عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني



الثورات المضادة
المكاسب المتعددة
الاستغلال الأمثل

كنا قد كتبنا في هذه الصفحة قبل عام تحليلا استشرافيا حول ما اعتبرناه في حينه "الانتكاسة" الإسرائيلية من الثورات العربية؟ وكيف أن إسرائيل هي أكبر الخاسرين منها؟ فهل تغير الحال؟ وهل لم تعد إسرائيل كذلك؟ هل أصبحت أكثر الرابحين؟
 
لعل مثل هذه المقدمة تدغدغ عواطف أولئك الرافضين للثورات العربية، مستندين إلى نظرية المؤامرة، التي تصور إسرائيل صاحبة القول الفصل في هذا العالم، ووصل بها الأمر لإخراج الملايين من بيوتهم إلى ميادين التحرير في أكثر من عاصمة عربية، لكن قراءة هادئة لمجريات الأوضاع وتغيرات الظروف في البلدان التي شهدت تلك الثورات، تدفعنا لكتابة السطور التالية.

الثورات المضادة
لم يكن سرا أنه في خضم الثورات العربية، أعربت إسرائيل بمختلف مستوياتها السياسية والأمنية والعسكرية عن قلقها العميق إزاء وضعها الإستراتيجي في المنطقة، واحتمال نشوب صراعات مسلحة معها على جبهات متعددة، لكنها اليوم، وعلى النقيض من ذلك، ربما تبدو بوضع متفائل بحذر حول ذلك، ولأسباب وجيهة:
لم يكن سرا أنه في خضم الثورات العربية، أعربت إسرائيل بمختلف مستوياتها عن قلقها العميق إزاء وضعها الإستراتيجي في المنطقة، واحتمال نشوب صراعات مسلحة معها على جبهات متعددة، لكنها اليوم، ربما تبدو بوضع متفائل بحذر

1- مصر: أعادت الإطاحة بالرئيس محمد مرسي قدرا من الحياة الطبيعية على الحدود الجنوبية الغربية لإسرائيل، رغم التشنجات السياسية الراهنة في البلاد، بما يعني أن نتيجة إسقاطه جاءت مكسبا صافيا لها، لأنه في الفترة التي تولى فيها الحكم جاهر بموقف علني معاد لإسرائيل، ومع عزله واستبداله لاحقا بنظام يسيطر عليه الجيش، فإن هناك إمكانيات متجددة للمشاركة مع مصر، والحوار الإستراتيجي معها.

ورغم أن شبه جزيرة سيناء مصدر قلق مستمر لإسرائيل، فقد سمحت لمصر بإعادة قواتها للمنطقة منزوعة السلاح سابقا، وتشن الآن معركة ضارية ضد العناصر المسلحة غير النظامية، ومع ذلك، تبدو إسرائيل مرتاحة لكيفية تعامل الجيش المصري مع الوضع، وعلى استعداد للسماح للقاهرة بأخذ زمام المبادرة لإعادة النظام في سيناء.

2- الأردن: يجري تلمس آثار التحول في مصر لما هو أبعد من الحدود الجنوبية الغربية لإسرائيل، وكما أن المد العالي يرفع كل القوارب، فإن هناك دلائل واضحة على أن إسقاط جماعة الإخوان المسلمين في مصر أدى لتضاؤل جاذبية القوى الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة.

وعلى وجه التخصيص، تبدو عين إسرائيل على الأردن، حيث يبدو حكم الملك أكثر استقرارا مما كان عليه قبل فترة قصيرة، كما أن العناصر الإسلامية داخل المملكة اضطروا للحد والتخفيف من طموحاتهم السياسية في ضوء ما حصل لأشقائهم في مصر.

3- سوريا: بعد أن دخلت البلاد في رحى حرب طاحنة بين عدد من المكونات الداخلية والخارجية، تعتقد إسرائيل أن ما يجري في سوريا يمكن أن يتحول ليكون في صالحها، مع وجود مشكلتين تكتيكيتين وهما:

احتمال الانتشار المحتمل للقتال في سوريا، واختراقه الحدود الشمالية لإسرائيل، وفرضية استمرار استخدام النظام للأسلحة الكيميائية، أو توزيعها على أطراف ثالثة كحزب الله، أو تستولي عليها قوات المعارضة.

ومع ذلك، فإن الخطوات الإسرائيلية بدءا من التعزيزات الجارية من جانب قيادة الجيش شمالا، وصولا للقصف الإستراتيجي لمستودعات الأسلحة في سوريا، عملت على الحد من أنشطة زعزعة الاستقرار التي تستهدف إسرائيل، واحتواءها، فيما ساعد الاقتتال الحاصل في سوريا على تآكل القدرات الإستراتيجية للطرفين المعاديين: نظام الأسد نفسه، والعناصر الإسلامية، مما يعزز أمن إسرائيل في هذه المرحلة.

4- الساحة الفلسطينية: في غمرة الانشغال العربي بالملفات الداخلية، جاء التحرك الإسرائيلي على الجبهة الفلسطينية باتجاه المفاوضات، وهو ما من شأنه أن يزود إسرائيل بمزيد من حرية الحركة في العالم، بعد أن أصبحت إعادة تشغيل المفاوضات مع السلطة الفلسطينية على رأس أولويات إدارة "أوباما"، ومع ذلك فإن صناع القرار في تل أبيب لا يحملون أي أوهام حول فرص النجاح.

ومع ذلك، من الواضح رغم كل شيء أن صدى القضية الفلسطينية لا يزال يتردد في المنطقة، وينبغي التصدي لها، ومعالجتها لدفع الفلسطينيين لإحراز تقدم على جبهات أخرى، وبالتالي، فإن مشاركة "إسرائيل" مصمَّمة لإزالة مظهر التعنت، وتسهيل الحوار مع دول المنطقة بشأن القضايا الأخرى في مصر وسوريا وإيران.

المكاسب المتعددة
في المقابل، فإن أعداء إسرائيل في العالم العربي يبدون ضعفا شديدا، فالمجتمع العربي باق على حاله، ومعظم الدول العربية غارقة في مشاكل داخلية كثيرة، وتقارير الأمم المتحدة بشأن التنمية الاجتماعية والفكرية فيها تشدد على وضعها المتخلف مطلع القرن الحادي والعشرين، وهي تصارع تحديات التحديث، وتعيش حاليا في حالة انعدام اليقين، خصوصا على فترة ما بعد التقلبات العربية.

أعداء إسرائيل في العالم العربي يبدون ضعفا شديدا، فالمجتمع العربي باق على حاله، ومعظم الدول العربية غارقة في مشاكل داخلية كثيرة، وتقارير الأمم المتحدة بشأن التنمية الاجتماعية والفكرية فيها تشدد على وضعها المتخلف مطلع القرن الحادي والعشرين

كما أن هذه الدول منشغلة بأزمات اقتصادية، اجتماعية وسياسية خطيرة، ولا طاقة لها أو موارد لبناء منظومات عسكرية شديدة البأس قادرة على مهاجمة "إسرائيل"، وقدرتها على تهديد الوضع القائم عسكريا محدودة جدا.

وفي الوقت الذي تعاني فيه العديد من الدول العربية مجتمعة من تراجع اقتصادي، تشهد دول الربيع العربي خاصة تدهورا غير مسبوق، سواء بسبب الاضطرابات الأمنية أو ابتزاز الدول الكبرى، مما يفسح المجال لإسرائيل صاحبة الاقتصاد القوي، حيث ترتبط قوتها بقدراتها الاقتصادية.

والفجوة في القوة بين إسرائيل وجاراتها العربية أكبر من أن تحصر في جداول إحصائية رقمية، لأنه مكون مهم في بناء القوة العسكرية، وبقدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمل أعباء النزاع المتواصل مع الفلسطينيين والعرب، وعدا سمعة إسرائيل منتجة لعتاد قتالي متطور يزيد قوتها العسكرية، فإنها تمتاز بميادين أخرى كالزراعة والطب والاتصالات والتكنولوجيا.

الأكثر غرابة أنه الأعوام بين 2009 و2012 سنوات الأزمة الاقتصادية العالمية، سجلت إسرائيل هذه القفزات الاقتصادية غير المسبوقة:

- زاد الناتج القومي العام في إسرائيل بـ14.7%.

- أفلحت في تقليص نسبة الدين إلى الناتج من 100% عام 2000 إلى 74% عام 2012، فيما سجلت معظم دول العالم تراجعا حادا في نسبة الدين إلى الناتج العام.

- زاد احتياطي العملات الصعبة من 25 مليار دولار عام 2004 إلى 75 مليار دولار عام 2012، وهو عامل حاسم في قدرة إسرائيل على المحافظة على الثقة الدولية باقتصادها، وقدرتها على التعامل بنجاح مع حالات الطوارئ.

- فائض العملات للفرد في إسرائيل من بين الأعلى دوليا، وتقع في المكانة 26 عالميا، وأشاد صندوق النقد الدولي بأدائها الاقتصادي، وأعرب عن ثقة طويلة الأجل به.

- إسرائيل هدف جذاب للمستثمرين الأجانب، خصوصا في الميدان التكنولوجي، وتشكل قدراتها التكنولوجية مركز اجتذاب لعمالقة التكنولوجيا العالمية، بل إنها المركز التكنولوجي الأهم في العالم بعد الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن الوضع الاقتصادي والسياسي والأمني في إسرائيل ليس كاملا، لكن الوقت يشهد على تطورات إيجابية، كونها دولة مزدهرة، تحافظ على تراص اجتماعي مقبول، ومكانتها العالمية تحسنت، ودعم الولايات المتحدة لها لا يزال عاليا جدا.

وكل ذلك يعني، مع بعض الاستثناءات، يعمل الزمن لمصلحة إسرائيل، وما توصف بـ"روح المرحلة" الحالية، التي تركز على القيم الديمقراطية والسوق الحرة، تعمل لصالحها، وليس لمصلحة أعدائها العرب، الذين لا يزالون يعيشون في أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية شديدة.

الاستغلال الأمثل
يؤكد استعراض ميزان القوة بين إسرائيل وأعدائها، والمزايا الداخلية المؤثرة فيها، كالاقتصاد والتراص الاجتماعي والنظام السياسي، والمكانة الدولية، أنها بعد 65 عاما بوسعها الوثوق بقدرتها على مواجهة التحديات المقبلة، خاصة أن بيئة الأمن القومي والمتغير الأهم لصراع البقاء في المنطقة الحرجة التي تقطنها هو ميزان القوة مع جيرانها، وإذا تعاظمت قوتها مع الزمن، وتوسعت الفجوة لصالحها، فإن قدرتها على التغلب على التحديات الأمنية الإقليمية مضمونة.

ويستند أصحاب هذه الفرضية على أن بناء إسرائيل يعتمد على منظومة عسكرية قوية جدا أفلحت في التغلب على تهديدات عسكرية كثيرة، وجيشها تنظيم متطور ناجع يستخدم تقنيات وذخائر متقدمة، وانتصاراته في حروب الماضي أشارت إلى أن الدول العربية لم تفلح بمحو إسرائيل بسهولة عن الخريطة بقوة الذراع.

ويمكن القول إن التفوق العسكري الإسرائيلي قاد لتقليص حدة النزاع مع العرب، والعملية السلمية معهم خفضت احتمالات نشوب حرب تقليدية واسعة.

ما زالت إسرائيل تواجه تحديا عسكريا متعاظما يتمثل بقدرات المنظمات غير "الدولانية" مثل حماس في فلسطين، وحزب الله في لبنان، والقاعدة في سيناء والجولان، بفضل الدعم الذي تتلقاه، لتصبح أكثر تأهيلا وأفضل تدريبا، وأسلحة أكثر تطورا

ومع ذلك، ما زالت إسرائيل تواجه تحديا عسكريا متعاظما يتمثل بقدرات المنظمات غير "الدولانية"، مثل حماس في فلسطين، وحزب الله في لبنان، والقاعدة في سيناء والجولان، بفضل الدعم الذي تتلقاه، لتصبح أكثر تأهيلا وأفضل تدريبا، وأسلحة أكثر تطورا.

أما على صعيد الجهد الإسرائيلي لتوظيف الأوضاع العربية المضطربة لصالحها، فقد أكثرت دوائر البحث والتقدير في إسرائيل في الآونة الأخيرة من ترديد مقولة أن الزمن يعمل لصالحها، رغم ما يوصف بـ"أدبيات العجز" التي تركز على العيوب الفعلية لها، وتشك باستمرار وجودها مستقبلا، في ضوء تراجع مكانتها الدولية، وعدم قدرتها على الصمود أطول في نزاع مستمر مشكوك فيه، لأنها دولة صغيرة، ووجود الدول الصغيرة هش نسبيا، ولذلك تواجه منذ تأسيسها مخاطر وجودية من جانب جيرانها.

أخيرا فإن الوقت الراهن يشير إلى أن الوضع الإستراتيجي لإسرائيل أفضل مما كان عليه في بدايات انطلاق "الربيع العربي"، وربما يشهد ذلك على الجمع بين "المهارة والحظ" اللذين تمكنت بهما من الإبحار في خضم الاضطرابات التي تحيط بالمنطقة، على الأقل حتى الآن!

أدرك جيدا أن السطور السابقة قد لا تروق للكثير من القراء، لكن التأمل في الواقع العربي، واستشرافاته المستقبلية في قادم الأيام يعطينا جرعة تشاؤم من العيار الثقيل، ويمنح إسرائيل فرصة تاريخية قد لا تتكرر في ترسيخ وجودها.

ولعلنا لا ننسى ما قاله "بن غوريون" الرئيس الأول للحكومة الإسرائيلية عقب تأسيس الدولة "أيها الإسرائيليون، إنكم لم تنتصروا على العرب لقوتكم أنتم فحسب، ولكن لضعفهم هم أيضا"!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك