فتح اجتماع وزيري خارجية أميركا وروسيا في موسكو (7 مايو/أيار 2013) واتفاقهما على عقد مؤتمر جنيف2 حول سوريا، وما تلاه من لقاءات بينهما ومع أطراف دولية وإقليمية، باب الحديث عن حل سياسي للملف السوري، وعن مفاوضات بين النظام والمعارضة لتنفيذ وثيقة جنيف1 التي اتفق عليها يوم 30 يونيو/حزيران 2012.

ومن هذه اللقاءات لقاء الرجلين في دبلن (9 أغسطس/آب2013)، وجنيف (14 سبتمبر/أيلول 2013)، ونيويورك (27 سبتمبر/أيلول 2013)، ولقاءات بيرنز وبوغدانوف والإبراهيمي في جنيف، وبايدن ولافروف في ميونيخ، والخطيب بكل من بايدن ولافروف وصالحي في ميونيخ، وكيري والجربا في نيويورك (25 سبتمبر/أيلول 2013)، وكيري والإبراهيمي في لندن (14 أكتوبر/تشرين الأول 2013).

وقد عكست اللقاءات والدعوات والمواقف وجود توجه دولي إلى الاتفاق على حل "بالتراضي" بين النظام السوري والمعارضة بذريعة استحالة الحسم العسكري، والخسائر الكبيرة التي ستقع نتيجة استمرار الصراع، والتوجس من تمدده إلى دول الجوار، والخوف من تنامي قوة الجهاديين والمخاطر التي تترتب على ذلك.

غير أن قراءة مدققة في التطورات الميدانية والسياسية، المحلية والإقليمية والدولية، تشير إلى خلفية مختلفة، فالدول الكبرى التي تعاطت مع الثورة السورية تبعا لمصالحها الخاصة، واستغلت الحدث السوري ووظفته كساحة للضغط على خصومها، وكورقة للمساومة على ملفات عالقة بينها، وجدت نفسها في مأزق حاد على خلفية تقدم الثورة السورية وتحقيقها مكاسب على الأرض.

الدول الكبرى التي تعاطت مع الثورة السورية تبعا لمصالحها الخاصة، واستغلت الحدث السوري ووظفته كساحة للضغط على خصومها، وكورقة للمساومة على ملفات عالقة بينها، وجدت نفسها في مأزق حاد على خلفية تقدم الثورة وتحقيقها مكاسب على الأرض

وهذه المكاسب قد تمنحها فرصة الانتصار على النظام وحسم الصراع قبل أن تنجز هي صفقتها، خاصة أن لانتصار الثورة مترتبات محلية وإقليمية ودولية كبيرة وخطيرة على مصالحها ومصالح حلفائها الإقليميين، وعلى البيئة الإقليمية، وخاصة شعوب المنطقة لجهة تحفيزها على النهوض لإحداث تغيير في واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ناهيك عن إدراك الدول الكبرى للخسائر التي ستلحق بها، إن لجهة المصداقية بالنسبة لأميركا وأوروبا، أو لجهة العلاقات المستقبلية مع شعوب العالمين العربي والإسلامي بالنسبة لروسيا والصين.

ولأجل ذلك لجأت إلى التفاهم على حل الصراع على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، والعمل على ضبط إيقاعه والتحكم بتطوراته عبر الضغط على طرفيه وعلى الدول الفاعلة والمؤثرة فيه، وخلق حالة مراوحة واستنزاف وإنهاك الطرفين لإقناعهما بالقبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، عبر تجفيف موارد الثوار المالية والعسكرية من جهة، والتلويح للنظام بتسليح المعارضة وتحويل الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية واستخدام القوة ضده عبر إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بخصوص أسلحته الكيميائية تضمن الإشارة إلى الفصل السابع من جهة ثانية.

واللافت أن هذه الدعوات مقطوعة الصلة عما يدور على الأرض، فالنظام الذي اعتمد الخيار العسكري للرد على مطالب الثوار ما زال عند موقفه من هذه المطالب، إذ ما زال يرفض الاعتراف بالثورة والمعارضة ويتحدث عن مؤامرة وجماعات إرهابية وتكفيرية، ويكرر مقولته حول الحوار "تحت سقف الوطن"، وتقسيمه الثوار بين إرهابيين سيستمر في محاربتهم، ومغرر بهم، ومعارضة شريفة وأخرى مرتهنة للخارج، وهذا ليس أكثر من وصفة لإغلاق الباب على المفاوضات.

أثارت الدعوات والمواقف التي أعلنت محليا وإقليميا ودوليا، بالسلب أو بالإيجاب، آمالا ومخاوف، قلقا وتوجسا، على خلفية الفرص والمخاطر التي تنطوي عليها، والشك وعدم اليقين في إمكانية تحقيقها في ضوء ما كشفته من خلافات وانقسامات سياسية بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية حول شروط عقد المؤتمر والدول التي ستشارك فيه.

فمن جهة هناك تحفظ من النظام على مشاركة أطراف في المعارضة يعتبرها إرهابية وغير وطنية لأنها حملت السلاح أو دعت إلى التدخل الخارجي ويشترط إلقاءها السلاح قبل التفاوض معها، كما على مشاركة أوروبا.

المعارضات السورية من جهتها موزعة على مواقف متعددة ومتعارضة إلى درجة التناقض بين الائتلاف الذي يقبل المشاركة بشروط (ضمانات عربية وإسلامية)، والمجلس الوطني الذي يرفض المشاركة ويهدد بالانسحاب من الائتلاف إذا ما وافق على المشاركة، وقيادة الجيش السوري الحر التي ترفض المشاركة وتربطها بشروط توازن على الأرض وتنحي رأس النظام ومحاسبة المجرمين، وكتائب غير منضوية في الجيش الحر لا تعتبر نفسها معنية بالدعوة على خلفية أجندتها الخاصة ومشروعها السياسي.

قوى معارضة أخرى ابتداء من هيئة التنسيق الوطنية التي تعتبر الفكرة فكرتها ولذا أعلنت استعدادها للمشاركة، إلى تيار بناء الدولة المؤيد للمشاركة، ومعارضة موالية للنظام كالجبهة الشعبية للتغيير والتحرير (قدري جميل وعلي الشيخ حيدر)، وأحزاب شكلت برعاية رسمية تعتبر نفسها طرفا معارضا وشريكا في المؤتمر.

أما الدول الإقليمية التي انحازت إلى النظام أو تلك التي انحازت الى المعارضة، فليست على موجة واحدة، فإيران التي تقف إلى جانب النظام بقوة، ترى في مشاركتها في المؤتمر اعترافا بقوتها وبدورها الإقليمي، لكنها تفضل تحقيق اختراق في ملفها النووي قبل عقد المؤتمر كي تستخدم الملف السوري كورقة على طاولة التفاوض حول ملفها النووي. لذا فإنها تتحدث عن حل سوري دون تدخل خارجي، ولم تستجب لطلب أميركي بالاعتراف بجنيف1 كي تشارك في جنيف2.

والنظام العراقي الذي يؤيد النظام السوري لاعتبارات تتعلق بتبعيته لإيران، مع حل سياسي نتيجة تخوفه من تمدد الأزمة إلى داخله، في ضوء اشتراك تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في القتال بسوريا.

موقف الدول الداعمة للثورة من جنيف2 مركب وملتبس، فهي مع إسقاط النظام بالقوة لانعكاس ذلك على إيران ومشروعها الإقليمي، وهي مع عقده إرضاء لواشنطن، لكنها تخشى تداخله مع الملف النووي الإيراني وعقد صفقة أميركية إيرانية تخرج فيها منتصرة
في المقابل فإن موقف الدول الإقليمية الداعمة للثورة من عقد المؤتمر مركب وملتبس، فهي مع إسقاط النظام بالقوة لانعكاس ذلك على إيران ومشروعها الإقليمي، وهي مع عقده إرضاء لواشنطن، لكنها تخشى تداخله مع الملف النووي الإيراني وعقد صفقة أميركية إيرانية تخرج فيها الأخيرة وقد حققت مكاسب في سوريا والإقليم.

لأجل ذلك فإنها تتحفظ على مشاركة إيران ما لم توقف دعمها للنظام وتسحب أتباعها (فيلق القدس، وحزب الله اللبناني، وكتائب حزب الله العراقي، وعصائب أهل الحق، والحوثيين)، وتدفع أطرافا سورية سياسية وعسكرية لرفض المؤتمر.

أميركا وروسيا منقسمة حول طبيعة وفد المعارضة بين وفود مستقلة كما تطالب موسكو، ووفد موحد تحت مظلة الائتلاف الوطني السوري كما تطرح واشنطن.

لكن ومع كل هذه التباينات فإن الدعوات إلى جنيف2 وتطورات الوضعين الميداني والسياسي تطرح على المعارضة ضرورة تعميق التواصل مع المجتمع الدولي، والتعاطي مع تحركاته ودعواته بإيجابية ومرونة، وعرض مطالبها ومواقفها مما يطرح بشكل منطقي وعملي، وأن تكون جزءا من المعادلة والحل، حاضرة على الطاولة بصورة مناسبة مع تصور كامل وفق المحددات الآتية:

1- ربط موقفها من أي مبادرة بحقيقة ما يجري في سوريا: ثورة شعبية ضد نظام استبدادي عائلي وفاسد، والعمل على تحقيق أهداف الثورة أو الرئيسي منها عبر نقل السلطة ووضع سوريا على طريق الانتقال إلى نظام ديمقراطي تعددي.

2- ربط موافقتها على أي مبادرة بموافقة قوى الثورة وفعالياتها ليس باعتبار الأخيرة أم الولد فقط بل لأنها مصدر الشرعية الثورية، ناهيك عن أنه لا قيمة حقيقية لموقف المعارضة السياسية ما لم تتأكد القوى الاقليمية والدولية من قدرتها على الحصول على موافقة الثوار على أي اتفاق يتم التوصل إليه، فموافقة قوى الثورة تمنح أي اتفاق صدقية وقابلية للتنفيذ.

3- تفعيل بنود خطة كوفي أنان (وقف العنف، وسحب الجيش، والإفراج عن المعتقلين، والسماح بالتظاهر السلمي، والسماح لوسائل الإعلام بالدخول لتغطية الأحداث، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية) والمطالبة بتنفيذها كاملة، ووضع وقف القتل والتدمير كشرط أولي لأي انطلاقة سياسية.

4‌- العمل بدأب ومثابرة على توفير احتياجات الثوار المالية والعسكرية كي يصمدوا أولا، وكي يحققوا تقدما ويخلقوا وقائع على الأرض يفرضون عبرها توازنا قويا لصالح الثورة، ذلك أن النظام لن يقبل بمطالب الثورة ويسلم بهدفها الأول: نقل السلطة، ما لم يشعر بأنه قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة من جهة، وتقوية موقف المعارضة التفاوضي وتصليبه في مواجهة ضغوط القوى الإقليمية والدولية التي ستسعى لتمرير مصالحها عبر صيغة الاتفاق من جهة ثانية.

فاللحظة السياسية الراهنة بتعقيداتها ومخاطرها تستدعي من المعارضة بشقيها السياسي والعسكري تحركا إستراتيجيا يأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات الميدانية والسياسية، الثابتة والمتغيرة، مرتكزاته:

1- لا يمكن لقوة سياسية استبعاد الخيار السياسي بالمطلق، فالسياسة هي الوجه الآخر للحرب، ولكن مع التمسك بالجوهري وهو أن لا يأتي الحل السياسي على حساب الثورة وأهدافها، فالموقف من أي حل سياسي يطرح مرهون بمدى استجابته لمطالب الثوار وتحقيقه لأهداف الثورة، لذا يمكن الانفتاح على الخيار السياسي والتعاطي مع الحلول التي تعرض بدلالة مطالب الثوار وأهداف الثورة والسعي لتحقيق هذه الأهداف أو الرئيسي منها عبر الحل السياسي.

2- التعاطي مع المبادرات باعتماد القوانين التي تحكم الصراعات السياسية والعسكرية وتفيد بحصول كل فريق على أهدافه بقدر ما يتناسب مع وضعه على الأرض، لذا لا تصل المفاوضات إلى نتائج محددة ما لم يكن مؤشر ميزان القوى الشامل للعوامل السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية واضحا وحاسما لصالح طرف من أطراف الصراع، وإلا فستكون المفاوضات إما بلا نتيجة أو تكرس حالة "لا غالب ولا مغلوب".

وهذا يتطلب تقدير موقف دقيق لميزان القوى على الأرض وللمواقف الإقليمية والدولية، وتحديد التصور والتوقيت المناسب للتحرك السياسي.. صحيح أن السياسة هي فن تحقيق الممكن، لكنها فن تغيير ميزان القوى كذلك.

لا يمكن لقوة سياسية استبعاد الخيار السياسي بالمطلق، فالسياسة هي الوجه الآخر للحرب، ولكن مع التمسك بالجوهري وهو أن لا يأتي الحل السياسي على حساب الثورة وأهدافها، فالموقف من أي حل مرهون بمدى تحقيقه لأهداف الثورة
3- الانفتاح على المبادرات السياسية والتعاطي معها بمسؤولية وجدية واعتماد العقلانية والعمليانية، فالعقلانية السياسية تستدعي أولا وقبل كل شيء وجود تقدير موقف دقيق لقابلية نجاح المفاوضات قائم على دراسة لميزان القوى وتداخلاته، ولمواقف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، ولاحتمالات التعاطي الإيجابي معها ومع نتائجها.
 
وتستدعي ثانيا تخطيطا نظريا وعمليا لإستراتيجية التفاوض وتحديد التوقيت المناسب للانخراط فيه كي يحقق المطلوب، وتستدعي ثالثا وضع بدائل كي لا يقع وفد التفاوض في مأزق الخيار الواحد في حال عدم نجاحه في تمريره.

كما تستدعي رابعا وأخيرا ضمان وحدة موقف القوى التي يعبر عنها الوفد التفاوضي ووجود رأي عام فيها قابل بها، كي لا ينقل المعركة إلى داخل صفوفه وتتحول المفاوضات إلى أداة تمزيق وتشتيت لقواه الذاتية.

وفي حالتنا وفي ضوء الوضع الراهن، تستدعي العقلانية السياسية خلق إجماع بين المعارضة وقوى وفعاليات الثورة حول أي خطوة سياسية أو غير سياسية.

وهذا يستدعي نقاشا معمقا بينها للوصول إلى موقف موحد، وتوفير احتياجات الصراع لتحقيق انتصارات ومكاسب ميدانية ترجح كفة الثورة على الأرض، كي تفرض على النظام وداعميه القبول بمطالبها.

4- التحرك المنضبط والمنسق بحيث تكون خطواتنا مدروسة وموزونة وردود أفعالنا محسوبة بدقة، والحذر من بعض المبادرات التي تطرحها قوى إقليمية أو دولية في إطار إدارة أزمة أو كبالونات اختبار، والحذر من الاستنزاف وتضييع الوقت والجهد في مبادرات غير جادة، والحذر من الوقوع في فخ الاستدراج إلى مبادرات مبهمة وغير واضحة المآل كالتي تطرح الآن للبدء بحوار دون حدود وضوابط وغايات، أو الذهاب إلى المفاوضات دون تحضير جيد ودون مرجعية تحدد طبيعة المؤتمر وأهدافه وسقفه الزمني.

فكما أن الشعب السوري يستحق نظاما أفضل فإن بلوغ أهداف الثورة النبيلة يستحق تحركا جادا ومدروسا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك