مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

 

انصب الاهتمام في التداول الإعلامي والجدل السياسي على مقاطع يوتيوب للقاءات السرية للفريق أول عبد الفتاح السيسي وبعض قيادات الجيش التي وصلت لشبكة رصد المصرية المؤيدة لثورة 25 يناير، وبثت مؤخراً تفاصيل حديثه المُهم, ولكن ربما لم يُركز على بعض السياقات والمؤشرات الخطيرة في مقدمات الفهم لطبيعة هذه اللقاءات وجذورها في حوار التنظيم الخاص المشكّل من بعض القيادات العسكرية وبرنامج نفوذها الذي يسبق ثورة 25 يناير.

وهو يحمل دلالة مهمة جداً لدور الفريق السيسي ما قبل 30 يونيو/حزيران وانتخاب الرئيس محمد مرسي, وأن قناعات الفريق السيسي المحددة الاتجاهات لم تكن تخضع مطلقاً لأي فكر أو منظومة حقوق أو كفاح وطني، بل وكان مختلفاً حتّى في التعريف لماهية الوطنية المصرية والدولة القومية الراعية لها, التي تختلف كلياً لدى التنظيم العسكري الخاص عن معايير ثورة يناير, وأنها، أي النخبة العسكرية، كانت تسير في برنامج مواز يترقب فرصة لتغيير قواعد اللعبة.

يؤسّس حديث السيسي ونخبته مبكراً لمسار مهم لديهم: أن الجيش الموجه من النخبة الخاصة ليس مؤسسة قومية للشعب تُنفذ عقيدتها القتالية ضد العدو الإستراتيجي، ولكنه مؤسسة مهيمنة على الدولة والسياسة

ولتنظيم هذه الأفكار الرئيسة نُحررها في عناصر محددة لمحاولة تركيز الفهم عن خطط السيسي التي تُفصح لأول مرة, أن لقاءات ممثليه في المخابرات الحربية مع قيادات جبهة الإنقاذ، وتدشين حركة تمرد بكل تفاصيلها، كانت وسيلة لمشروع آخر وليس صناعةً لـ30 يونيو فقط:

1-  أول ما يهم المراقب هو الطبيعة التي كشف عنها الحوار في شخصية الفريق السيسي والنخبة المشاركة, فهي ليست كمجموع قيادات منتقاة للتنظيم الخاص ومن خلال مداخلاتهم شخصيات ضحلة التخطيط ولا التصور, بل كانت شخصيات التنظيم متعمقة في الفهم السياسي وفي شرائح المجتمع المصري, تطرح بعمق أن مهمة المؤسسة العسكرية بالنسبة لها هي محور قيادة الدولة وإدارتها وبالتالي ربط مصالحهم بهذا المفهوم وليس تأسيساً لأجل الوطن القومي لمصر ومجتمعه الشعبي الذي يقوم على أُسس دستورية.

2- يؤسّس حديث السيسي ونخبته مبكراً لمسار مهم لديهم -خاصة أن هناك مؤشرات كبيرة بأن هذا اللقاء سبقته لقاءات أُخرى- أن الجيش الموجه من النخبة الخاصة ليس مؤسسة قومية للشعب تُنفذ عقيدتها القتالية ضد العدو الإستراتيجي، ولكنه مؤسسة مهيمنة على الدولة والسياسة برؤية مركزية لا تخضع مطلقاً لأي إدارة شعبية ديمقراطية.

3- واتضح أن الجيش المصري في هذا المشهد يتكون من قسمين: مجندين وضباطا محترفين في ثكناتهم يسعى التنظيم لاستغلاله, ونخبة تقوده سياسيا وليس عسكريا فحسب, هذه النخبة تم التأسيس لفرزها عبر ثلاثة عقود منذ إعلان مبادرة كامب ديفيد وما تبعها في عصر الرئيسين السادات ومبارك بعد تصفية شخصيات أكتوبر العسكرية وروحهم القتالية, والحديث في اللقاء يؤكد ما نُشر في الصحافة الإسرائيلية والغربية من أن صناعة الجسور بين الولايات المتحدة وإسرائيل وهذه النخبة متقدمة وعميقة جداً.

4- شخصية السيسي رُصدت بقوة في هذا اللقاء وفي توقيت حرج, واتضحت في تصريحات الناطق باسم القوات المسلحة العقيد أحمد علي، ضبابية الرد عليها واضطراب هذه النخبة وحجم المفاجأة التي شكلتها هذه التسريبات, وإن بقي الموقف على وضعه في قرار الهيمنة العسكرية على الدولة المصرية.

الحديث عن صناعة الأذرع الإعلامية، وإيمان النخبة الخاصة بالسيسي بأن الإعلام لا بُد أن يخضع لعناصر التوجيه, وتفاصيل حديثهم عن اللقاءات الخاصة، واضح جداً على الميدان الفعلي للواقع الإعلامي المصري

5- برز السيسي كصاحب شخصية عميقة جدا تحمل تصورا مسبقا ومهمة محددة، وقد كان اللقاء المسرب في ديسمبر/ كانون الأول 2012، يعني قبل انقلاب 30 يونيو/حزيران بستة أشهر، وهو ما يؤشر إلى أن التحضير لهذه الأفكار كان مرتباً من قبل, ومن أهم النقاط أن السيسي نجح في تقديم نفسه للرئيس مرسي كضامن للجيش بعد الإطاحة بالفريق سامي عنان والمشير محمد حسين طنطاوي.

6-  لقد برزت توجهات السيسي الدقيقة وحجم الاختراق الكامل لقدرات الرئيس مرسي الذي اتضح أنه استدرج كلياً ليس لتوزير السيسي فقط، بل لتحييد سلطات الرئيس من قبل المشروع المتصاعد الذي قاده السيسي مبكراً, وكانت ثقة مرسي قاصمة. ورغم صعوبة التنبه لمثل اختراق هذه الشخصيات لمشروع الدكتور مرسي وعبوره إلى خطته من خلال قرار الرئيس, إلاّ أن التجارب السياسية لبعض الرؤساء كانت تُقدم نماذج مختلفة يلجأ إليها الرئيس لإنشاء فريق أمني خاص لكشف مثل هذه الشخصيات وجسورها التي تنعقد خارج مصالح الدولة القومية.

7-  إن التصور السابق يرتبط بسؤال مهم, وهو هل كان الرئيس مرسي في ظل الحصار السياسي الشرس قادراً على تحقيق شيءٍ من التوازن الأمني لصالح الثورة مقابل تغول نخبة السيسي, والجواب كان ذلك صعباً جداً, لكنه يقود إلى ملاحظة مؤلمة وهي: إذن لماذا دُفع بالرئيس مرسي لواجهة الحدث عوضا عن دعم رئيس توافقي ولو نسبيا وحفاظ الثورة على البرلمان القوي، حتى يُخفَّف من نفوذ الدولة العميقة ويُحيّد بعضها؟

8- إن صناعة السيسي أو صناعة المشروع الشريك معه لا يُمكن أن تكون ابتدأت، وفقاً لمراجعة المشهد، من لحظات الانتخابات الرئاسية, بل واضح أن جسور الرجل واندماجه في فكرة تأمين مشروع واشنطن، الشرق الأوسط الجديد، وتحييد قوة مصر عن حدود إسرائيل, له رصيدٌ من العلاقات قد يأتي يومٌ تُكشف فيه سجلاته. فالاحتفاء الإسرائيلي غير مسبوق على الإطلاق فاق احتفاء تل أبيب بزعماء قبله تنعتهم بأصدقاء إسرائيل، وهو يخفي مصالح لها أكبر من نشوة إعلامها وسياسييها بفض رابعة الدامي وسحق الإسلاميين ومعارضي الانقلاب.

9- إن ما تقدم يرفع احتمالات مشروع الحرب على غزة الذي يُمهّد له بتوريط الجيش المصري فيه لتحقيق معادلة توازن تضمن سحق الخصوم وبعض حلفاء الداخل معاً, لتفرّغ يصنع فيه السيسي وحلفاؤه الدولة المصرية من جديد وفقا لقواعد مشروع الشرق الأوسط الأمني والذي تقف حرية الشعوب واستقلال مصر كعائق مركزي لتحقيقه، وبالتالي كان لا بد من إسقاط الربيع المصري.

مع كل هذا التوافق الضخم الشرس على مصر، ستبقى أزمة السيسي قائمة لأن التاريخ يقول إن النظام الذي يُقرر الشعب خلعه لا يملك العالم منعه

10- هناك بلا شك دلائلُ خطيرة في هذا اللقاء كتنظيم ودعم حركة المواجهة المسلحة التي خطط لها السيسي لمواجهة المحتجين على هيمنة العسكر وتحصينها قضائيا, وهو يُلفت النظر لدور المنصة القضائية التي تُنفذ اليوم مذابح قانونية بالجملة، وثقة السيسي الكبرى بأن الفريق المهيمن فيها هو أحد أذرعه.

11- أما الحديث عن صناعة الأذرع الإعلامية، وإيمان النخبة الخاصة بالسيسي بأن الإعلام لا بُد أن يخضع لعناصر التوجيه, وتفاصيل حديثهم عن اللقاءات الخاصة وقول السيسي لأحد الضباط "نحن نعمل على ذلك من فترة" فهو واضح جداً على الميدان الفعلي للواقع الإعلامي المصري, إنما الحرج في كشفه بهذه الصورة المباشرة أمام الرأي العام.

ورغم دقة هذا المخطط والأخطاء التي ارتكبتها التيارات الثورية، وخضوع قطاع واسع من الحركة العلمانية خاصة من الفريق الناصري والقومي ليكونوا أدوات للتغطية الإعلامية والسياسية لتنفيذ مذابح هذه النخبة, إلا أن قراءة المشهد اليوم تؤكد أن حجم المقاومة المدنية للانقلاب تتصاعد وتفاقم مشاكل سلطات السيسي المؤقتة.

وهذا لا يعني كما تتحدث بعض مصادر جمهور رابعة بأن كسر الانقلاب وانتصار الثورة سينجز خلال أسابيع أو أشهر, ولكن المقصود تحول الثورة في كفاحها السلمي لمنهج أطول نفساً مع قدرات مناورة جديدة تخفض عدد الضحايا، وتكسب شرائح إضافية تنضم للميادين رغم شراسة التطرف المسلح لنخبة السيسي، وخاصة مع تفاعل حركتها الطلابية الصلبة والتي ظهر خشية السلطة منها بتأجيل الدراسة في بعض الجامعات الكبرى. وبالتالي تتصاعد تدريجيا حتى يفرض شارعها إسقاط الانقلاب إذا تجنبت مصر الدخول في حلقة أحداث مسلحة كرد فعل على سقوط ضحايا من مناطق وشرائح خارج قيادة رابعة يصعب السيطرة عليها.

إن زحف ثوار 6 أكتوبر الأحد الماضي ذكّر بالعقيدة القتالية للجيش العربي المصري وذكرى انتصاره في حرب 73 على الجيش الإسرائيلي, وهذا خلافا للعقيدة القتالية التي يبثها إعلام مصري واسع بأن العدو هم إسلاميو الداخل والشعبان الفلسطيني والسوري, هذا الزحف الذي وُوجه بحصار الأسلحة الثقيلة للميادين ومذبحة جديدة يُثبت صعود مشروع الثورة التي اندمجت من ثورة يناير إلى رابعة وتساقط كثير من النخب دونها.

وهذه المرة تعقّد المشهد من 1973 لـ 2013 حيث أضحى المشروع الإسرائيلي يرى أن خط بارليف الجديد يُحيط بنخبة السيسي، وأن إسقاط المصريين له يُشكل تهديداً أكبر من خط بارليف الأول, وهو ما يعني أن التغيّر القادم لدعم السيسي لن يقف عند تعديل موقف أوباما، بل عبر انفتاح غربي شامل ومركزي لتثبيت مشروع السيسي, والمراهنة على غير ذلك بيعٌ للوهم, خاصة بعد صفقة طهران وواشنطن في سوريا, ولن تكتمل حلقة الشرق الأوسط الجديد إلا بإحباط الربيع المصري والسوري الذي موّله محور خليجي، والتقت عليه حاخامات إسرائيل الكبرى وعمائم إيران العظمى.

ومع كل هذا التوافق الضخم الشرس على مصر، ستبقى أزمة السيسي قائمة لأن التاريخ يقول إن النظام الذي يُقرر الشعب خلعه لا يملك العالم منعه. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك