سامي كمال الدين

سامي كمال الدين



مد يده ولطمها بالقلم فتمنت من الله أن يشل يده. هذا الشاب الذي مد يده أمام الكاميرا بإشارة رابعة، ثم ضرب ستينية بالقلم لأنها ضربته على يده.


لم يكن في الفيديو الذي نشرته إحدى الصحف المصرية ما يثير الريبة، لكن كان المذهل هذا الترتيب العجائبي بين مختلف الفضائيات والصحف المصرية لتناول الفيديو وإفراد البرامج الحوارية في مصر له، واستضافة المعلقين والمحللين لتبيان كيف أن الإخوان والمتظاهرين الذين ينزلون إلى الشوارع ليسوا إرهابيين فقط، لكنهم افتقدوا إلى الأدب والإنسانية في التعامل مع أمهاتنا المسنات؟

بعد بضع ساعات يظهر فيديو جديد يعرفنا عن هذه الستينية لنكتشف استخدامها في تزييف وعي الناس، فها هي تهتف أمام سجن طرة حاملة صورة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، مطالبة بسجنها معه لأنها لا تطيق له فراقا، ولأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة وبطل الضربة الجوية، مع وصلة من الندب، والندابة في صعيد مصر هي المرأة التي يتم تأجيرها في المآتم، أو التي تأتي مجاملة لأهل المتوفى دون تأجير، حيث تحفظ عشرات الجمل التي تذكر مناقب المتوفى وصفاته الحسنة.

فيديو آخر يظهر نفس السيدة وهي تقف أمام الاتحادية أثناء المظاهرات ضد مرسي، وتهتف بجمل متناغمة وموزونة يتضح لأي عاقل أنها كتبت مسبقا "ابن سنية عاملها تكية جاي من السجن على التكية"، "ارحل ارحل يا ابن الجزمة قالوا وجودك عامل أزمة"، "عايز سكر عايز زيت روح للمرشد عند البيت"، " مرسي يا موكوس يا ابن العبيطة " وفاصل متواصل من "الردح" والشتائم عند الاتحادية وعند مبارك في السجن.

لم يكن هذا الفيديو هو الأول منذ انقلاب 30 يونيو/حزيران الماضي الذي يلعب عليه الإعلام لتشويه سمعة الناس وحرقهم سياسيا، كان الفيديو الأشهر الذي جعل أغلب الشعب المصري "يكمل" انقلابه على الإخوان فيديو الإرهابي الذي يلقي بالأطفال من فوق خزان مياه من أعلى سطح عمارة بالإسكندرية

لم تلق وزارة الداخلية القبض على الشاب الذي صفعها، لأن السيدة لم تتقدم بالأساس ببلاغ ضد هذا الشاب، فقد تمت تأدية المهمة، ونجحت أسلحة الخداع الشامل في استخدام الفيديو.

لم يكن هذا الفيديو هو الأول منذ انقلاب 30 يونيو/حزيران الماضي الذي يلعب عليه الإعلام لتشويه سمعة الناس وحرقهم سياسيا، كان الفيديو الأشهر الذي جعل أغلب الشعب المصري "يكمل" انقلابه على الإخوان فيديو الإرهابي الذي يلقي بالأطفال من فوق خزان مياه من أعلى سطح عمارة بالإسكندرية، بعد الحادث بساعات ألقي القبض عليه -تأمل سرعة الداخلية في القبض على المتهمين- حليق اللحية ليعترف بأن الأطفال ترجوه بألا يقتلهم وأنهم يحبونه لكنه كان قاسي القلب وقتلهم، ترى أين هذا الإرهابي الآن الذي قتل أطفالنا، ولماذا لم نر له محاكمة ولا كُتب شيئ عنه في الصحف المصرية بعد ذلك؟!

اكتمل الزيف في مجزرة الحرس الجمهوري بأن الإخوان قتلوا أنفسهم، وثبت بعد ذلك أن بعض ضباط وجنود الجيش هم من قتلوهم، ثم جاءت أحداث جامع الفتح ورمسيس بعد مجزرة رابعة بيومين، ومن حسن حظي أنني شاركت في هذه الأحداث مع عدد من زملائي، والتقيت هناك عضو مجلس الشورى السابق سعد عمارة، والتقيت صديقي الإعلامي شريف منصور، والتقيت روبرت فيسك وقلت له مازحا: تعال صل معنا الجمعة.

شاهدت بعيني اعتداءات الشرطة على المتظاهرين وقتلهم، شاهدت قنابل الغاز والرصاص ينطلق من طائرات جيش بلدي، شاركت في حمل بعض الجثث إلى داخل مسجد الفتح، تجاوزتني رصاصة ونجوت.

بينما كان الإعلام المصري يمارس دور الندابة، في تزييف وعي الناس عن السلاح الذي كان يحمله المتظاهرون في رمسيس والفتح، ويشهد الله علي أنني -وأنا الذي ظللت طوال عام كامل أهاجم مرسي والإخوان وأبغض حكمهم وأخرج ضدهم في الاتحادية وفي 30 يونيو/حزيران الماضي- لم أر أحدا يحمل سلاحا ولو حتى سكينا بيضاء في مظاهرات رمسيس، لكن كالعادة لعب لواءات الإعلام الدور المطلوب من خلال تصوير أمناء شرطة وبلطجية فوق كوبري مايو وفي رمسيس على أنهم متظاهرون مسلحون.

ألقي القبض على صفوت حجازي وشاهدناه صامتا، ثم تسجيلات صوتية له في التحقيقات معه، لنفاجأ منذ أيام بمواقع التواصل الاجتماعي تنشر صورة لشبيه صفوت حجازي، وهو ضابط مخابرات يحيط به الضباط وأمناء الشرطة داخل قطار، ليتضح التطابق بينه وبين من ادعوا أنه صفوت حجازي.

لكن تعالوا نصدق رواية الشرطة من أنه بالفعل صفوت حجازي، إذن لماذا لم نره في محاكمة مرسي أو أي محاكمة حتى الآن، وهو الإرهابي المحرض على القتل والمشارك فيه؟!

أين الثمانون مواطنا الذين قتلهم الإخوان ودفنوهم في الصرف الصحي وفي كرة أرضية تحت الأرض؟!

لماذا لا نبحث عن هذه الكرة الأرضية لعلها تساهم في حل أزمة الإسكان؟!

وقد عرفنا أن مراسل التلفزيون المصري "أبو بيجامة" الذي تواجد أثناء محاولة تفجير موكب اللواء محمد ابراهيم وزير الداخلية، -بعد الانفجار بدقائق- ليسجل مع الوزير. لم يكن إلا فردا من أفراد الشرطة المصرية، ونشرت مواقع التواصل الاجتماعي صورته بزي الشرطة!

الخدعة الكبرى التي انسقنا خلفها من خلال الإعلام الخاص، أزمة البنزين والكهرباء قبل 30 يونيو/حزيران الماضي، هذه الأزمة التي تسببت في حالات قتل لمصريين في محطات الوقود ولموت أطفال في الحضانات ومرضى في المستشفيات، حلت الأزمة بعد سقوط مرسي بأربع ساعات؟!
وقتها تساءلنا كيف جاء المراسل بهذه السرعة من مبنى ماسبيرو في وسط القاهرة وحتى مدينة نصر شرق القاهرة في وقت الذروة وزحمة السير، فقالوا لنا إنه يسكن مدينة نصر وجاءوا به من على السرير - يا عيني- وكيف حضرت كاميرا التصوير والمايك؟!

الخدعة الكبرى التي انسقنا خلفها أيضا من خلال الإعلام الخاص، أزمة البنزين والكهرباء قبل 30 يونيو/حزيران الماضي، هذه الأزمة التي تسببت في حالات قتل لمصريين في محطات الوقود ولموت أطفال في الحضانات ومرضى في المستشفيات، كيف حلت الأزمة بعد سقوط مرسي بأربع ساعات؟!

لماذا لم يحاكم وزيرا الكهرباء والبترول على الذين ماتوا بسببهما؟!
لماذا لم يتم عزل الوزيرين وبقيا في وزارة الحكومة المؤقتة وهما المسؤولان المباشران عما حدث؟!

تساؤلات تجعلنا نلقي بكل صور الفضائيات التي زيفت وعينا جانبا وننتبه لما تبقى من هذا الوطن، ولا نركن إلى أكاذيب جعلتنا نضيع أجمل ثورة في تاريخنا ونعيد تسليم ثورة 25 يناير إلى نظام مبارك مرة أخرى.

هذه الثورة التي ساهم معنا الإخوان في ضياعها، ولكن ذلك لا يعفينا من المسؤولية الكاملة ولا يجعلنا نتنصل من دم الشهداء المعلق في رقبة كل مصري منا منذ 25 يناير وحتى الآن.

المصدر : الجزيرة

التعليقات