدة النأي عن المشاكل والاضطرابات منذ وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض، فإن عوامل القوة في السياسة الخارجية والداخلية لأكراد العراق أخذت تهبط إلى أدنى درجاتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك