نبيل السهلي

نبيل السهلي

كاتب وصحفي مستقل



محاولات فاشلة
انكشاف لغز الاغتيال
ماذا عن الموقف الإسرائيلي؟
إمكانية نجاح تدويل القضية

كانت وفاة الرمز الفلسطيني ياسر عرفات لغزا محيرا، وخاصة للشعب الفلسطيني، بيد أن عرفات كان حاضرا بقوة في ذكرى رحيله التاسعة، من خلال نتائج التحقيقات السويسريّة التي أثبتت أنه قُتل بالسم عن طريق استخدام مادة "البولونيوم" النوويّة.

وتستحوذ على هذه المادة الدول المنضوية في النادي النووي، إضافة إلى إسرائيل، صاحبة المصلحة الأولى في اغتياله، لا سيما أن حكومتها قررت في سبتمبر/أيلول 2004 تصفية ياسر عرفات.

وبعد انكشاف الصورة، بات مهما للجميع الوصول إلى الحقيقة في موضوع تسميم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، فوفاته مسموما تعني سياسيا أشياء كثيرة لعل أبرزها وأهمها إزاحة نهج ومواقف لتعبيد طريق "التسوية" أمام نهج ومواقف أخرى، بغض النظر عما إذا كانت المسألة قد سارت على هذا النحو الذي هدفت إليه عملية الاغتيال.

وفاة عرفات مسموما تعني سياسيا أشياء كثيرة لعل أبرزها إزاحة نهج ومواقف لتعبيد طريق "التسوية" أمام نهج ومواقف أخرى، بغض النظر عما إذا كانت المسألة قد سارت على هذا النحو الذي هدفت إليه عملية الاغتيال
مع ذلك، فإن الوصول إلى الحقيقة في شكل قاطع يظل على رغم أهميته الكبرى ليس الأهم، بل وليس خاتمة المطاف في هذا الملف الشائك رغم وضوحه الشديد.

الأهم حسب متابعين، هو الإجابة عن سؤال يفرض نفسه هنا بقوة: ماذا ستفعل القيادة الفلسطينية بعد حل اللغز، وكيف ستتصرف فلسطينيا وعربيا، لإعطاء بُعد دولي لقضية اغتيال عرفات؟

محاولات فاشلة
يلحظ المتابعون لمسارات القضية الفلسطينية بأن ياسر عرفات كان هدفا دائما للحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة، فقد جرت عدة محاولات فاشلة لاغتياله أثناء وجوده في بيروت حتى عام 1982، وبعد رحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن بيروت إلى المنافي البعيدة والقريبة، وبالتحديد في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1985 قصفت الطائرات الإسرائيليّة مقرّه في منطقة حمام الشط بتونس العاصمة، في محاولة جديدة فاشلة لاغتياله.

وقبل ذلك وبالتحديد في عام 1983 تمت محاولة اغتيال لياسر عرفات في منطقة جبال القلمون شمال العاصمة السورية دمشق، كما واجه محاولات اغتيال أخرى.

بيد أن المؤشر الأكبر على نية المؤسسة الإسرائيلية لاغتياله هو حصار الجيش الإسرائيلي منذ العام 2002 مقره في رام الله وتدميره أجزاء منه، وتحكمه بزوّاره وطعامه وشرابه، كما شنت الحكومة الإسرائيليّة حملة تحريضيّة ضده، وأعلنت أنه زعيم إرهابي، وهددت بقتله علنا.

وقد كشف أوري دان، الصحافي الإسرائيلي المقرب من شارون في كتابه حول حياة شارون، المكالمة التي جرت بين الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن وبين أرييل شارون "حين طلب الأول ترك أمر التخلص من عرفات للعناية الإلهيّة، فأجابه الآخر: ولكن العناية الإلهيّة بحاجة إلى مساعدة بشرية، فصمت بوش، فيما اعتبره شارون ضوءا أخضر لاغتيال ياسر عرفات".

وفي نفس السياق أشارت وسائل إعلام مختلفة إلى أن قرار اغتيال ياسر عرفات قد اتخذ بعد رفضه التنازل عن الثوابت الفلسطينية في مفاوضات كامب ديفيد في صيف عام 2000، وبشكل خاص فيما يخص قضية القدس.

انكشاف لغز الاغتيال
رافق إحياء الفلسطينيين الذكرى التاسعة للرمز الفلسطيني ياسر عرفات قبل أيام جدل كبير عن لغز وفاته، بل اغتياله، حيث خلص خبراء سويسريون من معهد لوزان السويسري للفيزياء الإشعاعية، إلى أن الرئيس الفلسطيني الراحل قد يكون توفي نتيجة تسممه بمادة البولونيوم المشعة.

كشف أوري دان، الصحافي الإسرائيلي المقرب من شارون، مكالمة جرت بين الرئيس الأميركي السابق بوش الابن وبين شارون "حين طلب الأول ترك أمر التخلص من عرفات للعناية الإلهيّة، فأجابه الآخر: ولكن العناية الإلهيّة بحاجة إلى مساعدة بشرية، فصمت بوش، فيما اعتبره شارون ضوءا أخضر لاغتيال عرفات"
وذكر تقرير لهؤلاء الخبراء، نشرته قناة الجزيرة على موقعها الإلكتروني والمؤلف من 108 صفحات، أن نتائج التحاليل لرفات عرفات "تدعم باعتدال الفرضية القائلة إن وفاته كانت نتيجة لتسممه بالبولونيوم-210 (مادة مشعة سامة جدا)".

وأضاف التقرير الذي كتبه عشرة من خبراء المعهد أنه "تم إجراء تحاليل سمّية وسمّية إشعاعية جديدة أظهرت نسبة عالية لم تكن متوقعة من البولونيوم 210 والرصاص 210 النشطة في العديد من العينات التي تم تحليلها".

وأشار إلى أن مستوى البولونيوم في "العظام والأنسجة اللينة كانت أعلى بعشرين مرة" من المتوقع، مما يستبعد تماما نظرية كانت طرحتها وسائل الإعلام سابقا ومفادها أن التدخين السلبي أدى إلى رفع نسبة البولونيوم أعلى من الطبيعي.

وقد تسلمت سهى الطويل أرملة عرفات نسخة من تقرير المختبر، كما تسلم اللواء توفيق الطيراوي نسخة ثانية من التقرير السويسري، لكونه رئيس لجنة التحقيق الفلسطينية في وفاة ياسر عرفات.

وتبعا لذلك برزت مطالبات فلسطينية لجهة تدويل قضية اغتيال عرفات، حيث دعا ناصر القدوة، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وابن شقيقة ياسر عرفات، إلى نقل ملف التحقيق في وفاة عرفات، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يكفل خلق مناخ سياسي، وقانوني دولي، يمكن أن يقود إلى خطوات أخرى تكفل التعامل الجاد مع هذه القضية.

وذهب القدوة إلى أبعد من ذلك، حين قال في مؤتمر صحفي عقد قبل أيام في رام الله "انتهت المجادلة لأن إسرائيل هي الجهة الوحيدة المعنية التي يمكن لها امتلاك واستخدام مادة مشعة مثل البولونيوم 210، ناهيك عن كل القرائن والدلائل الأخرى التي كررناها مرارا"، كما أوضح للصحفيين أن البلوتونيوم مادة مشعة لا تمتلكها سوى قلة من الدول الأعضاء في النادي النووي، وإسرائيل إحداها.

ماذا عن الموقف الإسرائيلي؟
في مقابل الموقف الفلسطيني الداعي إلى تدويل قضية تسميم عرفات، بعد اتهام إسرائيل باغتيال ياسر عرفات قبل تسع سنوات (2004-2013)، ثمة تصريحات إسرائيلية رفضت الاتهام.

وفي هذا السياق نفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في عددها الصادر في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، بشدة وبشكل قاطع، أن تكون إسرائيل ضالعة في قضية اغتيال عرفات.

وقالت الصحيفة "نحن غير ضالعين" على حد قول مسؤولين إسرائيليين كبار لم تكن لإسرائيل أي مصلحة للمس به، العكس هو الصحيح: عرفات كان ضعيفا، مهانا وعديم الشرعية". وكان هذا مريحا لإسرائيل، وفق زعم الصحيفة الإسرائيلية.

وتستطرد الصحيفة "أنه في مقابل ذلك يمكن القول إن شارون مقت عرفات، وكان له حساب طويل معه منذ حرب لبنان الأولى في صيف عام 1982، وإذا كان شارون بالفعل هو الذي أمر بتصفية عرفات، فإن الأمر يكون قد تم في سر مكتوم، والكشف عن هذا السر غير متوقع في المستقبل المنظور".

لكن رغم الموقف الأولي لإسرائيل من قضية اغتيال عرفات، بيد أن ثمة دلالات على نهج إسرائيلي وصهيوني ثابت في الاغتيال السياسي، وهناك مجموعة كبيرة من قادة إسرائيل خططوا أو شاركوا في ارتكاب مجازر واغتيالات ضد رموز مختلفة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، إسحق شامير، وإسحق رابين، وأرييل شارون، وشمعون بيريز، ومناحيم بيغن، حيث انضووا في إطار العصابات الصهيونية، الهاغانا، والشتيرن والأرغون وغيرها من العصابات الصهيونية التي ارتكبت مجازر في المدن والقرى.

وقد يكون من أهم أعمالهم قبل عام 1948 التفجيرات في الأسواق العربية، في حيفا ويافا والقدس، وتوجت أعمالهم في اغتيال الوسيط الأممي السويدي، الكونت برنا دوت، في القدس في 17 سبتمبر/أيلول 1948 بسبب صياغته تقريرا للأمين العام للأمم المتحدة يدين إسرائيل ويحملها تبعات النكبة الكبرى في عام 1948، وأصبحوا فيما بعد أصحاب قرار في إسرائيل.

ثمة دلائل على نهج صهيوني ثابت في الاغتيال السياسي، وهناك مجموعة كبيرة من قادة إسرائيل خططوا أو شاركوا في ارتكاب مجازر واغتيالات، ومنهم على سبيل المثال شامير ورابين وشارون وبيريز وبيغن
لقد أكدت تانيا راينهات أستاذة اللسانيات في جامعة تل أبيب، في كتابها المترجم في دار الفكر في دمشق قبل عدة سنوات، أن سياسة الاغتيال السياسي ليست جديدة في إسرائيل، لقد استخدمتها داخل الأراضي المحتلة وخارجها منذ زمن طويل، بما في ذلك أثناء السنوات التي تلت اتفاقات أوسلو المعقودة في سبتمبر/أيلول من عام 1993.

إمكانية نجاح تدويل القضية
بعد الإشارة إلى دلائل وقرائن تشي باغتيال المؤسسة الإسرائيلية للرمز الفلسطيني ياسر عرفات، تبرز أسئلة حول إمكانية تدويل القضية لمحاسبة إسرائيل وغيرها ممن ساعدوها في ذلك.

في محاولة الإجابة عن ذلك، تأخذنا التفاصيل نحو عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، وتبعا لذلك نحو حسم مسألة الانضمام إلى منظمات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومنها محكمة العدل الدولية، حيث هناك بالذات يمكن خوض معركة تحقيق العدالة في اغتيال الرمز التاريخي للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

والواقع أن الانضمام لمحكمة العدل الدولية بات ضرورة ملحة، بغية خوض معركة للتخلص من رموز الاحتلال، والوصول إلى أهداف الشعب الفلسطيني العادلة والمشروعة، ناهيك عن حقيقة أن طي صفحة جريمة بهذا الحجم والخطورة تعني أول ما تعني أن القيادة الفلسطينية ستظل تفاوض تحت إرهاب حكومة نتنياهو لإخضاع الفلسطينيين للشروط الإسرائيلية.

ولهذا من حق الشعب الفلسطيني المطالبة بوقف المفاوضات مع إسرائيل، وتدويل قضية اغتيال ياسر عرفات لسَوْق مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى العدالة الدولية، وهذا هو الأهم في المدى المنظور.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك