عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي



الأزمة وجذورها
عن أية شرعية تتحدثون
في معنى الحوار وشروطه

سنتان مرتا على أول انتخابات حرة وتعددية في تونس انتظمت في الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2011، ويبدو أن المرحلة الانتقالية التي نتجت عنها وصلت إلى طريق مسدود بسبب الأزمة الشاملة التي لم يعد بإمكان أي طرف إخفاؤها.

إنها أزمة تهدد الدولة في تماسكها والشعب في قوته والانتقال الديمقراطي في مساره، في ظل هذا الوضع الحساس اجتمعت الأطراف السياسية بدفع من المجتمع المدني لمحاولة إيجاد مسلك للخروج من وضع الانسداد الحالي.

الأزمة وجذورها
لقد أصبح من غير الممكن لأي سياسي نزيه اليوم أن يخفي الأزمة الخانقة التي تعيشها تونس وعلى كل المستويات ولعل أخطرها هما الملفان الأمني والاقتصادي ثم ملف الانتقال الديمقراطي.
فعلى المستوى الأمني تشهد تونس خطر الامتداد الإرهابي بشكل لم يعد بالإمكان معه إنكار الظاهرة كما حصل منذ سنتين.

أزمة تونس تهدد الدولة في تماسكها والشعب في قوته والانتقال الديمقراطي في مساره، وفي ظل هذا الوضع الحساس اجتمعت الأطراف السياسية بدفع من المجتمع المدني لمحاولة إيجاد مسلك للخروج من وضع الانسداد الحالي
بطبيعة الحال يمكن أن نتفهم في جانب ما هذه الظاهرة باعتبارها دولية ثم باعتبار ظرف ما بعد الثورة في تونس وفي المنطقة، والذي سهل تنقل السلاح والأشخاص عبر الحدود.

لكن هذه المعطيات لا يجب أن تحجب عنا المسؤولية السياسية والأخلاقية لحكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة في هذا المأزق الأمني.

ففي عهدها توسعت أنشطة المجموعات الإسلامية المتشددة والمعروفة باسم أنصار الشريعة سواء بالاستحواذ العنيف على المساجد أو بتنظيم أنشطة تجارية لضمان التمويل، ولم يقتصر الأمر على هذا الحد بل تعداه لإدخال السلاح من ليبيا وحتى لتركيز معسكرات للتدريب.

كل هذا يجري في وقت كانت فيه حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة تعتبر أن الحديث عن الإرهاب فيه الكثير من التضخيم وغايته إفشال الحكومة.

ووصل الأمر حد اتهام نقابات الأمن من طرف علي العريض وزير الداخلية آنذاك، بأنها تشتغل لحساب جهات أجنبية عندما أبلغت عن هذه المعسكرات والحال أنهم شباب يمارسون الرياضة كما قال.

لكن الواقع أثبت اليوم صحة ما كان يقال، كما أثبت صحة قول المعارضة وقوى المجتمع المدني التي طالما نبهت إلى عنف المجموعات المسماة سلفية في حين كان راشد الغنوشي يقول إنهم أبناؤنا ويبشرون بثقافة جديدة.

لقد تفجرت كل هذه الملفات بعد اغتيال المناضلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عندما ثبت بما لا يدع مجالا للشك تورط تنظيم أنصار الشريعة في العمليتين، وربما ثبت أكثر من ذلك مما يورط بعض الأجهزة في وزارة الداخلية من خلال التغاضي عن تحذيرات ثابتة من اغتيال النائب محمد البراهمي قدمتها استخبارات أجنبية.

لقد أصبح من الثابت لدى أغلبية الشارع التونسي أن الحكومة الحالية ضالعة في تدني الوضع الأمني على الأقل من خلال التهاون الذي أبدته في التعامل مع المجموعات المتطرفة.

الملف الاقتصادي وصل بدوره إلى مستويات شديدة الخطورة والتي لا تفسر فقط بطبيعة الظرف التونسي والدولي ولا بالاحتجاجات لأن عددها تراجع كثيرا، بل تفسر بضعف الأداء السياسي.
إن من بين أولى العقبات التي تعيق عودة النمو الاقتصادي هو غياب أفق سياسي واضح للمسار الانتقالي مضبوط بمواعيد واضحة حول الانتخابات وحول إنهاء الدستور.

مسؤولية هذه الضبابية تعود بطبيعة الحال إلى المسؤول الأول عن المسار الانتقالي وهو المجلس التأسيسي الذي أصبح وسيلة لتمطيط المرحلة الانتقالية وربح الوقت، حيث سجلنا أكثر من عشرة تواريخ لإنهاء الدستور وإجراء الانتخابات دون أن يحترم أي منها.

هكذا نفهم اليوم كيف أصبحت البلاد تعيش على القروض وكيف أن المقرضين بدؤوا يتراجعون عن تعهداتهم كما هو حال البنك الأفريقي للتنمية وفق ما أفاد به محافظ البنك المركزي نفسه.

هذا لا يعني أن الاقتصاد لم يعد قادرا على إنتاج الثروة فقط بل إن إمكانيات الاقتراض أصبحت بدورها جد ضيقة.

ومن البديهي القول هنا إن انعكاسات هذا الوضع الاقتصادي على الوضع الاجتماعي الذي أصبح كارثيا بسبب غلاء الأسعار وارتفاع البطالة تعطل عجلة التنمية، والحال أن الثورة قامت أساسا على خلفية تدهور الوضع الاجتماعي خاصة في تونس الداخلية.

أما على مستوى المهمة الرئيسية التي كلف بها المجلس التأسيسي والمتمثلة في تأمين الانتقال الديمقراطي عبر إرساء المنظومة القانونية والمؤسساتية فيمكن القول إن هذا المجلس قد أضاع من الوقت الكثير دون أن ينجز إلا ما قل منذ سنتين.

ففيما يتعلق بالدستور تقول حركة النهضة إن المشروع قد أنجز بنسبة تسعين بالمائة، ولكن ما لا يقال إن العشرة بالمائة المتبقية هي التي تتضمن كل النقاط الخلافية الرئيسية والتي تخص طبيعة النظام السياسي وتضمين مدنية الدولة واستقلالية القضاء والأمن الجمهوري والأحكام الانتقالية.

ولو بقي المجلس التأسيسي يعمل بنفس الآليات القديمة والمؤسسة على عقلية الأغلبية دون التوافق لدام الأمر سنة أخرى أو أكثر.

أما على المستوى المؤسساتي فلم تنجز العدالة الانتقالية المنشودة مما جعل من ملف الفساد مجالا للابتزاز والتلاعب السياسي.

كما أن الهيئة التعديلية للإعلام لم تر النور إلا في الآونة الأخيرة وهي من دون موارد ولا مقر مثلها مثل الهيئة الوقتية للقضاء العدلي.

وحتى بعد تركيز الهيئتين فقد تعمدت الحكومة إجراء بعض التعيينات في هاذين المجالين دون العودة لهذه الهيئات المنبثقة عن المجلس التشريعي الشرعي وفي خرق واضح للقانون.

ولم تقتصر التعيينات على هاذين المجالين بل شملت التعيينات الحزبية الإدارات الجهوية والمحلية في مخطط ترى المعارضة أنه يستهدف المسار الانتخابي المقبل ويهدد المرحلة الانتقالية برمتها.

إذ كيف تؤمن انتخابات حرة ونزيهة في ظل تخويف الصحفيين وعدم استقلالية الإدارة والقضاء وعدم مراقبة التمويل الخارجي للأحزاب والجمعيات.

الحديث عن الشرعية مجرد غطاء لإخفاء حقيقة الأزمة، لأن الشرعية مرتبطة بإنجاز أهداف وهذا ما لم يتحقق، فالبلاد على حافة الانهيار، ثم إن الشرعية الانتخابية لا تستقيم في حال عدم وجود حيز زمني يضبطها، وهو الحال اليوم في تونس
في ظل هذا الوضع من الطبيعي أن يمر الحل عبر حل الحكومة لأن الأزمة أزمة سياسية بالأساس وهي أزمة حكم منبعها التسيير الحزبي للدولة وللمرحلة الانتقالية. لهذا السبب انبنت خارطة طريق رباعي المجتمع المدني الراعي للحوار على مبدأي الإقرار بوضع الأزمة ثم حل الحكومة وتعويضها بأخرى غير متحزبة والإسراع في إنهاء الدستور.

عن أية شرعية تتحدثون
مقابل هذه الحصيلة الهزيلة والخطر الذي يتهدد البلاد والمسار الانتقالي لم تجد الترويكا الحاكمة وعلى رأسها حركة النهضة من بد سوى التمترس وراء مقولة الشرعية لتغطية هذه الوضعية المتأزمة.

ووصلت الانفعالية حد اعتبار مطلب الاستقالة -وهو مطلب عادي في التقاليد السياسية الديمقراطية- ضربا من ضروب الانقلاب لتصف خصومها بالانقلابيين في استحضار مرضي للتجربة المصرية التي لا علاقة لها بما يحصل في تونس، لكن هذه الشرعية هي بدورها محل جدل وتشكيك وذلك لعدة أسباب.

كانت الشرعية التي بمقتضاها تمت الانتخابات محددة قانونا بسنة واحدة ومهمتها الأساسية إنجاز الدستور، وقد تم تعزيز هذا النص القانوني من خلال التزام الأحزاب الكبرى بما فيها النهضة قبل الانتخابات من خلال وثيقة جماعية على عدم تجاوز مهلة سنة لإتمام الوضع الانتقالي.

أكثر من ذلك لم تشكك أغلب الأحزاب في هذا الالتزام بسنة واحدة خلال حملتها الانتخابية، وهذا يعني أن الناخب التونسي -وهو مصدر الشرعية- عندما وضع ورقته الانتخابية كان على أساس أن المدة الانتقالية هي سنة فقط.

لكن ما راعنا بعد الانتخابات هو أن الأغلبية داخل المجلس التأسيسي رفضت منذ البداية ضبط قانون يحدد مدة عمل المجلس وكان ذلك بمثابة أول انقلاب على الشرعية الأخلاقية (التعهد الممضى) وعلى الشرعية الشعبية.

بعد ذلك تم الالتفاف الثاني على المجلس نفسه من خلال القانون المؤقت لتنظيم السلطات (الدستور الصغير) عندما تم تحويل كل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة والحال أن أغلب الأحزاب كانت تنتظر نظاما تتوازن فيه السلطات، وهذا ما جعل الحكومة تتصرف في الشأن العام دون رقابة.

ولا أدل على ذلك من أن لجان تقصي الحقائق التي تنبثق عن المجلس التأسيسي في حالات العنف، كما تم على المتظاهرين يوم 9 أبريل/نيسان 2012 وعلى اتحاد الشغل يوم 4 ديسمبر/كانون الأول من نفس السنة، عادة ما تقبر بسبب غياب أي تجاوب من الحكومة.

هذه بعض المعطيات التي تجعل من الشرعية مجرد عباءة لإخفاء واقع الأزمة والتغطية على المسؤولية، لكن الأهم من هذا كله أن الشرعية الانتخابية مرتبطة بشيئين أساسيين لا يمكن بدونهما الحديث عن شرعية.

أولا هي مرتبطة بإنجاز أهداف وهذا ما لم يتحقق بل شارفت البلاد على حافة الانهيار، ثم إن الشرعية الانتخابية لا تستقيم في حال عدم وجود حيز زمني يضبطها، وهو الحال اليوم في تونس من خلال غياب تاريخ الانتخابات المقبلة.

في معنى الحوار وشروطه
تتحدث كل الأحزاب التونسية تقريبا عن الحوار ومدى تمسكها به وعن التوافق كوسيلة للخروج إلى بر الأمان في ظل ربيع عربي لم يبق من شموعه سوى الشمعة التونسية.

لكن أغلب هذه التصريحات لم تخرج في واقع الأمر من باب التصريحات الاستهلاكية التي تخفي بعض الحقائق السياسية، فالحوار بين الأطراف السياسية في تونس لم يبدأ خلال هذا الشهر بل كان قد بدأ في مرحلة أولى في مقر الاتحاد العام التونسي للشغل في نهاية السنة الماضية، لكن حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية قاطعوا الحوار بدعوى حضور حزب نداء تونس مما أفشل المبادرة.
مبادرة الأطراف الراعية للحوار تمت بلورتها على أساس الإقرار بوجود أزمة ناتجة عن فشل التسيير الحكومي، ثم الإقرار بضرورة تغيير الحكومة، في حين أن أحزاب الترويكا لا تقر بوجود أزمة أصلا
ثم انطلقت جولة أخرى من الحوار بعد اغتيال المناضل شكري بلعيد في السادس من فبراير/شباط 2013 وحضرت في هذه المرة كل الأحزاب وحصلت توافقات مهمة باركتها القيادة السياسية للنهضة.

لكن ممثلي هذا الحزب داخل المجلس التأسيسي رفضوا إدراجها في مشروع الدستور بدعوى أنها لم تأت من داخل المجلس نفسه.

وقد خلق هذا الوضع أزمة كبيرة بين الأطراف السياسية، قال البعض إنها أزمة ثقة لكن يبدو أنها أصبحت أخطر من ذلك، أي أزمة مصداقية خاصة وأن بعض الالتزامات التي يصرح بها رئيس الحركة راشد الغنوشي تكذب مباشرة من طرف مسؤولين آخرين من حزبه أو يتم إفراغها من محتواها.

المشكل الثاني الذي يعترض الحوار الوطني اليوم هو أن مبادرة الأطراف الراعية من المجتمع المدني وعلى رأسها اتحاد الشغل، تمت بلورتها على أساس الإقرار بوجود أزمة ناتجة عن فشل التسيير الحكومي، ثم الإقرار بضرورة تغيير الحكومة، في حين أن أحزاب الترويكا لا تقر بوجود أزمة أصلا، كما أن ما يسمى بالمبادرة هي في الحقيقة خارطة طريق تتطلب الموافقة عليها الدخول في حوار حول آليات تطبيقها وليس حول مبادئها.

لكن في النهاية لم يعد أمام الترويكا الحاكمة سوى القبول بالأمر الواقع لأنها هي بنفسها أول المتضررين سياسيا من البقاء في الحكم، فقد تراجعت نية التصويت للأحزاب الحاكمة كثيرا كما تبين ذلك جل استطلاعات الرأي التي لا تعطيها أية فرصة للوصول إلى الحكم في الانتخابات المقبلة.

كما أنه من مصلحة البلاد أن تتكون حكومة غير منتمية للأحزاب وقادرة على توفير الشروط الموضوعية لإقامة انتخابات حرة ونزيهة تنهي المرحلة الانتقالية وتدخل البلاد مرحلة الاستقرار الديمقراطي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك