بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية



مع تتابع التوترات في العلاقات المصرية الأميركية وتعاظم هوة عدم الثقة بين طرفيها تدريجيا، منذ اندلاع الحراك الثوري الشعبي المصري في يناير/كانون الثاني من العام 2011، وصولا إلى ملابسات وتداعيات الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في الثالث من يوليو/تموز الماضي، احتدم الجدل في مصر بشأن إمكانية استعاضة القاهرة لصداقتها المنهكة مع واشنطن بأخرى بديلة مع موسكو.


والحال أن موسكو بدأت مؤخرا تبحث بدورها عن شركاء إستراتيجيين جدد في منطقة الشرق الأوسط، بعد ضمور علاقاتها مع أصدقائها التقليديين في ليبيا والعراق وسوريا، وشروع واشنطن في نقل مركز الثقل لإستراتيجيتها حيال المنطقة تدريجيا من الخليج والمشرق العربيين إلى وسط آسيا وشرقها.

ولقد حفلت الأسابيع القليلة المنقضية التي تلت إعلان واشنطن تعليق جانب من المساعدات العسكرية السنوية لمصر، بمساع ملفتة من الجانبين المصري والروسي بغية إعادة الزخم للعلاقات الإستراتيجية التاريخية بين البلدين.

وما بين زيارة مدير الاستخبارات العسكرية الروسي للقاهرة ومن بعده وزيرا الدفاع والخارجية سيرغي شويجو وسيرغي لافروف، على رأس وفد يضم عددا من المسؤولين الروس، بينهم النائب الأول لرئيس هيئة التعاون العسكري الفني أندريه بويتسوف، والمسؤولون بشركة تصدير الأسلحة الروسية "روس أوبورون اكسبورت" التي تحتكر ما نسبته 90% من صادرات السلاح الروسية، حيث يجتمع الوزيران الروسيان مع نظيريهما المصريين لأول مرة في لقاء رباعي، منتصف الشهر الحالي بالقاهرة، سرت شائعات عن زيارة مهمة مرتقبة للرئيس الروسي بوتين إلى القاهرة، أشيع أنها لن تخلو من إبرام صفقات تسلح ضخمة.

أول الأخطاء المتعلقة بحسابات التقارب المصري الروسي هي الاعتقاد بأفول زمن العلاقات الخاصة بين القاهرة وواشنطن، بما يستوجب البحث عن شريك أو حليف أو صديق دولي بديل عساه يكون أشد قربا للقاهرة وأكثر إفادة لها من ذلك الأميركي الذى كان

غير أن الحسابات المتعلقة بالتقارب المصري الروسي، الذى تمهد الأجواء له هذه الأيام، والتي واكبتها تطلعات شعبية ورسمية مصرية عاطفية، بلغت مبلغ التفكير في إمكانية تحول روسيا إلى حليف إستراتيجي لمصر كبديل عن الولايات المتحدة، قد وقعت في إسار أخطاء سبعة.

أولها: الاعتقاد في أفول زمن العلاقات الخاصة بين القاهرة وواشنطن بما يستوجب البحث عن شريك أو حليف أو صديق دولي بديل عساه يكون أشد قربا للقاهرة وأكثر إفادة لها من ذلك الأميركي الذى كان.
فلم تكن التوترات المرحلية التي تجتاح العلاقات المصرية الأميركية بين الفينة والأخرى لتحول دون استمرار المساعي الحثيثة لطرفيها من أجل استبقاء الشراكة الإستراتيجية الراسخة والمزمنة بين البلدين.

 
جليا بدا هذا الأمر في صور شتى أبرزها:
هرولة واشنطن لتدارك الموقف واسترضاء القاهرة عقب تجميد شطر من المساعدات العسكرية السنوية الأميركية إليها عبر إلحاح البنتاجون والبيت الأبيض في مطالبة الكونجرس بالتراجع عن قرار تجميد قسط من المساعدات الأميركية للقاهرة، حتى لا تتفاقم الفجوة بين القاهرة وواشنطن بما يمهد السبيل لتقارب إستراتيجي بين مصر وروسيا، أو من خلال زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري الأخيرة لمصر مؤخرا، وتأكيده على عمق العلاقات وأهمية مصر للولايات المتحدة، وإبدائه استعداد بلاده استئناف كافة المساعدات لمصر غير منقوصة بعد استكمال خارطة المستقبل التي أعلنها الجيش عقب الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي.

كما اتضح كذلك في تأكيد القاهرة حرصها على العلاقات مع واشنطن وتشديدها على أن التقارب مع موسكو أو أي طرف دولي آخر لن يكون على حساب العلاقات مع واشنطن أو بديلا عنها، إضافة إلى استعانة الإدارة الانتقالية في مصر بشركة أميركية تعمل في مجال التأثير على الإدارة والكونغرس والرأي العام في الولايات المتحدة، بغية تحسين صورة الحكومة الانتقالية المصرية وزيادة أسهمها لديهم.

ولا أحسب أن بمقدور واشنطن وتل أبيب غض الطرف عن أي تقارب مصري روسي يتطور إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية أو التعاون العسكري.

وثانيها: الظن بأن موسكو تتحين الفرص لاحتلال موقع واشنطن لدى مصر، فقد يحتاج الادعاء بأن روسيا شغوفة بالتقارب مع مصر، وتواقة إلى أن تحل محل الولايات المتحدة في العلاقة معها إلى مراجعة، لأن روسيا لها حساباتها الإستراتيجية الخاصة، وتعي جيدا مدى خصوصية العلاقات المصرية الأميركية مهما ألم بها من منعطفات عارضة.

هذا علاوة على أن هناك تفاهمات بين موسكو وواشنطن تنظم العلاقات بين البلدين، وتضبط إيقاع مساعي كل طرف لتعزيز علاقاته مع أي من الدول المحورية حول العالم، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، ولا تبدو موسكو مستعدة أو حتى راغبة بالدخول في مصادمات أو توترات إضافية مع واشنطن جراء مصر أو سواها.

وثالثها: التصور الخاطئ بأن روسيا ربما تكون بدعا من القوى العالمية الكبرى، بحيث تكون أكثر تحررا من النفوذ الصهيوني الإسرائيلي بأروقة صنع القرار داخلها، أو أن تسلك نهجا أكثر إنسانية ومثالية من أميركا، فلا ترمى إلى التدخل في الشأن المصري أو ممارسة الضغوط أو المشروطية السياسية أو الابتزاز السياسي والإستراتيجى على صناع القرار المصريين لتحقيق مآرب إستراتيجية روسية.

وإلا فبماذا نفسر المساعي الإسرائيلية الرامية إلى عرقلة أي تعاون عسكري عالي المستوى بين موسكو وعواصم عربية وإسلامية عديدة من بينها القاهرة، كما تتطاير التقارير والأقاويل بشأن طلب موسكو إقامة قواعد عسكرية تابعة لها في بقاع مصرية!

من الأخطاء أيضا التغافل عما يجول بخواطر الروس وصورتهم الذهنية حيال مصر، إذ تشى مؤشرات عديدة بأن موسكو لم تبرأ بعد من أعراض عقدة إستراتيجية التحالف الوظيفي والظرفي التي ما برحت تنتهجها القاهرة حيالها

ورابعها: التغافل عما يجول بخواطر الروس وصورتهم الذهنية حيال مصر، إذ تشى مؤشرات عديدة بأن موسكو لم تبرأ بعد من أعراض عقدة إستراتيجية التحالف الوظيفي والظرفي التي ما برحت تنتهجها القاهرة حيالها.

فرغم ما تعتبره دوائر روسية وقفات إستراتيجية تاريخية سخية مع مصر، كمساندتها إياها على كسر حظر تصدير السلاح الغربي إليها بعد ثورة يوليو/تموز1952 من خلال صفقة الأسلحة التشيكية في العام 1955، ثم إسهامها في وقف العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 من خلال الإنذار الذى وجهته للثالوث المعتدي بالتنسيق مع واشنطن، ومن بعد ذلك مساعدة مصر في بناء السد العالي بالتزامن مع دعم صمود الجيش المصري إبان حرب الاستنزاف، التي فقدت فيها روسيا 128 طيارا مقاتلا بطائراتهم، لم يتورع الرئيس الراحل أنور السادات عن إلغاء معاهدة الصداقة بين البلدين عام 1972، وطرد قرابة عشرين ألف خبير روسي، باستثناء المحاضرين بالأكاديميات والكليات والمعاهد العسكرية.

بيد أن هذا التصعيد المصري لم يمنع موسكو من تزويد مصر بما يرتأى الروس أنه كان أحدث ما في ترسانة بلادهم من أسلحة خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، ثم ما كان من السادات مجددا إلا أن تنكر لذلك موليا وجهه شطر واشنطن ومعطيا ظهره لموسكو.

ومن ثم يعتقد الروس بأن التوجه المصري صوب بلادهم غالبا ما يكون ظرفيا واضطراريا بعد أن توصد في وجه المصريين الأبواب الغربية، ثم لا يلبثون أن يتنكروا للروس ويعودوا إلى رحاب الغرب بمجرد تلويحه لهم بعد زوال العقبات وصفاء الأجواء.

وهو ما يراه مراقبون روس حاصلا هذه الأيام، حيث لم يفكر المصريون في التقارب الإستراتيجى مع روسيا واستحضار إرث الماضي وذكرياته، إلا بعد تنامى التوتر بين القاهرة وواشنطن منذ انفجار الحراك الثوري المصري وتجميد الأخيرة لجزء من المساعدات العسكرية للقاهرة.

وخامسها: الاستخفاف بعقلية الروس، فرغم أن التعاون العسكري بين مصر وروسيا لم ينقطع تماما بموجب اتفاقيات ثنائية مبرمة ومعلنة ومازالت سارية بين البلدين تخص بالأساس منظومة الدفاع الجوي، ورغم إدراك موسكو لحاجة مصر الملحة إلى تنويع مصادر التسليح على غرار ما فعلت الهند مؤخرا بجمعها بين السلاحين الروسي والأميركي، فإن روسيا تعي جيدا أن مصر تتبنى حاليا سياسات خارجية، هي إلى ردود الفعل أقرب منها إلى السمت المتعارف عليه للسياسة الخارجية المستقرة.

ذلك أن المرحلة الانتقالية وارتباك الوضع الداخلي وعدم انتقال مصر من الثورة إلى الدولة لا يجعل الأجواء مواتية لصنع سياسة خارجية نمطية واضحة المعالم.

ولذا تتعاطى موسكو مع الإقبال المصري عليها بحذر بالغ، مخافة أن يكون مجرد ردة فعل آنية انفعالية على الحماقة الأميركية بتجميد جانب من المساعدات العسكرية الأميركية لمصر، فضلا عن مراوغة واشنطن فيما يتصل بالموقف مما شهدته مصر يوم الثالث من يوليو/تموز الماضى.

وبناء عليه، حرص السفير الروسي بالقاهرة، سيرغي كيربيتشينكو، على ألا يعلى من سقف توقعات المصريين بشأن التعاون المأمول بين بلاده ومصر، إذ بادر بنفي ما تردد حول الزيارة المرتقبة للرئيس فلاديمير بوتين للقاهرة، والتي توقع البعض أن تتمخض عن إبرام صفقة تسلح نوعية كبرى مع المصريين.

وسادسها: تجاهل متلازمة "المشروع غير المكتمل أو "التحرك المنقوص" عند المصريين، والتى تلقى بظلالها على المساعي المصرية للتقارب مع روسيا.

فرغم تعاظم أهمية الدبلوماسية الشعبية عالميا كمسار مواز في العلاقات الدولية، لم يكن وفد الدبلوماسية الشعبية المصري الذى زار موسكو مؤخرا ليعطي هذه المساعي المصرية دفعة إيجابية للأمام في هذا الصدد، ليس فقط بسبب تركيزه على الاستعراض الإعلامي والمقاربة السطحية لبعض القضايا على حساب الحوار الإستراتيجي الجاد، وإنما أيضا بجريرة تشكيلته التي لم ترق لمستوى الحدث أو تتوافق مع الغرض من الزيارة، هذا فضلا عن سمته الاختزالي والانتقائي المناهض للحس الوطني، على نحو ما تجلى في تقديم نفسه للروس كممثل لثورة 30 يونيو.

ما ذكر من تحديات وتساؤلات يجب ألا يمنع مصر من ممارسة حقها الطبيعي في السعي بدأب إلى تنويع مصادر تسليح جيشها، وأن تحتفظ بعلاقات أوثق ومصالح أعمق مع مختلف القوى الصاعدة والمؤثرة، ولا يشترط أن يأتي التقارب مع أي طرف على حساب العلاقة مع طرف آخر
وهو الأمر الذي سلط الضوء على حالة التشرذم والاستقطاب التي تعصف بالمجتمع المصري هذه الأيام، إلى حد قد يفضى إلى إضعاف الموقف التفاوضي للقاهرة أمام الشريك الروسي المحتمل.

أما سابعها: فتمثلت في التعامي الفج عن ثوابت السياسة الخارجية الروسية حيال المنطقة، ومواقف موسكو المثيرة للقلق إزاء قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

فرغم دعم موسكو لخارطة الطريق المصرية، لا يزال غموض هائل يلف المواقف الروسية من الثورات العربية في ضوء دعم الكريملين الفج للجرائم غير الإنسانية التي يقترفها النظام الأسدي في حق شعبه، وسعى موسكو لطمس وتمييع القضية السورية، واستبقاء الأسد توخيا لتحقيق مغانم إستراتيجية عبر عقد صفقات مع واشنطن وطهران تحت مظلة اتفاق الكيميائى السوري ومؤتمر جنيف-2.

وعلاوة على ما سبق، تطل برأسها تساؤلات غاية في الأهمية بشأن جدوى التحول المصري شرقا نحو روسيا فيما يتعلق بتحقيق التعدد في العلاقات الإستراتيجية مع القوى الكبرى وتنويع مصادر تسليح الجيش المصرى، من قبيل: ماذا يمكن لموسكو أن تقدم للقاهرة تقنيا وتكنولوجيا مقارنة بما كان يتأتى من واشنطن، في ظل الخبرة المريرة للمصريين مع الاتحاد السوفياتي السابق إبان حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، والتي انبلجت ليس فقط من تعمد السوفييت إبقاء مصر خطوات خلف إسرائيل من الناحية العسكرية، بموجب تفاهمات سوفيتية أميركية إسرائيلية مثلما تفعل واشنطن هذه الأيام، ولكن لأن مستوى التسليح السوفيتي بطبيعته، ورغم ما شهده من تطور، يظل متأخرا عدة خطوات عن نظيره الأميركي، وهو ما يفاقم من فجوة التسليح بين مصر وإسرائيل لمصلحة الأخيرة بدلا من تقويضها.

هل سيكون من السهل على القوات المسلحة المصرية استبدال منظومة التسليح الروسي بأخرى أميركية، واستيعاب أفرادها لذلك البديل الجديد تكنولوجيا وعمليا بسرعة ويسر، أم أن الأمر يتطلب تغييرات إستراتيجية مهمة كالتسليح والتدريب وقطع الغيار وقواعد الاشتباك والعقيدة العسكرية وغيرها، وهو الأمر الذى يستغرق سنوات من العناء.

هل سيكون في وسع الإدارة المصرية الحالية تحمل التداعيات المتوقعة لقرار جريء على شاكلة التحول شرقا ومواجهة عواصف الغضب الأميركي والإسرائيلي العاتية، في ظل الظروف الصعبة والاستثنائية التي تحيط بالمصريين وبالمنطقة ككل هذه الأيام؟

غير أن ما ذكر آنفا من تحديات وتساؤلات يجب ألا يمنع مصر من ممارسة حقها الطبيعي في السعي بدأب إلى تنويع مصادر تسليح جيشها، وأن تحتفظ بعلاقات أوثق ومصالح أعمق مع مختلف القوى الدولية والإقليمية الصاعدة والمؤثرة في عالم اليوم، ولا يشترط أن يأتي التقارب مع هذا الطرف أو ذاك على حساب العلاقة مع طرف آخر.

المصدر : الجزيرة

التعليقات