محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي



تعود المطالبون بالحقوق المدنية وبالحريات في كل مكان في العالم أن يطالبوا برفع يد الدولة عن وسائل الإعلام، أو بمنع تملك الدولة لوسائل الإعلام أو بإلغاء وزارة الإعلام نفسها، وصارت هذه المطالبات أمرا معهودا.

ولما وجدت الولايات المتحدة الأميركية نفسها في نهاية القرن العشرين مطالبة بالوقوف أمام دكتاتوريات تغولت على كل شيء من قبيل دكتاتورية صدام حسين، بدأت الأجهزة الفيدرالية الرسمية تستدعى الوسائل الكفيلة بإضعاف مثل هذه الدكتاتوريات، بل بدأ التفكير الأميركي الجاد نحو المساعدة على تأسيس صحافة بديلة وإعلام بديل في داخل كيانات الدول الدكتاتورية التي لم تقبل بفكرة إضعاف قبضتها المسيطرة على وسائل الإعلام الصحفية والتلفزيونية على حد سواء.

وفي هذا الإطار نجحت الولايات المتحدة بكل اقتدار في تنمية ما أطلقت عليه اسم جماعات ديمقراطية، وفي صناعة مجموعة صور من تجارب صحفية وطنية يمكن لها أن تكون مستقلة عن الدولة التي تصدر فيها وإن لم تكن مستقلة عن الدولة الداعية إلى نشأتها والداعمة لها.

وهكذا عرفت مصر في وقت متوازن صدور صحيفتين مستقلتين لا تزال إحداهما مؤثرة إلى حد بعيد، وأصبح في وسع المواطن المصري أو العربي أو المستعرب الذي يمر بمصر في طريق سفره أن يقرأ بالعربية الأخبار والتعليق عليها في صحيفة لا هي مملوكة للدولة ولا هي مملوكة لأحزاب المعارضة التي كادت تكون هي نفسها مملوكة للدولة.

لما كان الأمن المصري معروفا بـ"يقظته" في متابعة "المواليد" الجدد، فإنه سرعان ما حقق سيطرة فائقة على الصحف الوليدة، وتمثلت هذه السيطرة من خلال عدة محاور تمثل فيها وتجمع إبداع المصريين المحدثين في إفساد كل شيء

ولما كان الأمن المصري بأجهزته المتعددة والمتنافرة معروفا بـ"يقظته" في متابعة "المواليد" الجدد، والواردين الجدد أو المهاجرين! وكذلك بتفوقه في رعاية "الأمومة والطفولة" على طريقته هو، فإنه سرعان ما حقق سيطرة فائقة على هذه الصحف وتمثلت هذه السيطرة من خلال عدة محاور تمثل فيها وتجمع إبداع المصريين المحدثين في إفساد كل شيء:

أولا: فعلى الرغم من أن التجربة الصحفية الناجحة وفرت أجورا تكاد تبلغ أربعة أضعاف الأجور المتاحة في مصر (في المستوى العام) وتبلغ عشرة أضعاف الأجور المتاحة (على مستوى رؤساء التحرير) فإن المكافآت غير المباشرة الآتية من الدولة في صورة عينية وعقارية ونقدية كانت أكبر بكثير من أن يتحمل الصحفيون المستقلون (!) فكرة رفضها وهي تأتيهم على سبيل الهدية.

ومن أفكار المصريين في تبرير قبول الرشوة الواضحة أن يصوروها في صورة الهدية المهداة وأن يقولوا بلا استحياء أو حياء أو شعور بالذنب إن "النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدية".

وتطور الأمر في هذا التوجه إلى حدود خطرة حتى إنه يقال إن الصحفيين كبارا وصغارا لم يعرفوا الثروات الفاحشة إلا على يد كبار مسؤولي الصحافة المستقلة الشبان.

صحيح أنه كان هناك استثناء ناصري قديم لصحفي انفرد بالساحة طيلة عشرين عاما، لكن هذا الاستثناء في الحصول على ثروة فاحشة كان (والحق يقال) يستر نفسه وثروته بكل الوسائل.

لكن التوجه الجديد أصبح مفاخرا بما لا ينبغي التفاخر به، وعلى نحو ما فقد أصبح الحديث عن صحافة مستقلة جديدة ينصرف في المقام الأول إلى حجم الثروات والمال الذي حققه العاملون فيها قبل أن ينصرف إلى الكفاءة الصحفية والمهنية التي ربما كانت موجودة بلا شك، ومقدرة بلا إنكار.

ثانيا: كانت كمية المضايقات الأمنية والشرطية (المحسوبة بدقة بحكم الخبرة) قادرة على أن تدخل هؤلاء الإعلاميين المستقلين في حظيرة النظام، فما جدوى أن يذهب صحفي الحوادث إلى القسم وإلى موقع الحادثة فينال كل ما هو ممكن من إهانات بينما يتكفل له جهاز الإعلام الأمني بإيصال كل ما يريده من معلومات وملفات إلى باب بيته.

وهكذا تحولت العلاقة شيئا فشيئا إلى أن (المنبع) أو (المصدر) أو الصنبور موجود حيث ينبغي أن يكون من وجهة النظر الأمنية، أي أنه يفتح بمعرفة "الدولة "في الإطار الذي تعودت عليه "الدولة".

ومن الواضح أن هذا السلوك لم يكن مطلقا، وإنما تركت الدولة (من ناحية) واحتفظت الصحف الجديدة (من ناحية أخرى) بمناطق أشبه بالمناطق الحرة التي يتجول فيها الصحفيون المستقلون بمعرفتهم، لكن المفارقة أن هذا التجول كان هو الآخر يؤدي في النهاية إلى خدمة الجهاز الأمني.

كانت كمية المضايقات الأمنية قادرة على أن تدخل الإعلاميين المستقلين في حظيرة النظام، فما جدوى أن يذهب صحفي الحوادث إلى موقع الحادثة فينال كل ما هو ممكن من إهانات بينما يتكفل له جهاز الإعلام الأمني بإيصال كل ما يريده من معلومات إلى باب بيته
وعلى سبيل المثال فقد أصبح الحديث عن الكنيسة الأرثوذكسية مرتبطا بقدرة الصحفيين المستقلين على الحصول على أسرار تحركات وعلاقات البابا شنودة، دون أن تتعب الأجهزة الأمنية نفسها في فلترة هذه الأخبار، وقل مثل هذا فيما يتعلق بأخبار حركات معارضة من طراز كفاية و6 أبريل والجمعية الوطنية للتغير.
 
ثالثا: بدأت الدولة الرسمية في الاعتماد بشدة على هؤلاء الذين ظهروا وكأنهم صحفيون مستقلون، وأصبح هؤلاء يشغلون مناصب مستحدثة في الوزارات متحدثين رسميين أو مشرفين على صالونات أو على برامج، بل إن بعضهم طبع بالفعل بطاقات تحقيق شخصيته معرفا نفسه بأنه مستشار الوزير الفلاني.

ولم يخدع الجمهور باللجوء إلى القول بأنه مستشار الوزارة الفلانية، ذلك أنه كان يريد أن يقول بكل صراحة إنه لا يشرفه أن يكون مستشار وزارة أو مؤسسة وإنما هو يؤدي وظيفة المستشار لصديقة الوزير.

وكان الناس يتعجبون من كثرة حديث الصحفيين عن أصدقائهم الوزراء (!) دون أن يكون هناك حديث مقابل من الوزراء عن أصدقاء صحفيين.

ومن المؤسف أن هذا الميدان أصبح محلا للتنافس بين عدد لا بأس به من الصحفيين، فهذا يرى نفسه أكثر أهمية من زميله لأن صديقه (الوزير) أكثر أهمية من صديق زميله.

وقد تطورت الأمور في هذا الطريق إلى الحد الذي تجلى بكل وضوح في أحداث ثورة 25 يناير ومعقباتها، حتى وصل الأمر في قضية شهيرة إلى أن شهود تبرئة أحد كبار من اتهموا كانوا من طاقم صحيفة مستقلة جديدة، على حين كان الشهود على تورطه من الصحافة الحكومية.

على هذا النحو وجدت المؤسسة الإعلامية الموازية وتشكلت ملامحها بكل وضوح وقوة وكأنها قادرة على أن تحل تماما وبسرعة محل الإعلام الرسمي، كما لو أنها حزب المعارضة الذي سيحل محل حزب الأغلبية في الحكومة والبرلمان.

لكن التاريخ مكار ويأتي بغير ما هو محسوب ذلك أن قيام ثورة 25 يناير لعب ضد هذه المؤسسة الجديدة عدة ألعاب غير متوقعة جعلتها غير قادرة على أن تحل محل الإعلام الرسمي تماما، وتمثل هذا في مجموعة من الظواهر يمكن الإشارة إلى ملامحها في اختصار موح (وإن كان مخلا إلى حد ما) بالصورة الفعلية.

1- فقد ثبت أن التضخم غير المبرر في مؤسسات الإعلام الرسمي التي يصل عدد العاملين فيها إلى ما يقرب من مائة ألف يمكن أن يلعب كعنصر ضغط ضد أي إصلاح حقيقي بحكم ما يتطلبه هذا العدد من تسويات وحقوق مالية.

وهكذا أصبح هذا الإعلام (المطلوب الانتهاء من وجوده) يؤدي دون أن يطلب منه دور الثورة المضادة مع كل تغيير أو تطوير أو تقدم أو رقي، وفي الحقيقة فقد كانت هذه الوظيفة الغريبة مطلوبة بشدة لإيقاف وتعطيل مسار الثورة.
أصبح الإعلام الرسمي (المطلوب الانتهاء من وجوده) يؤدي دون أن يطلب منه دور الثورة المضادة مع كل تغيير أو تطوير أو تقدم أو رقي، وفي الحقيقة فقد كانت هذه الوظيفة الغريبة مطلوبة بشدة لإيقاف وتعطيل مسار الثورة

2- أثبتت ديناميات الوظيفة أن الصراعات الوظيفية كفيلة بدفع المتنافسين إلى أن يؤدوا للأمن والسلطة الباطشة أكثر مما هو مطلوب منهم إذا عرفوا أن جهة ما هي صاحبة الأمر الحاسم في تنفيذها أو في تحقيق تطلعاتهم.

وهكذا أصبحت هناك طوابير من طالبي الحاجة المستعدين لمبادلة الخدمة القادمة بولاء لا حدود له، وليس من المعقول عند أي حاكم عسكري أو شبيه بالعسكري أن يفرط في مثل هذه المزية النسبية.

3- أثبتت تفصيلات الموازنات المالية التي كانت الدولة حريصة على سترها أو إخفائها قبل 25 يناير أن هناك مجموعة من القنابل البنكية والحسابية الموقوتة أو المتفجرة أمام أي إصلاح أو تنظيم يستهدف إعادة تشكيل المجتمع أو إعادة تنظيم مؤسساته الكبيرة ومواردها وموازناتها، ولا شك في أن فكرة القنابل الموقوتة تمثل أقوى الأفكار الكفيلة بتقييد الرغبة في استئناف الخطوات الثورية هنا أو هناك.

هكذا اكتشف المسؤولون الجدد في الانقلاب أن الإعلام الرسمي بكل عيوبه ومهاراته قد أصبح حائط صد أمام كل ثورة حقيقية وحائط حماية لكل ثورة مضادة، ولهذا أصبح مجرد الحديث عن إعلام جديد كفرا صريحا بالانقلاب والثورة العسكرية.

وهكذا بدأ عمر جديد للإعلام الحكومي بفضل مفارقة واحدة، هي ذلك الحضن الحنون الذي وقع فيه الإعلام المستقل!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك