عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.

 

 حيثيات الاتفاق ومضمراته
الأزمة ليست أزمة كيميائي

يبدو أن الاتفاق الروسي الأميركي القاضي بالتخلص من الترسانة الكيميائية للنظام الأسدي كان مطلوباً أميركياً، بوصفه مخرجاً من الحرج الذي سيلحق بالرئيس الأميركي باراك أوباما، نظراً لعجزه عن تنفيذ القرار الذي اتخذه بتوجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، عقاباً على استخدامه السلاح الكيميائي في مجزرة غوطتي دمشق الشرقية والغربية في 21 آب/أغسطس الماضي.

لكن القضية تظهر أخطر من ذلك، إذ تشي بأن الاتفاق يدشن سياسة إفلات النظام السوري من العقاب الذي يستحقه على جريمته البشعة، وأن الساسة الأميركيين والروس يحاولون اختصار الأزمة السورية إلى أزمة سلاح كيميائي، بمعنى أن تدمير الترسانة الكيميائية للنظام هو الهدف الأساس، بما يفضي إلى غض طرف الساسة الأميركيين -ومعهم ما يسمى المجتمع الدولي- عن جريمة الحرب الشنيعة التي ارتكبت بحق المدنيين، فضلاً عن الجرائم والمجازر اليومية التي يقوم بها النظام ضد غالبية السوريين منذ أكثر من عامين ونصف.

حيثيات الاتفاق ومضمراته
ويطرح تركيز الإدارة الأميركية على التخلص من ترسانة النظام الكيميائية كثيرا من المضمرات والأسئلة، إذ إن هذه الترسانة جمعها النظام من عرق السوريين وتعبهم، وعلى حساب لقمة عيشهم، منذ عهد الأسد الأب، وذلك على خلفية تحقيق "التوازن الإستراتيجي مع العدو الصهيوني"، بمعنى أن امتلاكها كان يمثل رداً على امتلاك إسرائيل ترسانة نووية.

وكان لسان حال أهل النظام السوري يعتبر أن سوريا تمتلك هذا السلاح لردع إسرائيل عن التفكير باستخدام السلاح النووي ضدها، لكن في حقيقة الأمر أن التوازن الوحيد الذي سعى النظام الأسدي، بنسختيه -الأب والأبن- إلى تحقيقه كان موجهاً ضد غالبية السوريين، والردع الوحيد الذي كان يسعى إلى تحقيقه هو ردعهم عن التحرك أو مجرد التفكير بتعيير النظام.

وبالفعل، لم يستخدم النظام الأسدي هذا السلاح -ولا غيره- ضد إسرائيل مطلقاً، بالرغم من هجمات إسرائيل المتكررة على سوريا، في حين أنه لم يتوان عن استخدامه ضد المناطق السورية الثائرة. ومع ذلك تريد الإدارة الأميركية التخلص من هذا السلاح، خوفاً من أن يقع هذا السلاح بين أيدي جماعات متشددة، ونفياً لأية إمكانية لاستخدامه ضد حليفتها. لذلك كان أوباما يحاول تسويق مقولة أن الضربة المحدودة والضيقة ضد النظام السوري تدخل تحت مسمى "الأمن القومي الأميركي"، الذي يشكل الأمن الإسرائيلي جزءاً هاماً منه.

لم يستخدم النظام الأسدي هذا السلاح -ولا غيره- ضد إسرائيل مطلقاً، بالرغم من هجمات إسرائيل المتكررة على سوريا، في حين أنه لم يتوان عن استخدامه ضد المناطق السورية الثائرة

ويضمر الاتفاق الروسي الأميركي أن الساسة الروس -ومعهم المجرمون في النظام الأسدي- اعترفوا بحصول جريمتهم الكيميائية في مجزرة الغوطتين، لذلك تولى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مهمة الاتفاق مع نظيره الأميركي جون كيري على وضع السلاح الكيميائي تحت المراقبة الدولية ثم تدميره، في سياق محاولة لاختصار الأزمة في جانبها الكيميائي، حيث إن بنود الاتفاق الستة، تتحدث عن قرار -غير ملزم- في الأمم المتحدة ووضعه موضع التنفيذ، مقابل ضمان النظام السوري حق التفتيش للمواقع فوراً.

وفي حالة عدم التزامه بالبنود، فإن مجلس الأمن قد يصدر قراراً تحت الفصل السابع. كما تتحدث بنود الاتفاق على تدمير السلاح الكيميائي، وعلى استكمال التفتيش، وتدمير معدات إنتاج ومزج العناصر وتعبئتها خلال مدة تصل إلى تسعة أشهر، وقد تمتد إلى أبعد من ذلك حسب تقديرات معظم الخبراء، مما يعني منح النظام المزيد من الوقت كي يفتك بغالبية السوريين.

والملاحظ أن بنود الاتفاق الروسي الأميركي تركز فقط على السلاح الكيميائي، بل وتحاول اختزال ما يجري في سوريا في مجرد أزمة سلاح كيميائي، فضلاً عن أن الاتفاق يضع عقبات كثيرة أمام صدقية الولايات المتحدة في استخدام القوة، بل ويعيق أي عمل عسكري أحادي في حال عدم التزام النظام الأسدي ببنود الاتفاق، وحتى في حال استخدامه السلاح الكيميائي مرة أخرى.

وما يسمح به الاتفاق هو فقط تعهد الطرفين بإحالة الموضوع إلى مجلس الأمن، لكن كما هو معلوم فإن أي قرار من المجلس يتطلب موافقة روسيا، التي تعهد ساستها بمنع اتخاذ أي قرار دولي ضد النظام الأسدي تحت الفصل السابع، وقد استخدمت حق النقض (الفيتو) مع الصين ثلاث مرات من قبل ضد مشاريع قرارات ضد نظام الأسد.

ولا شك أن محاولة اختزال الأزمة السورية في أزمة كيميائية جعلت الاتفاق يغض النظر كلياً عما يجري على الأرض من جرائم ومجازر نتجية القصف بالصواريخ البالستية والطائرات والمروحيات الحربية، فضلاً عن قصف الدبابات والراجمات وسواها، وكأن الجانب الإنساني لا يقيم له أصحاب الاتفاق أي اعتبار. كما أن تنفيذ الاتفاق قد يستغرق شهوراً، وما يعنيه من إطالة أمد الأزمة، فضلاً عن انعدام الثقة بالنظام، الذي سيلجأ إلى شتى أنواع المماطلة والخداع والكذب، مع مشاركة ودعم نظرائه الروس.

الأدلة التي قدمها خبراء الأمم المتحدة، الذين حققوا في مجزرة الغوطتين الكيميائية، أكدت على استخدام غاز السارين في 21 آب/أغسطس 2013، الأمر الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بأنه "جريمة حرب"

الأزمة ليست أزمة كيميائي
يشعر سوريون كثر بالخذلان واليأس من تعامل الساسة الغربيين مع الكارثة السورية، التي سببها تعامل نظام الأسد مع الثورة السورية. ولديهم مخاوف واقعية من أن الساسة الأميركيين اتفقوا مع الساسة الروس على إنقاذ النظام الأسدي دولياً، بالنظر إلى مواقف الإدارة الأميركية، وتردد وتشوش مواقف أصحاب القرار فيها، وخاصة الرئيس الأميركي باراك أوباما.

الأخير اتفق مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند على توجيه ضربة عسكرية للنظام الأسدي، ثم تراجع عن ذلك ليرهن أمر الضربة بموافقه الكونغرس، ثم ذهب إلى اجتماع قمة العشرين ليجتمع مع فلاديمير بوتين، ويعقد معه صفقة الكيميائي التي قد تطيل بقاء الأسد إلى ربيع ٢٠١٤ بحماية أضرابه من الساسة الروس.

وبالرغم من أن تقرير خبراء الأمم المتحدة في فريق التحقيق الأممي قدم مؤشرات كافية لتوجيه أصابع الاتهام إلى النظام الأسدي، بوصفه الجهة القادرة على القيام بهجوم بالسلاح الكيميائي -الذي اعترف النظام رسميًا بامتلاكه بعد إنكار طويل، ووافق على تدميره في صفقة روسية أميركية- فإن الساسة الروس والأميركيين قد دشنوا بخطوتهم سابقة خطيرة من سياسة الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الإنسانية.

كما أن الأدلة التي قدمها خبراء الأمم المتحدة الذين حققوا في مجزرة الغوطتين الكيميائية أكدت استخدام غاز السارين في 21 آب/أغسطس 2013، الأمر الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بأنه "جريمة حرب"، واكتفى في كلمته أمام مجلس الأمن الدولي بالدعوة إلى محاسبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيميائي، لكنه لم يقدم آلية محددة لذلك.

وكان المأمول من الأمين العام أن يوجه دعوة للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق بجريمة الحرب التي تحدث عنها، أو أن يطلب تشكيل محكمة لجرائم الحرب خاصة بسوريا، بعد ثبوت استخدام السلاح الكيميائي، الأمر الذي يشير إلى أن النظام الأسدي قد يفلت من العقاب في سابقة دولية خطيرة.

ويعي جميع الساسة الروس والأميركيون وسواهم أن الأزمة السورية لا تختصر في أزمة السلاح الكيميائي الذي يمتلكه نظام الاستبداد، بل تكمن في بقاء هذا النظام في السلطة، واستمراره في قتل المزيد من السوريين، وتدمير أماكن عيشهم وسكناهم، لأنهم قرروا عدم الاستمرار في العيش في ظل حكمه المستبد، وبدؤوا ثورة شعبية بقيت لأشهر عديدة سلمية.

لكن الإمعان في القتل جعلهم يلجؤون إلى حماية أنفسهم وأهلهم من الحرب الشاملة التي يشنها النظام عليهم. ومع ذلك لا ينظر الساسة الروس -ومعهم ساسة دول كثيرة- إلى الثورة السورية، بوصفها قضية عادلة، لأنها ثورة شعب، عدوها الأول هو نظام الطاغية.

بصرف النظر عن الاتفاق الروسي الأميركي حول تجريد النظام من السلاح الكيميائي، فإن العامل الحاسم والمحدد لاتجاهات حلّ الأزمة السورية هو الثورة الشعبية السورية

ولم تلق الثورة السورية أي دعم حقيقي سوى من أبنائها، ودعماً محدوداً من بعض الدول العربية والصديقة للشعب السوري، في حين أن النظام تلقى دعماً وإسناداً غير محدودين على مختلف الصعد من طرف قوى دولية وإقليمية، وخاصة من طرف روسيا وإيران ومليشيات حزب الله اللبناني ومليشيات مذهبية عراقية وسواها.

لذلك لا يتحدث رموز النظام الروسي بشيء عن دعمهم المتعدد المستويات للنظام الأسدي، الذي يشن حرباً شاملة على الثورة وناسها، مارس فيها أبشع الممارسات والانتهاكات، وأطلق العنان لكل ممكنات التطرف ولمختلف النعرات. ولعل رهانهم على النظام الأسدي يعكس شيئاً عن طبيعة وتركيبة نظامهم السياسي.

كما أن دفاع النظام الإيراني عن نفس النظام، ورهانه عليه، يعكس أيضاً طبيعة تركيبة النظام الإيراني، ويضيف خصوصية إلى خصوصيات الثورة السورية، التي لا تتلخص في مواجهة نظام دموي له امتداداته الإقليمية والدولية، بل يجسدها ارتباط النظام بشبكة تحالف دولية وإقليمية صلبة، لا يحصرها الحفاظ على تركيبة الأنظمة، بل تمتد إلى تأبيد رموزها، ومصادرة حقوق عامة الناس، واحتلال الفضاء العام، وبسط هيمنات وأجندات، وسواها.

وبصرف النظر عن الاتفاق الروسي الأميركي حول تجريد النظام من السلاح الكيميائي، فإن العامل الحاسم والمحدد لاتجاهات حلّ الأزمة السورية هو الثورة الشعبية السورية، التي باتت تتحكم قواها الفاعلة في تطور الأحداث بشكل كبير، وأضحت سرعة الخلاص من نير الاستبداد والقمع مرهونة بتلاحم وتكاتف جهود مختلف قواها الفاعلة على الأرض.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك