توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية



في بداية ثورات الربيع العربي، غلب على خطاب الأنظمة العربية الزعم بأن الأوضاع في بلدانهم لا تشبه لا من قريب ولا من بعيد الأوضاع في دول سبقت لذلك الربيع أو أثمر ربيعها تأزيما للصدام أو تغييرا للنظام.


وعندما دخلت اليمن على حل بدا أقرب لتدوير النظام من إسقاطه, ثم حين تعذر إسقاط النظام السوري وأصبح الحل السياسي عنوان المشهد فيما الحسم العسكري على الأرض منته, باتت تلك الأنظمة تعتبر أن فرصها تصاعدت متجاوزة التدوير للثبات بل و"التأبيد" بما يتيح لها خيار العودة لنقطة الصفر.

ومع تلك العودة التلويح للشعوب بمصير كمصير الشعب السوري اللاجئ أو العالق في القتال داخل سوريا, أي بتلويحها بالخيار الأمني والحسم العسكري حتى حيث الثورات سلمية.

وبالمقابل الشعوب العربية التي كانت ترى المشترك بينها في كون محرك تلك الثورات الرئيس هو ذات متلازمة غياب الديمقراطية والفساد, ولكن بفهم الاستحقاقات كتغير تاريخي أعمق كالذي التقطه الغرب مذكرا إياه بربيع الشعوب الأوروبية (والأوروبيون هم من أطلق تسمية الربيع العربي).

تلك الشعوب كانت تعي الجوامع العربية والفروق الخاصة بكل قطر وتعي حدودها بما لا يجعل مسار أو محطة أو زمن وأيضا كيفية، وصول كل ثورة أو انتفاضة لنهايتها نسخا كربونية.
ولكن في لحظة الذروة في المشهد السوري الذي غطى على كل مشهد آخر, بدا أن الشعوب العربية الأخرى توقفت لمراجعة.

حين تعذر إسقاط النظام السوري وأصبح الحل السياسي عنوان المشهد فيما الحسم العسكري على الأرض منته, باتت تلك الأنظمة تعتبر أن فرصها تصاعدت متجاوزة التدوير للثبات بل و"التأبيد" بما يتيح لها خيار العودة لنقطة الصفر
وقفة المراجعة استحقاق لا يرتبط بالضرورة بتطابق أو شديد شبه بالحالة السورية, ولكن يفرضها حتما التلويح باستنساخ تلك الحالة, في حين أن الحالة الأصل ليست نمطية بل تشعبت بما فاق توقعات الأطراف المشاركة والفاعلة، حتى من توقع النتيجة لم يتوقع المسار والكيفية, وهما تحديدا ما تجمع القوى الدولية التي ضغطت الفرامل لتجنب تكراره.

ولم يبق خارج فهم تلك الضرورة سوى المنتشين بظن أن ما جرى في سوريا يمثل غطاء دوليا للقبضة الأمنية, وليس تجنبا دوليا لامتداد حل "الحسم العسكري", وليس فقط "التطرف الإسلامي" (الأخير فهمته القاعدة ومن هنا تصريحات الظواهري بشأن داعش "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وغيرها), خارج سوريا للإقليم.

ما جرى في سوريا حالة استثنائية تقاطعت فيها مصالح إقليمية ودولية عديدة وشائكة, بعضها قديم مخبأ ومعد له وبعضها كان في طور إعادة التعريف في ضوء المستجدات المتمركزة في إقليمنا العربي, والتي يعتبر الربيع العربي مكونها الرئيس, مما يلزم النظام السوري بالتعامل معه بعقلانية بعد أن تضع "الحرب غير المقدسة" أوزارها.

ولكن بما أننا نقر بأن حالة الربيع هذه تتأتى كحتمية تاريخية, فهذا يفتح إمكانية المقارنة أو التشبيه بالنظر لتاريخ دول الربيع العربي وجغرافيتها وديمغرافيتها واقتصادها, التي أوصلت كلا منهم لحاله الراهن.

وحتما لا تتسع مقالة لدراسة كل قطر أو حتى لإيفاء كل مجموعة أقطار حقها من البحث، ولكن يمكن الشروع في بيان أنماط متشابهة ولكنها حتما ليست متطابقة, وبيان بعض الشبه بين المختلفين والذي يتراكب في مساحات بعينها.

وتميز أهم أوجه الشبه والاختلاف ولو بعمومياته, يتيح استشرافا تقريبيا للممكن والمرجح والمستحيل في مسارات الربيع العربي.

النموذج الأول تقع ضمنه دولتان هما مصر وتونس. فكلاهما جمهورية خرجت من الملكية ومن الحالة الإقطاعية ومن الاستعمار الغربي في منتصف القرن الماضي, نتيجة ثورة تحرير شاركت فيها النخب المثقفة (وحتى الإقطاعية) لتقود الشعب في ثورة تحرير جاءت متدرجة, بما يدل على دبلوماسية وحصافة قياداتها التي صمدت في وجه اتهامات التخوين.

فعبد الناصر والحبيب بورقيبة كلاهما قبل بفترة انتقالية للتحرر التام تختصر زمن إنجازه، وكلاهما حمل برنامجا تحريريا للإنسان من ربقة عوامل سابقة أنتجت غياب المساواة وعطلت قدرات كامنة لقطاعات شعبية واسعة, وشرعا من فورهما في تطبيق برامج خدمية وتعليمية ومعيشية غطت الكثير من الفروق السابقة، والأهم أنها سدت أغلب منابعها, وأطلقت الكفاءات المعطلة بما قوّى الطبقة العاملة وأوجد طبقة وسطى واسعة متمكنة شكلت رافعة للمجتمع المدني الذي حمل لاحقا أول ثورتين ناجحتين للربيع العربي.

والنقلة التي حققها الرجلان تزاوجت مع أثر الغرب وتيارات النهضة التي كانت فاعلة من قبل في مدن القطرين الرئيسة وبين مثقفيها, لتطوير حالة "كوزموبوليتانية" (عالمية) تجسّر للدور الإقليمي والدولي لبلديهما وتعززه.

وإذا كان دور مصر أقوى تاريخيا في المشرق العربي بخاصة, فإن تونس ظهرت أيضا كحالة متقدمة على محيطها المغاربي.

ولكن لأن كلا القيادتين الثوريتين ارتأتا عدم الأخذ بالديمقراطية خشية إعاقتها لبرنامجهما الضخم حقيقة, فقد سهل أن يسقط ما أصبح صرحا كبيرا, "صيدا كبيرا" في أيدي من هم أصغر بكثير من أن يحملوه، كالسادات ومبارك وبن علي.

إلا أن ما أنجزته القيادتان من تكريس لمنظومة الحقوق المتساوية ومنظومة نزاهة ورافعة شعبية مؤهلة ومجتمع مدني حديث ومساحة حرية واسعة للثقافة والفنون, هو ما أنجح ثورة الربيع في كليهما حتى في غياب الأحزاب, ولكن ببدائلها تجلت بشكل رئيس في تنظيمات عمالية فاعلة.

ما بقي من إرث عبد الناصر وبورقيبة (رغم أن الأول متدين والثاني علماني) هو ما عاد لينقذ ثورة البلدين من أن تصادرها قوى اليمين الإسلامي في ردة عن منجزات الثورتين تتغطى بغطاء الدين, وهو ما يكمل مسار ربيعي البلدين بما يقارب التطابق
وما بقي من إرث عبد الناصر وبورقيبة (رغم أن الأول متدين والثاني علماني) هو ما عاد لينقذ ثورة القطرين من أن تصادرها قوى اليمين الإسلامي في ردة عن منجزات الثورتين تتغطى بغطاء الدين, وهو ما يكمل مسار ربيعي القطرين بما يقارب التطابق.

والفارق الأبرز بينهما هو في دور الجيش الذي تقدمه للواجهة في مصر تاريخي ومستمر لكون مصر دولة مواجهة تجاور الكيان الإسرائيلي, بل وأرضها في سيناء لم تحرر بعد حقيقة, ولم يزل عن مصر خطر تكرار العدوان عليها, ناهيك عن كون أية حرب تكون إسرائيل طرفا فيها تمثل تهديدا للأمن القومي المصري.

ولافت أن حال جوار تونس المغاربي (ليبيا والجزائر) مختلف تماما عن تونس. ونتوقف عند ليبيا لقصة ربيعها. فعلى الرغم من أن ساحل ليبيا المتوسطي هو الأطول بين كل دول الشمال الأفريقي العربية, لم تصبح أي من مدن الساحل الليبي كوزموبوليتانية رغم تاريخ التواصل العريق مع أوروبا، بل ولم تقم سياحة تذكر لها رغم تاريخها, بل بقيت أقرب لبلدات تشكل امتدادا لبيئة عشائرية منذ عهد الملكية. وليبيا لم تصبح جمهورية نتيجة الثورة.

فقائد ثورتها ما لبث أن تحول "لملك" (توج ملكا اسميا ملكا لأفريقيا) وتحول الضابط الثائر الذي كان يقتدي بعبد الناصر عن النظريات الثورية وعن كل ما تثقف عليه وهو شاب ليعيش, وأسرته, حياة ملوك عفى عليهم الزمن. وفي هذا الإطار كرس قسمة عشائرية بين سكان محدودي العدد يستوطنون أرضا شاسعة.

وعلى خصوصية الحالة الليبية في العالم كله لجهة حكم القذافي المزاجي والذي تفاقم بتغييب ما يمكن أن يعقلنه من رأي آخر, تظل السعودية الأكثر شبها بليبيا من حيث قلة السكان مقارنة بمساحة البلد وبالتالي تباين سمات العشائر الموزعة فيه, وبتحولها لنظام "ملكي" واعتمادها ريع النفط كمصدر دخل رئيسي ويكاد يكون أوحد لولا أهمية الحج, وهي أهمية أصبحت سياسية أكثر منها اقتصادية.

ومع أن الشبه ظرفي في معظم أوجهه, قد يكون هو ما جعل القذافي يناكف حكام السعودية تحديدا وبصور تخرجه عن اللياقة الدبلوماسية في مؤتمرات القمة، وقد يكون سعيه لتسمية نفسه "ملكا" غير مكتف بلقب "قائد الثورة" وبما يتناقض مع لقبه الثوري ذاك, من باب مزاحمة السعودية على أدوار في المحيط العربي متقاربة كونها تتحقق من المال النفطي.

ولا نعرف ما يكفي عن الجيش الليبي (الذي خرج القذافي ثائرا من بين صفوفه وقاد انقلابا مستلهما ثورة الضباط الأحرار في مصر) سوى أنه ينتظم مجندين من كل تلك القبائل، وقد انفصل أهم هؤلاء عنه, مع قادة أمنيين آخرين, لحظة اندلاع الثورة.

وحتما كان القذافي قد شعر باتساع الهوة بينه وبين الجيش الذي أتي منه, بدليل توظيفه لمرتزقة في القطاعات العسكرية والأمنية التي تقوم على حراسته وعائلته. وممارسات هؤلاء المرتزقة, سواء أمر بها القذافي أو بعض رجاله أو جرت لطبيعة المرتزقة, هي ما انقلبت وبالا على القذافي وحتمت نهايته الدموية ونهاية أبنائه التي لا تقل سوءا بكثير، أقله مقارنة بنهاية مبارك التي روعي فيها أنه جاء من مؤسسة الجيش تحديدا, رغم تنكر مبارك لبعض منجزات الجيش وثوابته الوطنية.

وأكثر ما أثر سلبا على التعامل مع مبارك بعد إسقاطه تعامله هو مع قائد بحجم سعد الدين الشاذلي(حسب نخب مصرية خاطبتني إثر حديث إعلامي رثيت فيه الشاذلي). وكل هذا يبين أن لمؤسسة الجيش في العالم العربي دورا محوريا صلبا في الشأن الوطني, ومنه حتما شأن الربيع العربي.

وتشارك مصر في أهمية دور الجيش في منظومة أمنه الداخلي والخارجي, كل من سوريا والأردن كونها أيضا تجاور إسرائيل.

أما في لبنان, فالاختراق الإسرائيلي لبعض ساسته أدى لأن يؤول ذلك الدور لحزب الله بما يحتم تعاونا "مصيريا" مع الجيش السوري يجعل الاعتراضات عليه غير واقعية, ويجعل أي شك بإمكانية خذلان إيران لسوريا غير واقعي أيضا, سياسيا وليس طائفيا.

وفي السياسة, وبخاصة حين تصل الأمور لاحتراب داخلي أو حرب خارجية, لا مجال لاعتراضات كهذه غير واقعية مهما جرى التفنن في إعادة تسميتها.

يشكل أبناء العشائر الشرق أردنية الغالبية الساحقة من منتسبي الجيش والأجهزة الأمنية, وهم أيضا غالبية أعضاء الحكومات -وزراء الداخلية تحديدا- ويأتون للموقع ممثلين لعشائرهم لحد كبير
وإضافة لإشراك القذافي لنفسه مع الملكيات العربية ملكا لأفريقيا, فإن الأردن يشبه ليبيا والسعودية من حيث كونه بلدا عشائريا، ولكن بفارق كبير عززه أمران:

الأول كون مساحة الأردن صغيرة جدا مقارنة بليبيا والسعودية فيما سكانه مساوون لسكان ليبيا تقريبا.

والثاني: أنه رغم عمر الدولة القصير تاريخيا, فإن عمان تطورت كمدينة "كوزموبوليتانية" (عالمية أو متنوعة) منذ نشأتها كبلدة شركسية استقطبت نخبا من فلسطين وسوريا ولبنان ومن معظم أنحاء العالم العربي ونخبا من الداخل, فشكلت بوتقة صهر لكل العشائر الأردنية مع أصول عربية عديدة، ومع اللاجئين الفلسطينيين إضافة لمؤسسيها الشراكسة الذين نشطوا سياسيا في بداية قيام الدولة.
 
كل هؤلاء جمعتهم صلات نسب قريبة جدا لقلة تعداد السكان, والآن الكل قريب أو نسيب أو يعرف الكل في النهاية.

وامتحان الربيع الأردني أثبت توحد الشعب الأردني في طلب الدولة الديمقراطية الحديثة رغم جهود من حاولوا تفريقه.

وحتى أحداث سبتمبر/أيلول1970 -والتي تشكل نموذجا "ستيريوتايب" (نمطيا) غير واقعي في قراءة الخارطة الشعبية الأردنية- خضعت لقراءات جديدة على يد شبان أردنيين من أصحاب التعليم والثقافة العالية تتاح لهم الوثائق.

ويشكل أبناء العشائر الشرق أردنية الغالبية الساحقة من منتسبي الجيش والأجهزة الأمنية, وهم أيضا غالبية أعضاء الحكومات -وزراء الداخلية تحديدا- ويأتون للموقع ممثلين لعشائرهم لحد كبير.

أي إنه باستثناء العائلة المالكة الآتية من الحجاز (وهذا فارق رئيس عن بقية الدول العربية), هم جميع من في الحكم، أقله من هم في موقع القرار الأمني, بما يُلزم إن جدّ الجد, بفرملة ذاتية لأي عنف في مواجهة الشعب أيّا كانت مطالبه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك