راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية



تمر تونس الحبيبة بمخاض شديد يوشك معه الجنين أن يختنق، وأمه أن تموت على غرار ما حدث في بلاد أخرى، أو يستهل صارخا صبوحا وضاح المحيا، فتستقبله أمه جذلى باسمة وتنطلق الزغاريد بهجة وحبورا.


إن أوضاع البلاد غاية في الهشاشة، قطار التحول فيها كأنه يسير على سلك مدلًى بين السماء والأرض يتهادى متأرجحا يمينا وشمالا، لا يكاد يتقدم خطوة حتى يتراجع حذرًا من سقوط يتهدده في كل لحظة، ولا سيما بعد الذي حدث في بلاد مشابهة، وبعد تفاقم ظاهرة الإرهاب.

ويكفي دليلا على هشاشة الأوضاع أن بضع رصاصات انطلقت من مسدس واحد كانت كافية لإسقاط حكومة وتأزيم أوضاع لم تكد تخرج منها حركة النهضة إلا بعد أن تركت وراءها ريشا غير قليل، إذ تنازلت عن نصف أسهمها في الحكومة (وزارات السيادة).

ولم يمض القطار غير بعيد حتى انطلقت رصاصات أخرى من نفس المسدس!! لتؤدي بحياة زعيم وتزج بالبلاد في أتون أزمة جديدة طلب فيها رأس النهضة هذه المرة، إذ حملت مسؤولية التفريط في المحافظة على حياة زعيم جاءت إخبارية من مؤسسة دولية كبرى قبل أسبوعين من اغتياله تنبه إلى أنه مستهدف ولم يُفعل شيء لحمايته!!

ليس هناك ما يرجح ألا تنطلق من نفس المسدس أو من غيره رصاصات أخرى تربك الأوضاع إن لم تزلزلها زلزلة، وذلك في سياق وضع أمني واقتصادي وسياسي غاية في الهشاشة م حليا وإقليميا، لاسيما أثر الزلزال المصري وانفلات الأوضاع في ليبيا

ليس هناك ما يرجح أن لا تنطلق من نفس المسدس أو من غيره رصاصات أخرى تربك الأوضاع إن لم تزلزلها زلزلة، وذلك في سياق وضع أمني واقتصادي وسياسي غاية في الهشاشة، إن على الصعيد المحلي أو على الصعيد الإقليمي، لاسيما أثر الزلزال المصري وانفلات الأوضاع في ليبيا وانعكاساتها السلبية على بلادنا.

إن أهم ما يمكن استنتاجه:
١- أن الأوضاع مرشحة لتطورات يعسر التنبؤ بها أمنيا واقتصاديا وسياسيا، وقد تبلغ حد قلب الأوضاع جملة وتهديد مسار الثورة لصالح الثورة المضادة أو في اتجاه الصوملة، في بلد ثرواته محددة، وتنحصر في ضمان وضع الاستقرار والهدوء والانفتاح على العالم والاعتدال، مما يجعل من استمرار الأوضاع وحالة الغموض -التي طالت واستنفدت شرعية السنة الموعودة لكتابة الدستور، كما استهلكت سنة أخرى وذلك في غياب ركائز الاستقرار- على ما عليه، مغامرةً كبرى إن لم تكن ضربا من الاستهتار وعمى عما يحف البلاد من أخطار تتصاعد وتيرتها باستمرار، خصوصا بعد تفاقم جرائم الإرهاب.

٢- واضح أن ما أنجزته حكومات الثورة من إصلاحات على أهميته على أكثر من صعيد قليل بالقياس إلى عمق واتساع وتراكم مفاسد ومظالم على مختلف الصعد في الإعلام والأمن والقضاء، وهو ما أصاب صورة الدولة ومكانتها بأعطاب كبرى بلغت حد ترذيلها ترذيلا إلى درجة جرأة رجال أمنها على رموزها جهارا نهارا، وتكاثر كالفطر توالدُ النقابات الأمنية التي تتفاقم جرأتها على الدولة في صور إرهاصات انقلابية، بما يستبعد معه بقاء إمكانات أخرى للإصلاح الاقتصادي والأمني والقضائي وذلك في الزمن الضائع الباقي ضمن الظروف القائمة.

٣- النتيجة من ذلك أن سبيل الإنقاذ المتبقي لا يمر بالضرورة بالاقتصاد ولا بالأمن ولا بالقضاء، وإنما بالسياسة، وذلك عبر تغيير درامي في المشهد السياسي تكون له انعكاسات إيجابية على جملة الأوضاع، ويتمثل بالإقدام على تصحيح وضع بُني منذ البداية على خلل فادح، وذلك بالنظر إلى أن من مقتضيات الحكم الديمقراطي في المراحل الانتقالية أن لا يكون محكوما بآلية حكم ومعارضة كما هي الأوضاع العادية، وإنما بحكم وفاقي.

وكنا قد دعونا إلي هذا الحكم الوفاقي منذ البداية، إلا أن الآخرين رفضوا ذلك واختاروا موقع المعارضة، وهو ما أودى بالتجربة المصرية وتعسرت معه ولادة التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي حتى كادت تسقط أكثر من مرة، لولا لطف الله ومرونة النهضة وتنازلاتها وانعقاد ما يشبه الإجماع وسط الأطراف السياسية أخيرا على ابتغاء سبيل الوفاق للخروج من أزمة الانتقال.

٤- أن ما أقدم عليه رباعي المجتمع المدني التونسي بقيادة اتحاد الشغل من مبادرة لحل أزمة الانتقال الديمقراطي المتعثرة بل المتوقفة بسبب اشتداد التجاذب بل التدافع السياسي الذي كثيرا ما أخذ شكل التنافي، ورهان المعارضة على نسف نتائج الانتخابات بالكلية في تجاوز لآليات المعارضة المتعارف عليها في الديمقراطيات، يمثل -رغم ما شابه من نواقص- مبادرة إيجابية، إذ تضع الأصابع على موطن الداء في السياسة, تصحيحا لوضع غير سليم بردّه إلى وضعه الطبيعي في مثل الحالات الانتقالية كالتي تمر بها بلادنا ودول الربيع العربي، حيث لا يمكن لفئة مهما عظمت أن تنهض لوحدها بمهام الانتقال الديمقراطي.

منطق الوفاق وليس المغالبة والأغلبية هو المنطق المناسب، سواء أكان في شكل حكومة وفاق وطني تشترك الأحزاب الرئيسية في إدارتها، أم كان في شكل حكومة كفاءات يشترك الجميع في اختيارها، بما لا يرهق الدولة الواهنة أصلا بعد الثورة بالمعارضة، ويحصر التنافس لا في مواجهة الدولة وإنما في تنافس الأحزاب بين برامجها على استقطاب الجماهير استعدادا لانتخابات في الأفق.

تصحيح المشهد السياسي عبر التوافق لا المغالبة يعفي الدولة من الاستهداف ويخفف العبء على الأمن ويهدئ الأوضاع، مما ستكون له انعكاسات إيجابية على الأوضاع الاقتصادية
إن تصحيح المشهد السياسي بهذه الطريقة يعفي الدولة من الاستهداف ويخفف العبء على الأمن ويهدئ الأوضاع، مما ستكون له انعكاسات إيجابية على الأوضاع الاقتصادية.

٥- إن الوضع السقيم الذي تأسس عليه المشهد السياسي الانتقالي عقب انتخابات أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١١ (سلطة ومعارضة) كاد يطيح بالتجربة التونسية لولا الاستدراك الأخير بطرح مبادرة رباعية المجتمع المدني، ولولا إقدام حركة النهضة التي تقود الحكومة على التفاعل الإيجابي مع المبادرة بما يعنيه من تنازل عن حكومة مسنودة بقاعدة برلمانية واسعة، تقديما للمصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية، وبما يعين على تحقيق وفاق وطني يفتح الطريق أمام استكمال مسار انتقالي متعثر ومهدد بأخطار الانهيار في أوضاع إقليمية مشتعلة.

٦- غير أنه لا تزال أمام نجاح المشروع الوطني للحوار تهديدات وعقبات:

أ- تهديدات خطيرة وبالخصوص خطر الانهيار الاقتصادي وخطر الإرهاب الذي يحيط بالإقليم، وذلك في ظل تهديدات تمرد أمني راهن على التغذي من الأزمة السياسية والاجتماعية لإيقاع النظام في عزلة يركبها طمعا في تشكيل حالة مصرية هي رهان الجبهة الشعبية، لولا أن مؤتمر الحوار الوطني أفشلها تاركا نداءات الجبهة إلى التحشيد صرخة في واد وتحركات الأمنيين في العراء دون أي غطاء سياسي، إلا أن الأزمة قابلة للتشكل من جديد في صورة فشل الحوار الوطني، وهو ما تراهن عليه الجبهة.

ب- أما عن العقبات في طريق نجاح الحوار الوطني في تشكيل حكومة الوفاق واستكمال الأعمال التأسيسية بختم الدستور وضبط موعد للانتخابات وتشكيل هيئة مستقلة لإدارتها وتتويج ذلك بانتخابات نزيهة، فكثيرة وأهمها تلك العقبات النفسية المتمثلة في ما أورثته حالة التجاذب والاستقطاب الشديد بين الأطراف من تشاحن وتباغض وشيطنة، إلى حد التنافي والصراع الوجودي وتوعد الحاكمين بالويل والثبور.

واضحٌ وجود أزمة ثقة حادة وتوجس كل طرف من الآخر بما يفرض تأمينات وضمانات متبادلة، ومنها الأخذ بعين الاعتبار تنازلات من بيدهم الحكم اليوم، فما ينبغي حملهم على قبول بدائل عنهم ليست محل ثقة تامة لديهم.

من حقهم ألا يسلموا الحكم إلا لجهة محايدة فعلا عرفت بالاستقامة الأخلاقية التامة "العدالة" وقوة الشخصية وسوابق مشرفة في معارضة الطغيان.

ويتعلق ذلك بكل وزراء هذه الحكومة وخصوصا برئيسها، كما ينبغي التحديد الدقيق لمدة عمل هذه الحكومة.

ومن هذه الضمانات المحافظة على ولاية المجلس التأسيسي ولاية كاملة على هذه الحكومة حتى لا تنفلت من رقابة الشعب، فالقاعدة الأساسية للديمقراطية أنها حكم الشعب عبر ممثليه، والمجلس منتخب وليست الحكومة كذلك.

إن ركام انعدام الثقة هو الذي أوحى بفكرة تخفيف رقابة المجلس على الحكومة في تحدًّ لقاعدة من قواعد الديمقراطية: "رقابة المجلس على الحكومة"، وكذا قاعدة توازي الإجراءات.

فكيف تكتسب الحكومة الثقة بالأغلبية المطلقة ولا تسحب منها إلا بالثلثين؟ إنه جزء من بقايا أزمة الثقة، وإلا فكيف يتصور عمليا أن تتشكل حكومة بالوفاق أي دون اعتراض من طرف، ثم تجاز من المجلس، ثم لا يلبث هذا المجلس أن ينقلب عليها بسحب الثقة منها؟ هذا فكر بل هاجس مسحوب من مراحل سابقة، مرحلة الصراع بين السلطة والمعارضة، بينما نحن بصدد تجاوز هذه المرحلة.

نحن الآن في مرحلة البحث عن التوافق الحكومي، بمعنى قيام الحكومة على شرعية التوافق بديلا عن شرعية الانتخاب، وذلك خلال ظرف استثنائي قصير، مع استمرار الشرعية الانتخابية على صعيد المجلس.

أشكل على البعض تطميني لبعض أنصار النهضة المتوجسين مما قد يفعله بهم خصومهم إذا هم تركوا لهم السلطة، وهي خشية تبدو مشروعة في ظل أوضاع انتقالية لم تترسخ فيها التقاليد الديمقراطية، ولكن الحركة تعهدت بمغادرة الحكومة لا الحكم
يزيد هذا المقترح المجانب لقواعد الديمقراطية أننا إزاء حكومة محدودة الزمن مقيدة بالمدة المحددة التي تفصلنا عن الانتخابات، أي بضعة أشهر!!

٧- لقد أشكل على البعض تطميني لبعض أنصار النهضة المتوجسين مما قد يفعله بهم خصومهم إذا هم تركوا لهم السلطة، وهي خشية تبدو مشروعة في ظل أوضاع انتقالية لم تترسخ فيها التقاليد الديمقراطية حكما ومعارضة، لا سيما بالنظر إلى ما يحدث في مصر.

وقد أشكل عليهم تأكيدي أن النهضة تعهدت في الحوار الوطني بأنها ستغادر الحكومة كما تعهد بذلك رئيس حكومتنا في جرأة وحكمة، وليس يعني ذلك بالقطع أنها ستغادر الحكم، وذهبوا في تأويلها إلى أننا نناور ولسنا جادين، وليس الأمر كذلك.

نعم ليس كذلك بالنظر إلى أن الحكم أشمل من الحكومة، وبالخصوص في النظام القائم، حيث يعتبر المجلس الوطني التأسيسي السلطة التأسيسية والأصلية ومنها تستمد كل السلطات، ومبادرة الحوار الوطني تحافظ عليها حيث النهضة الكتلة الأعظم، وحيث لا يتصور أن تمر حكومة ولا سياسة دون موافقتها، فضلا عن أن الحكومة لن تكون حكومة النهضة، ولكنها لن تكون بالتأكيد حكومة المعارضة وإنما حكومة الجميع، حكومة الوفاق.. كل ذلك يعتبر ضمانا آخر من ضمانات نجاح المسار الانتقالي المتعثر، والوصول بتونس الحبيبة إلى لحظة التتويج الديمقراطي. أولا يستحق هذا الشرف والمجد هذه التضحية، تضيفها حركة مناضلة إلى تضحيات جسام من أجل الحرية والقطع نهائيا مع الطغيان؟

٧- واضح أن أمام التونسيين فرصة أخرى ليضيفوا إلى مأثرة إطلاقهم ثورات الربيع العربي التي أطاحت بدكتاتوريات باطشة متكلسة مبشرين بالحرية والانعتاق، مأثرة أعظم وعزة قعساء إذ ينجحون في تتويج مسارهم الانتقالي بتأسيس أول ديمقراطية عربية، لا يفصلهم عنها غير استحضارهم لأيام أخرى من أيام الثورة يستعلون فيها عن أنفسهم متجاوزين ضيق التحزب إلى سعة الوطن ليخرج الجميع رابطين.

سبيل ذلك رهان الجميع على إنجاح المؤتمر الوطني للحوار. قال تعالى "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك