زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني

ربما نعرف جميعنا مقولة "الفن للفن" التي تشير إلى عمل عبثي أو لنقل لعمل لا فائدة منه ولا منفعة. هكذا كانت البداية حيث نظر إلى الفن على أنه لا يحمل رسالة للمتلقي، وإذا جرد أي عمل فني، أدبا كان أو نحتا أو رسما بمختلف فروعه، من مضمون اجتماعي فينظر إليه وإلى صاحبه سلبا، سخرية واستهزاء.

مقولة "الفن للفن" تقودنا إلى موضوع مقالنا هذا ألا وهو المفاوضات التي تجري بين طرف فلسطيني، وليس "الطرف" الفلسطيني من جهة، والكيان الصهيوني من جهة أخرى.

قد يظن البعض أن المفاوضات بين المؤسسة السياسية الفلسطينية من جهة وحكومات العدو من جهة أخرى قد بدأت في أوسلو أو قبل ذلك بقليل ما أوصل الطرفين إلى غزة أريحا أولا، لكن الواقع غير ذلك لأنه علينا العودة إلى الوراء، كثيرا، لندرك أبعاد الضياع السياسي لقيادة منظمة التحرير، ووريثها في إدارة سلطة مبنى المقاطعة في رام الله.

لكن حتى ندرك حقيقة الأزمة الفلسطينية بكل أبعادها علينا في الوقت نفسه توظيف المصطلحات الدقيقة المناسبة لكل مقام.

أي تحرك داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1976 يحتاج إلى موافقة سلطات تل أبيب المسبقة، وحتى رئيس "السلطة " وكل مستخدميه يحتاجون إلى إذن مسبق قبل التحرك في المناطق المحتلة وخارجها، وهذا الأمر يسري أيضا على الدخول إلى قطاع غزة والخروج منه

فنحن عندما نتحدث عن سلطة مبنى المقاطعة في رام الله، والتي تصف نفسها بأنها السلطة الوطنية الفلسطينية، فإننا نعني ما نقول لأن سلطة تلك "اللاسلطة " لا تتجاوز مبنى المقاطعة.

فأي تحرك في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1976 يحتاج إلى موافقة سلطات تل أبيب المسبقة، وحتى رئيس "السلطة "، وكل مستخدميه يحتاج إلى إذن مسبق قبل التحرك في المناطق المحتلة وإلى خارجها، وهذا الأمر يسري أيضا على الدخول إلى قطاع غزة والخروج منه.

كل شيء خاضع لرقابة العدو الدقيقة، لذلك مخطئ من يتوهم أنه يزور "فلسطين " التي قزمها البعض إلى بضع عشرات من الجزر ذات الكثافة السكانية العالية لا تتجاوز مساحاتها مجتمعة بضعة أمتار ممزقة ومعزولة عن بعضها ومبعثرة هنا وهناك في غرب الشريعة أو نهر الأردن.

وعندما نشير إلى الكيان/الدولة، سمها ما شئت، بمفردات خشبية "كذا" بأنها عدو فلأنها كذلك.
الكيان الصهيوني قام على أنقاض شعبنا وأقام مكانه دولة عنصرية تنشر الكراهية والتفرقة ومعادية لكل ما هو سام، وهو سبب ابتعاد كثير من يهود العالم الأتقياء عن تلك الدولة ورفضهم تعريف أنفسهم بها حيث يرون فيها إساءة للقيم اليهودية الحقيقية من منظورهم الخاص.

وعندما نتمسك بالمصطلح "قيادة فلسطينية "، بإلغاء أداة التعريف، فإننا نعني ذلك حرفيا، لأنه ثمة قيادات فلسطينية كثيرة صوتها مقموع، لأن آراءها تتناقض تناقضا جوهريا مع ممارسات سلطة مبنى المقاطعة وآراء الممسكين بوسائل الإعلام/التضليل العربية والعالمية.

لقد آثرنا توضيح بعض الأمور بصريح الكلام حتى يفهم القارئ أسباب تمسكنا بمصطلحات، يدعي البعض أن الزمن تجاوزها، بينما نرى أنه يؤكدها يوما بعد يوم.

هذا كله يقودنا إلى مسألة المفاوضات الجديدة/القديمة التي تجريها قيادة مبنى المقاطعة في رام الله مع تل أبيب.

لا أحد يدري، باستثناء تل أبيب، أسباب استمرار هذه المفاوضات وإلى ما ستقود إليه، سوى المزيد من الاستسلام وقضم المزيد مما تبقى من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 والمزيد من المعتقلين والقتلى والمصابين والمعاقين والمهجرين والمهاجرين ومزيد من الإساءة إلى شعبنا.

لنعد قليلا إلى الوراء، قلنا إن مفاوضات "القيادة الفلسطينية" مع تل أبيب بدأت في مطلع السبعينيات، وإن من طرف واحد، ويمكن وصف ذلك بأنه غزل سياسي مارسته قيادة فتح تحديدا، شاركت فيه بقية التنظيمات الفلسطينية بدرجات متفاوتة من الحماس.

ذلك "الغزل" وصل إلى ذروته في قرارات المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في القاهرة عام 1974 الذي أقر ما سمي وقتها بالبرنامج المرحلي أو برنامج النقاط العشر "الساداتي"، والذي حوى الكثير من المفردات النارية، لكنه فتح الباب على مصراعيه للخضوع للمشروع الصهيوني وقبول اغتصاب فلسطين عندما أعلن "رفض المجلس قرار مجلس الأمن رقم 242 لأنه يتعامل مع قضية فلسطين بصفتها قضية لاجئين".

لقد غاب عن كثيرين أن المجلس العتيد، الذي لم يقدم خدمة واحدة للقضية الفلسطينية ولشعبنا الصامد، لم يرفض ذلك القرار الدولي الذي جاء نتيجة الهزيمة المدوية في عام 1967، لأنه يثبت "حق دول المنطقة في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها".

من حق الشعب الفلسطيني، أفرادا وجماعات، مساءلة من نصبوا أنفسهم ناطقين باسمه عما وصلت إليه سياساتهم العقيمة التي هدفت إلى إرضاء العدو وسحب أي ذريعة منه قد يستخدمها لإثبات أن فيه ذرة عداوة تجاهه.

إن ما قدمته قيادة المؤسسة السياسية الفلسطينية الرسمية من تنازلات أذهلت العدو قبل الصديق، ولم تعد بنفع على شعبنا، بل إنها ألحقت به المهانة تلو الأخرى، وأساءت إلى سمعة شعب مناضل لم يتوقف عن الدفاع عن حقوقه في وطنه منذ مائة وخمسين عاما.

لقد حولت تلك المؤسسة قسما صغيرا فعلا من شعبنا إلى جماعات تتسول معاشاها الشهري من صندوق النقد الدولي أو إلى مخبرين غير رسميين للغرب الاستعماري في ما يسمى المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وما إلى ذلك.

حولت المؤسسة الفلسطينية قسما صغيرا فعلا من شعبنا إلى جماعات تتسول معاشاها الشهري من صندوق النقد الدولي أو إلى مخبرين غير رسميين للغرب الاستعماري في ما يسمى المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وما إلى ذلك

أما الأصوات الشجاعة الكثيرة المناهضة لسياسات مقاطعة رام الله المعادية لكل ما هو فلسطيني فقد كتمت، وحتى كثير من القنوات التي تدعي أنها تتبنى قضية العرب الوطنية/القومية الأولى، تشارك في حملة صمت مدوٍ تقيد حركة القوى الوطنية والشريفة المعارضة، الفردية منها والجماعية، وأصواتها التي تفضح المخاطر الكبرى التي تلحق بمجتمعنا في كل أنحاء فلسطين.

إن القيادة، أي قيادة، مهما كانت هزيلة ملزمة بمخاطبة شعبها على نحو مستمر، وملزمة بأن تشرح له سياساتها والنجاحات والإخفاقات وأسبابها.

قيادة المؤسسة السياسية الفلسطينية في مبنى المقاطعة في رام الله لا تشعر بالحاجة إلى عمل ذلك ليس فقط لأنه ليس لديها ما تقوله نظرا لغياب أي إيجابيات ناتجة من تبعيتها الذيلية لواشنطن وتل أبيب، لكن أيضا لأنها لا تكن أي احترام للشعب الفلسطيني المناضل والمقهور.

سياسات التبعية الذيلية هذه أدت، ضمن أمور أخرى، إلى إلحاق الأذى الكبير بشعبنا ليس داخل فلسطين المحتلة فقط، وإنما في كثير من البلاد، حيث تعودت بعض الجهات الموتورة والجاهلة عن سبق عمد وترصد، على اتهام الشعب الفلسطيني بأنه باع بلاده، وهو تكرار للدعاية الصهيونية التي نشرها مع حكام أنظمة سايكس بيكو في بلاد العرب بعد نجاحه في اغتصاب فلسطين عام 1948، وعشنا تبعاتها منذ الطفولة.

النضال الفلسطيني المسلح في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، على علاته، أعاد الكرامة والاعتبار لشعبنا المظلوم، واللذين أضاعتهما أنظمة سايكس بيكو وحلف بغداد وحلف السنتو وغيرها من المؤامرات.

أما سياسات سلطة مبنى المقاطعة في رام الله، التي تتلخص في مفردة التبعية العمياء لإملاء العدو الاستعماري، فلم تجلب سوى المهانة لشعبنا في بعض مهاجره.

ونود هنا توجيه كلمة إلى القيادة المصرية الجديدة حيث تتكاثر الهجمات الإعلامية الظالمة المبرمجة على شعبنا بسبب مشاركة هذا أو ذاك من "الفلسطينيين" في قتال نظام 30 يونيو/حزيران الماضي، أو سمه ما شئت.

فمع علمنا بأن بعض الحملات تشنها صحافة صفراء موتورة ومشبوهة تابعة لفلول نظامي كامب ديفيد اللذين أوصلا مصر إلى ما هي عليه من وضع يدمي قلب كل عربي، فمن غير المقبول قراءة بيان رسمي من وزارة الداخلية المصرية أو غيرها من المؤسسات المصرية الرسمية، يتضمن وبهذه الصيغة خبر إلقاء القبض أو قتل، أو غيرها "مسلحا مصريا من أصل فلسطيني، اعتدى على...".

إن خبرا بهذه الصياغة يعد تحريضا غير مقبول من سلطة يقول كثير من قادتها إنها ستكون وريثة خالد الذكر، فالرئيس الراحل جمال عبد الناصر القائد القومي بامتياز، ما كان ليسمح بالإساءة إلى أي عربي.

النضال الفلسطيني المسلح في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أعاد الكرامة والاعتبار لشعبنا المظلوم، أما سياسات سلطة مبنى المقاطعة في رام الله، التي تتلخص في مفردة التبعية العمياء لإملاء العدو الاستعماري، فلم تجلب له سوى المهانة

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نقول كفى، لمن يصوغ تلك الأخبار التي تبحث في تفاصيل الخريطة الجينية لشخص ما لتأكيد فلسطينيته.

نقول هذا لأننا لم نقرأ أي خبر من أي جهة رسمية مصرية تعلن خبرا مماثلا عن مسلح مصري من أصل (كذا)، من أي من الدولة العربية المؤيدة للنظام الجديد طبعا لغرض في نفس يعقوب.

نحن نعلم أن ثمة الكثير منهم في المعتقلات، لكن إخفاء هذه المعلومات وإعلان فقط ما يتعلق بالفلسطينيين أمر يدعو للاستنكار الشديد ووجب على السلطة في القاهرة وقفه فورا ومن دون أي تلكؤ، ومعاقبة المسؤولين عن إشاعة كراهية الفلسطينيين ورهابهم، لأن عليها في حال عدم وقف الحملات تلك تحمل مسؤولية أي قطرة دم فلسطينية بريئة تسال في مصر الحبيبة هي وشعبها إلى قلوب كل العرب.

كلمة ما بعد الأخيرة لقيادة مبنى المقاطعة في رام الله، أخرجوا من مكاتبكم ومن سياراتكم المصفحة ذوات النوافذ المظللة وانظروا حولكم، في غير القنوات التي لا عمل لها سوى التغني بهذا أو ذاك من الطغاة والمستبدين والخونة العرب، سترون مدى مأساة الشعب الفلسطيني الحالية التي شاركتم أنتم عن وعي في صناعتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك