أكرم البني

أكرم البني

أكرم وجيه البني



تباينت مواقف المعارضة السياسية السورية من مؤتمر جنيف 2 بين طرف متحمس للمشاركة ويرى في المؤتمر نقلة مهمة تضع الصراع السوري في مسار جديد، وآخر يرفض رفضا مطلقا التفاوض مع نظام فتك بشعبه ودمر البلاد، بل يعتبر كل موقف مغاير لذلك هو استسلام وخيانة لمبادئ الثورة.

ويتخوف طرف ثالث من أن تفضي مشاركة المعارضة في مؤتمر غامض ومبهم إلى مد النظام ببعض أسباب الشرعية ومنحه الغطاء والوقت كي يتوغل أكثر في العنف والتنكيل.

في حين يضع طرف رابع اشتراطات متنوعة لعقد المؤتمر تتراوح بين الإقرار المسبق بتنحية أركان النظام الأساسية ومحاسبتهم على ما ارتكبوه، وبين رفض إدراج إيران في عداد المشاركين، وبين اشتراط بإزالة الالتباسات المرافقة لهذا المؤتمر وخاصة التأكيد على تنفيذ بنود جنيف 1 الداعية لوقف العنف وعودة الجيش إلى ثكناته وإطلاق سراح المعتقلين والسماح بحق التظاهر السلمي وتشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات واسعة.

وإذ شجعت التباينات السابقة "المجلس الوطني" ليهدد بالانسحاب من "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" إذا شارك هذا الأخير في جنيف 2 فإنها شجعت أيضا مكونات رئيسية من "الجيش الحر" على إعلان رفضها الصريح لسياسات الائتلاف المرنة والمرتبكة تجاه المؤتمر وعلى تشديد المطالبة بدعم عسكري نوعي يمكّنها بداية من تعديل توازن القوى القائم.

إذ شجعت التباينات  المجلس الوطني ليهدد بالانسحاب من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة إذا شارك هذا الأخير في جنيف2، فإنها شجعت أيضا مكونات رئيسية من "الجيش الحر" على إعلان رفضها لسياسات الائتلاف المرنة والمرتبكة تجاه المؤتمر

وتعديل موازين القوى ليس فقط مع النظام وإنما أيضا مع الجماعات الإسلامية المتشددة التي استفادت من ضعف المعارضة الوطنية ولا تعير انتباها للمبادرات السياسة، بل همها الرئيسي هو تمكين نفسها عسكريا والاستئثار بكل شيء في المناطق التي سيطرت عليها لتطبيق أجندتها الخاصة وفق ما تعتقد أنه شرع الله على الأرض.

ما سبق أضفى على صورة المعارضة السورية الضعيفة والمضطربة أصلا المزيد من التشتت والاضطراب، وبدت وكأنها لا تمتلك أية رؤية واضحة بشأن مشاركتها في مؤتمر جنيف، بدليل الاختلافات وربما التناقضات في تصريحات ممثليها عن المؤتمر وصلت أحيانا إلى تبادل الاتهامات والإساءات، وبدليل تلكؤها وارتباكها في التعاطي مع الدعوة لتشكيل وفد موحد يشارك في جنيف يضم مختلف أطيافها في الداخل والخارج.

وإذا أضفنا تقصيرها وعجزها المزمن، بعد عامين ونصف العام من عمر الثورة، عن إظهار نفسها قدوة ومثلا يحتذى في المثابرة والتضحية وفي إطلاق المبادرات لتمكين الحراك الشعبي وتغذيته بالخبرات السياسية والمعرفية، يمكن أن نفسر شيوع حالة من الاستخفاف بمكانتها ودورها، فهي "معارضة غير مقنعة" عند الأخضر الإبراهيمي، وقابلة للانصياع السريع للضغوط والإملاءات لدى بعض الأطراف الغربية والعربية، وفقدت ما تبقى لها من احترام عند السوريين، الذين منحوها ثقتهم في أكثر من محطة ولكنها خيبت أملهم في دور قيادي كانوا ينتظرونه منها.

إشهار هذه الحقائق يعني أن المعارضة السورية ليست بخير وعافية وهي تقف على عتبة جنيف 2، بل هي ضعيفة ومفككة وغير مؤهلة لتحمل مسؤوليتها السياسية، إن بالمشاركة أو بعدم المشاركة، وإن انعقد المؤتمر أو لم ينعقد، ولهذه النتيجة أسبابها.

أولا، الطبيعة التكوينية للمعارضة السورية التي تشكلت من خليط غير متجانس ينحدر من منابت سياسية شديدة التنوع، ولا تزال غالبية تنظيماتها تستند إلى مرجعيات شمولية أو أقرب إلى الشمولية، مما أفضى إلى تباينات في قراءتها للمتغيرات الحاصلة، وفي بناء التكتيكات السياسية، وفي الموقف من النظام السياسي الراهن.

فثمة من تبنى المطلب الشعبي الداعي إلى الإطاحة بالنظام بكافة أركانه ورموزه، وهو ما حملته قرارات الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وهناك من يسعى إلى تغيير، يعتبره جذريا، نحو الحياة الديمقراطية لكن ضمن رهان على مشاركة متفاوتة من قبل أهل الحكم أو بعض أركانه، كما هو موقف هيئة التنسيق الوطني.

وقد زاد الطين بلة انسداد آفاق الحلول السلمية وانعدام أية فرصة لوضع الحالة السورية على سكة المعالجة السياسية، مما أفقد المعارضة الدور المنوط بها، الذي كان يفترض تعويضه بتعزيز حضورها وتواصلها مع الأوساط الشعبية الصاحبة المصلحة في التغيير، وبتقديم إجابات شافية عن أسئلة ملحة تشغل بال السوريين بشأن سياق عملية التغيير وشروطها وما يكتنفها من منزلقات ضمن خصوصية المجتمع السوري بتعدديته وحساسية ارتباطاته الإقليمية والعالمية.

ثانيا، ضعف تأثيرها في الحراك الشعبي بسبب قوة عفويته وتباين النشأة والتكوين والتجربة بينهما وانجرار الكتلة الأهم من هذا الحراك ردا على العنف السلطوي المفرط نحو منطق الغلبة والسلاح، لتبدو المعارضة السياسية السورية مع وجود جسمها الرئيسي في الخارج كأنها تركض لاهثة لتلحق بنبض الشارع، وفي أحسن الأحوال، تظهر كرد فعل أو صدى لصوت الثورة وما يحققه الوجود العسكري على الأرض.

وللأسف، بعد هذه المعاناة الشعبية الطويلة وفداحة ما قدم من دماء وتضحيات، لم تستطع المعارضة السورية تدارك هذه النقيصة، أو النجاح في استحضار دور سياسي نشط يتفاعل مع مكونات الحراك الشعبي وهمومه، خاصة مع المكون العسكري وتوحيد صفوفه وتصويب مساره، والأهم عدم نجاحها في كسب ثقة الناس أو على الأقل إزالة إحساسهم بأن قوى المعارضة على كثرتها وتنوعها لم تقدم لهم شيئا.

وتبدو، إلى الآن، كمن تدور في حلقة مفرغة، أمام حاجة ملحة لسد فراغ سياسي حيوي ومد الثورة بأسباب الدعم، مما أشاع حالة من الشك بشأن كفاءتها ومدى جديتها في قيادة التغيير، وبأن بعضها يحاول ركوب الموجة، ليبيع ويشتري، على حساب دماء الحراك الشعبي وتضحياته.

علينا الاعتراف بأن الشروط الموضوعية التي تحكم مسار الثورة السورية وتطورها، هي بالضرورة تحكم أيضا عمل المعارضة وترسم حدود مسؤوليتها وجدوى دورها، مثل هذه الشروط لا يمكن بأي حال إغفالها أو تجاوزها
وهنا لا نعرف إن وصلت إلى مسامع كل من ينصب نفسه قائدا للثورة الاعتراضات على معنى وأهمية وجوده خارج البلاد، وأولوية وإلحاح العودة إلى الديار لمشاركة الناس معاناتهم وهمومهم ولحظات يأسهم وأفراحهم قبل التطلع لقيادتهم.

والأهم من كل ذلك لتوظيف الجهد والمعرفة لتنظيم الحياة في المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة كي تغدو سندا ورافدا للثورة وليس عبئا عليها، والأهم أيضا لمواجهة قوى جهادية متطرفة نجحت في فرض وجودها على الأرض وخلقت واقعا اجتماعيا ونفسيا يناهض المعارضة الديمقراطية وشعارات الثورة ويحاصرها. 

ثالثا، الدور الكبير الذي يحتله العامل الخارجي والإرادة الدولية في تقرير نتائج الكثير من الأزمات الإقليمية والصراعات الوطنية، عزز حضوره في الوعي السوري فاعليته في الثورات العربية الأخرى.

والقصد، أنه لم تعد ثمة قوة من المعارضة السورية ذات وزن لا تقول بدور خارجي مساعد للثورة حتى من كانوا من أشد المدافعين عن التغيير الداخلي الصرف، ليس فقط بسبب انكشاف حجم الدعم الخارجي الذي يتلقاه النظام، بل بسبب شدة معاناة المهجرين والمشردين والمنكوبين وازدياد الحاجة للتدخل الدولي ولما تقدمه هيئات الإغاثة الإنسانية.

لكن تبقى ثمة اختلافات في صفوف المعارضة تصل حد التناقض أحيانا حول شكل هذا التدخل وحدوده، بين من يرغب في أن يقتصر على الضغوط السياسية أو الاقتصادية، وبين من يفضله عسكريا عبر فرض حظر جوي أو منطقة عازلة أو من خلال مد المعارضة بالسلاح النوعي، وبين من يريده ناجعا وحاسما تحت مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وبإرادة أممية قادرة على وقف العنف وحماية المدنيين وفرض خطة طريق سياسية.

واستدراكا، علينا الاعتراف بأن الشروط الموضوعية التي تحكم مسار الثورة السورية وتطورها، هي بالضرورة تحكم أيضا عمل المعارضة وترسم حدود مسؤوليتها وجدوى دورها، مثل هذه الشروط لا يمكن بأي حال إغفالها أو تجاوزها مهما تكن الرغبات والجاهزية الذاتية، وحتى لو وجدت معارضة موحدة ومتراصة وقوية وواضحة المواقف والرؤى.

وبعبارة أخرى، فإن المعارضة السورية لا يمكنها أن تخرج "الزير من البير" -كما يقول المثل الدارج- سواء شاركت في مؤتمر جنيف أو أحجمت، فثمة عقبات موضوعية تعيق عقده، ثم نجاحه إن عقد، لا يمكن القفز فوقها، ترسمه خصوصية الحالة السورية وتعقيداتها، وأوضحها تعنت النظام وشعوره بالنشوة بفضل دعم حلفائه ونجاحه في إبعاد الضربة العسكرية الغربية، ثم التأثير المحدود للمعارضة السياسية على الأرض أمام تقدم جماعات متطرفة ترفض المعالجات السياسية من الأساس.

والأهم أن مصير المؤتمر لا يزال مشروطا بلعبة الأمم والمصالح، التي تبدأ غربيا وعربيا بحسابات الربح والخسارة في اختيار لحظة إطفاء بؤرة توتر في بلد يرتبط مصيره بأهم الملفات الشائكة في المنطقة، وتاليا بمطامع الطرف الروسي والقوى الداعمة للنظام، كإيران وحلفائها في العراق ولبنان، ثم بالمصلحة الإسرائيلية وتأثيرها الكبير على مراكز صنع القرار في روسيا وأوروبا وأميركا!

ومع ذلك، وبغض النظر عن الشروط الموضوعية التي تتحكم بالعمل المعارض والخلافات التي تعصف به، وعن تباين مواقفه من مؤتمر جنيف، لا يمكن لأحد أن ينكر اتساع مساحة توافقاته، وأن أطرافه الرئيسية تجمع على رفض الواقع القائم وتحميل النظام السوري كامل المسؤولية فيما آلت إليه أحوال البلاد.

تعاني المعارضة السورية من مثالب وأمراض بعضها قديم قدم نشأتها وبعضها حديث حداثة الدور الجديد الذي وقع على عاتقها، لكن ذلك لا يعفيها من المسؤولية الذاتية لجهة إلحاح تطوير أدائها بالتناغم وطردا مع التفاقم الذي يشهده الصراع السوري ومع معاناة الشعب

كما تجمع أيضا على دعم الحراك الشعبي وكل أشكال الاحتجاجات السلمية، وأيضا على نبذ العنف والتسعير الطائفي من أي طرف جاء، ثم رفض الفكر التصفوي والثأري وكل الحلول الترقيعية أو الجزئية.

وتجمع تاليا، على أن موضوع وهدف السوريين هو الانتقال بالبلاد من حالة الاستبداد إلى الديمقراطية، عبر بناء الدولة المدنية الحديثة، المؤسسة على عقد اجتماعي يتجسد في دستور جديد، يكفل التعددية وتداول السلطة واحترام خصوصية مكونات المجتمع السوري القومية والطائفية والمذهبية على قاعدة المواطنة والحقوق المتساوية.

نعم، تعاني المعارضة السياسية السورية من مثالب وأمراض بعضها قديم قدم نشأتها وبعضها حديث حداثة الدور الجديد الذي وقع على عاتقها، وثمة عيوب كثيرة تكتنفها وتشكل عائقا أمام إلحاح توحيد صفوفها وخطابها، وهناك ظروف موضوعية تحيق بها لا يمكن إغفالها أو إنكارها، لكن ذلك لا يعفيها من المسؤولية الذاتية لجهة إلحاح تطوير أدائها بالتناغم وطردا مع التفاقم الذي يشهده الصراع السوري ومع معاناة شديدة لا تطاق لقطاعات واسعة من الشعب.

والحال، مع تقدير صرخات المعارضة السورية التي تصدح في كل واد طلبا لنصرة شعبها وحماية المدنيين، ونياتها الصادقة في تشديد عزل النظام وتعرية العنف والإرهاب والتطرف وتمكين الحراك الثوري، ومع الاستناد إلى اتساع مساحة توافقاتها من الوضع الراهن وجوهر التغيير الديمقراطي، وتقدير حالة استعصاء الصراع والحاجة الأممية لعقد مؤتمر جنيف، ينهض السؤال عن الجدوى من تسعير المبالغات حول مخاطر المشاركة في المؤتمر.

وتاليا عن أهمية وإلحاح تعميم خطاب مشترك أمام الرأي العام يظهر صحة تنوع العمل المعارض ومشروعية تباين أدواره واختلاف مواقفه واجتهاداته.

وأخيرا عن الضرر من التشجيع على استثمار كل الاجتهادات السياسية والمبادرات الدولية التي تدعو لوقف العنف، كمقدمة حيوية لمحاصرة أصحابه ومحاسبتهم، ولتخفيف معاناة الناس، وصولا للضغط على مختلف الأطراف العالمية والعربية لفرض حل في سوريا يفتح الباب أمام تنفيذ خطة طريق للتغيير السياسي تنسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقواعد الديمقراطية التي تمكن هذا الشعب المنكوب من تقرير مصيره.

المصدر : الجزيرة

التعليقات