رشيد الحاج صالح

رشيد الحاج صالح

رشيد الحاج صالح

ورقة النظام السوري الأخيرة, هل هي بيد روسيا أم بيد إيران؟ سؤال كثيراً ما يتردد في خضم المناقشات التي تدور حول مستقبل النظام السوري في ظل الثورة التي تقترب من إنهاء عامها الثالث, وقد دخلت مرحلة جديدة تمثلت في استخدام السلاح الكيميائي الذي ذهب ضحيته مئات المدنيين في ريف دمشق, ناهيك عن الاستخدام المحتمل في 14 موقعا على الأقل, بحسب مراقبين في الأمم المتحدة.

وتعود أهمية السؤال السابق إلى المفاجأة التي أحدثتها استجابة النظام السريعة للاقتراح الروسي بوضع السلاح الكيميائي تحت إشراف الأمم المتحدة تمهيداً لتدميره، إذ تشير هذه الخطوة إلى ارتهان النظام السوري للموقف الروسي, وحرصه على عدم التهاون في التعامل مع المطالب الروسية, لاسيما أن الأمر يتعلق بضربة أميركية لاحت في الأفق.

أما النتيجة الواضحة لهذه التطورات الأخيرة فهي أن روسيا -وليس إيران- هي التي تمنح الأسد ونظامه أسباب البقاء. فروسيا هي التي تمده بالسلاح, وهي التي تمنع عنه قرارات مجلس الأمن الموجهة ضده, وهي التي تحاول أن تجد له حلاً سياسياً من خلال العمل على عقد مؤتمر جنيف2, كما أنها عملت على تحصينه من أي انقلابات يمكن أن تحصل في الصف الأول داخل النظام.

أزمة السلاح الكيميائي السوري الأخيرة تبين أن روسيا هي التي تمتلك في النهاية ورقة النظام السوري, وأنها الحامي الحقيقي له, وأنه بدونها سرعان ما ينهار إما بسبب الضغوطات الغربية أو بسبب تآكل قدراته وتراجعه أمام هجمات الثوار

أما إيران ورغم أهميتها لدى النظام السوري وأهميته لديها, ورغم الدعم الكبير الذي قدمته وتقدمه لاستمرارية هذا النظام, سواء من خلال المساعدات العسكرية أو الاقتصادية أو المالية..

رغم كل ذلك فإن أزمة السلاح الكيميائي السوري الأخيرة تبين أن روسيا هي التي تمتلك في النهاية ورقة النظام السوري, وأنها هي الحامي الحقيقي له, وأنه بدونها سرعان ما ينهار, إما بسبب الضغوطات الغربية, أو بسبب تآكل قدراته الداخلية وتراجعه أمام هجمات الثوار التي أنهكته.

حتى إنه يمكن القول إن استخدام النظام للسلاح الكيميائي -وهو ما يؤكده بطريقة غير مباشرة تقرير مفتشي الأمم المتحدة يوم 16سبتمبر/أيلول 2013- يعود إلى أن النظام بدأ يفقد أعصابه نتيجة للموقف المحرج في الغوطتين الشرقية والغربية، ذلك أن استخدام الكيميائي يخفي بين طياته موقفا صعبا غير ظاهر للعيان, هو الذي دفع بالنظام إلى القيام بخطوة تحمل الكثير من المخاطرة.

فاليوم بات واضحا أن الموقف الإيراني تراجع زخمه, وظهر كأنه أضعف مما بدا في السابق, أو أنه لا يريد أن يتورط أكثر من اللازم في الأزمة السورية, خوفاً من أن تتحول سوريا إلى فيتنام إيرانية. يضاف إلى ذلك أن الموقف الإيراني يعاني من نقاط ضعف عديدة تجعله غير قادر على أن يكون عرَّاب النظام السوري ومفتاح سره, ومن هذه النقاط:

1- إيران ليست دولة "قطبًا", ولا تمتلك قدرات كبيرة تسمح لها بتحديد مستقبل الدول والأنظمة في المنطقة, ومجال تأثيرها لا يتعدى العراق في أحسن الأحوال. والدليل على ذلك أنها تركت النظام السوري يواجه مصيره لوحده في مواجهة التهديدات الأميركية بضربة عسكرية, ولم تحرك أي ساكن.

2- لم تعد إيران بعد وصول الرئيس حسن روحاني إلى سدة الحكم, كما كانت في عهد محمود أحمدي نجاد، إذ رغم محدودية صلاحيات الرئيس الجديد قياسا إلى صلاحيات المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، فإن روحاني يرغب في أن يكون له دور أقوى من سلفه, خاصة أن خامنئي نفسه لم يخاطر بتحمل عواقب منع مرشح معتدل من الوصول إلى الرئاسة.

وما زاد الأمر قوة أن روحاني أتى من الجولة الأولى من الانتخابات وبدون أي تزوير, ويبدو أن المرشد الأعلى من جهة, والرئيس السوري من جهة ثانية, مدركان تماماً لهذا الأمر.

وجهة نظر السياسة الأميركية هنا أن الروس هم القادرون على إجبار النظام السوري على الدخول في تسوية سياسية تاريخية تنهي حالة القتال التي طال أمدها في سوريا

والرئيس الإيراني الجديد لا يريد الانغماس في الأزمة السورية أكثر مما هو عليه الأمر, لأن الوضع الداخلي والأحوال الاقتصادية هي التي أوصلته إلى كرسي الحكم, وهو لا يريد لأي شيء أن يشتت جهوده, خاصة إذا ما علمنا أن التركيز على الوضع الداخلي ومشاكله المتراكمة وإظهارها للشعب الإيراني, سيكشف الأسباب الخفية لمزاودات السياسة الخارجية, الأمر الذي قد يحرج المرشد الأعلى.

3- لم يحقق التدخل الإيراني في سوريا الأهداف الكبرى التي سعى إليها, لأنه لم يحقق نتائج كبيرة على أرض الواقع. فقد تمكن حزب الله من استرجاع مدينة القصير من الثوار, وارتكب هناك "جرائم حرب" بحسب منظمات تابعة للأمم المتحدة, كما تحدث الثوار عن أعداد كبيرة من الإيرانيين في ريفي حلب ودمشق, غير أن ذلك لم يغير كثيراً على المستوى العسكري.

بالمقابل فإن عناصر القوة الروسية كثيرة، لكنها غير ثابتة ومشكوك في حقيقتها, كما أنها تخضع للمتغيرات وحسابات المصالح:

1- فروسيا ما زالت تسعى إلى استعادة أمجاد النفوذ السوفياتي السابق, وهذه مهمة مرتبطة بشخص الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين نفسه, وقد وجدت في سوريا مكاناً يمكن أن يحقق ذلك الحلم, مستغلة التردد الغربي في دعم الثورة السورية, وضغوط إسرائيل على الغرب بعدم التدخل في سوريا لترك الصراع يطول أكبر فترة ممكنة.

2- لذلك نجد أن روسيا استخدمت حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن أكثر من مرة لمنع قرارات ضد النظام السوري, وأنها استمرت في مده بالأسلحة والذخائر رغم الانتقادات التي وجهت إليها من قبل الغرب, حتى إن دفاع وزير خارجيتها عن فبركات النظام تجاوز مهارة دفاع النظام عن نفسه في كثير من الأحيان.

3- يضاف إلى ذلك أن أميركا تعترف بالدور الروسي في الأزمة السورية, وأوباما نفسه صرح في بدايات عام 2012 بأنه يمكن لروسيا أن تقوم بدور في المرحلة الانتقالية في سوريا, على غرار ما حدث في اليمن, ولعل ذلك ما يريده الأميركيون من مؤتمر جنيف2, فوجهة نظر السياسة الأميركية هنا أن الروس هم القادرون على إجبار النظام السوري على الدخول في تسوية سياسية تاريخية تنهي حالة القتال التي طال أمدها في سوريا.

روسيا في النهاية لا تؤمن بالنظام السوري بوصفه حليفا حقيقيا لها، بقدر ما تتعامل معه بوصفه ورقة تحصل من خلالها على بعض المكاسب

إن نقاط قوة الموقف الروسي من جهة, ونقاط ضعف الموقف الإيراني من جهة ثانية, هي التي دفعت بالأسد إلى إعادة حساباته والتخلي عن ترسانة الأسلحة الكيميائية استجابة للطلب الروسي, رغم أن أوباما كان يواجه صعوبات في الحصول على تفويض من الكونغرس بضرب النظام السوري.

غير أن المتأمل للأزمة السورية سرعان ما يدرك أن وضع النظام السوري نفسه داخل الملعب الروسي سيكون له نتائج وخيمة عليه، فروسيا في النهاية لا تؤمن بهذا النظام بوصفه حليفا حقيقيا لها، بقدر ما تتعامل معه بوصفه ورقة تحصل من خلالها على بعض المكاسب، فهي لم تبعه في النهاية صواريخ الدفاع الجوي "أس300", وهذا ما أكده بوتين بوضوح في لقاء صحفي خلال قمة العشرين التي انعقدت في بطرسبرغ مؤخراً. يضاف إلى ذلك أنها تريد تجريد الأسد من السلاح الكيميائي, وهو سلاح يعتقد أنه لمواجهة الخطر النووي الإسرائيلي.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن في النهاية: ماذا سيفعل النظام السوري عندما لا يعود يمتلك شيئا يمكن أن يقدمه للغرب؟ فالحدود مع إسرائيل يبدو أنها لن تكون بيده لفترة طويلة حتى يحافظ على هدوئها كما كان يفعل خلال السنوات الأربعين الماضية, كما أن السلاح الكيميائي لن يكون بمقدوره استخدامه بعد منتصف العام القادم. أما "البراغماتية اللاوطنية" وسياسة اللعب على حبال المصالح الإقليمية للقوى الخارجية, فلن تجدي نفعاً بسبب ما يعانيه النظام من وهن وضعف غير مسبوقين؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات