توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية



كامل أرض فلسطين بدون سكانها العرب هو ما تعنيه "الدولة اليهودية".

وبحسب المؤرخ الإسرائيلي إيان بابيه مدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية في جامعة إكسيتر, "حل الدولتين" ميت منذ ما يقارب العقد. والانتفاضة الفلسطينية الأولى دفعت العالم لمطالبة إسرائيل ببيان نواياها بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة, وهو ما كانت إسرائيل تحوطت له باتفاقية أوسلو2.

فأوسلو1 المعلنة في احتفال عالمي تضمنت مبادئ عامة, ولكن أوسلو2 الأقل علنية قسمت الضفة الغربية لمناطق "أ" و"ب" و"ج" تمهيدا لحكم ذاتي فلسطيني محدود في مناطق "أ".

وحسب بابيه, فإن اتفاقيات أوسلو لم تكن أبدا خطة للسلام في نظر إسرائيل, بل حلا "لمتناقضة" رغبة إسرائيل في "الاحتفاظ بالأرض بدون سكانها" التي شكلت مأزق الصهيونية منذ قيامها.

ولعدم إمكانية قبول التطهير العرقي في العالم المعاصر, على فداحة التصفيات الجسدية التي تجري للفلسطينيين, فقد تحولت إسرائيل لنظام فصل عنصري بامتياز, والذي هو محرم دولي آخر لم يعد بإمكان العالم قبول عودته بعد تجربة جنوب أفريقيا.

وإن كان ذلك جرى في غزة رغم الانسحاب منها لتبرير حصارها وقصفها بما يؤدي لتردي أحوالها بشكل لا مثيل له في المنطقة, فإن الفصل العنصري الجاري في الضفة -التي أصبحت تدار بنظامين للحقوق والقوانين للتعامل التمييزي بين السكان الأصليين والمستوطنين, وحصار التجمعات السكنية الفلسطينية وصولا لإقامة جدار عازل "في قلب" الضفة المحتلة- يجعلها ممارسة فصل عنصري في "دولة واحدة" حقيقة.

فحل الدولتين "ميت" حتى قبل العقد الأخير, إن لم يكن ولد ميتا أو أجهض حلمه الفلسطيني المتواضع، فبقدوم أرييل شارون للحكم بداية العقد المنصرم, بدأ التنفيذ التفصيلي لمخطط "الدولة اليهودية" على كامل الأرض الواقعة بين البحر والنهر.

حل الدولتين "ميت"  قبل العقد الأخير, إن لم يكن ولد ميتا، فبقدوم أرييل شارون للحكم بداية العقد المنصرم, بدأ التنفيذ التفصيلي لمخطط "الدولة اليهودية" على كامل الأرض الواقعة بين البحر والنهر

وفي مواجهة الهجمة التي تعرض لها شارون جراء انسحابه الأحادي من غزة, كتب حينها (عام 2005) البروفيسور في جامعة تل أبيب كاري سوسمان مقالة مطولة تشرح كيف يشكل هذا الانسحاب خطوة هامة على طريق "يهودية الدولة" الذي هو حلم الصهيونية, بعزل كم هائل من الناس في حيز ضيق يسبب مشاكل داخلية لسكانه.

وأوضح الكاتب أن حشرا مماثلا سيجري في مناطق الحكم الذاتي لفلسطينيي الضفة, وبترحيل آخرين لها من داخل إسرائيل (ما يجعل التهجير المخطط له يستهدف قرابة الخمسة ملايين فلسطيني), وكيف أن الضغط السكاني سيولد حتما هجرة اضطرارية خارج الضفة الغربية باتجاه الأردن, وبعضه عبر الأردن للخارج.

وفي مقالتي هذه, المكملة لمقالتي "غرفة الإصغاء 1و2", سأحاول بيان ما أعتقد أنه خطط وجرت محاولة تنفيذه لتسهيل هذا الترحيل للأردن, الذي لا يراد له حتى أن يستقل كوطن أصيل لسكانه وبديل للمرحّلين إليه, بل يراد ضمه لمستعمرة كولونيالية ضمن زعم "كونفدرالية " يخصص للأردن المكان الأدنى فيها في صيغتي تلك الكونفدرالية الثلاثية.

وقد سبق أن تلك الكونفدرالية كانت تمثل مشروع بيريز مهندس ما سمي اتفاقيات سلام مع العرب, تضم إسرائيل والأردن ومناطق الحكم الذاتي الفلسطيني, والرباعية (بإضافة لبنان) حسب ما ورد في مذكرات الملك عبد الله الثاني باعتباره حلم السلام والرفاه الاقتصادي الذي يسعى لتحقيقه ويخشى تسرب فرصه.

ففي المشروعين بترتيبهما أعلاه, وبالنقل من الذاكرة عن بيريز ولكن من "نص" مذكرات الملك عبد الله بترجمتها في صحيفة "الشرق الأوسط": القيادة- الخبرة الإدارية لإسرائيل, والفلسطينيون هم العقول- المستويات العلمية, فيما الأردنيون أيد عاملة عربية - كفاءة مهنية. والمخبأ للبنانيين أيضا يبقى أفضل, فلهم "الريادة".

وأتوقف عند ما ذكرته في مقالتي السابقتين من أن مشروع كيري لحل الصراع وإقامة الكونفدرالية ووجه بتعقيد على المشهد الإقليمي والدولي.

فتقسيم سوريا كان يعتبر تحصيل حاصل لسقوط النظام السوري, ولكن ثبت أن هذا غير قابل للتحقيق. وسقوط سوريا يعني فتح الباب الذي كان مواربا لضرب إيران أو أقله القضاء على حزب الله.

وهذا أيضا ثبت أنه غير ممكن مهما كان نوع التفاهمات الأميركية مع إيران والتي قفزت لصدارة المشهد على غير المتوقع.

فتقسيم المنطقة في سايكس بيكو كان مطلبا أساسيا لقيام إسرائيل. وتوقع توفر فرص تكرار مثل ذلك التقسيم بدفع غربي سياسي أو عسكري كلما وكيفما لزم إسرائيل, هو ما كان يقف وراء تعنت وجبروت إسرائيل.

ولكن بانتظار تقسيم سوريا التي حصنت نفسها تحديدا ببقائها خارج اتفاقيات السلام (خاصرتها الضعيفة كانت داخلية في الشأن الديمقراطي), كانت إسرائيل تستغل هرولة النظام الأردني والسلطة الفلسطينية لتوقيع اتفاقيات معها في تنازعهما أدوارا مجزوءة على الضفة الغربية والمقدسات (موثق في مذكرات جورج شولتز).

فجرى توقيع "أوسلو" التي تنازلت حقيقة عن كامل فلسطين ما قبل العام 1948, والتي أصبحت "إسرائيل", وقبلت تقسيم الضفة بالصورة المذكورة أعلاه.

فتقسيم المنطقة في سايكس بيكو كان مطلبا أساسيا لقيام إسرائيل، وتوقع توفر فرص تكرار مثل ذلك التقسيم بدفع غربي سياسي أو عسكري كلما وكيفما لزم إسرائيل, هو ما كان يقف وراء تعنت وجبروت إسرائيل

وغضب النظام الأردني من أوسلو أدى لإخراج الاتفاقية الأردنية الإسرائيلية -المنجزة حقيقة منذ ثمانينيات العقد الماضي- من الأدراج, ولم تأت بمفاوضات أجرتها حكومة ضعيفة كحكومة عبد السلام المجالي.

ولكن قد يكون المستجد في زعم قيام حكومة المجالي بالتفاوض هو مشروع "اللامركزية الإدارية"، أو قد يكون هذا أيضا مما اتفق عليه في المفاوضات السرية السابقة, فلست أملك حاليا وثائق دامغة ترجح أيا منهما, ولكنني أملك يقينا ما يثبت أن هذا المشروع شكل صلب خطة حكومة عبد السلام المجالي التي تقدم بها في خطاب طلب الثقة, وباقي الخطة كانت كليشيهات مكررة.

ووحدي تصديت لهذا المشروع في مجلس النواب الذي كنت قد فزت لتوي بعضويته.

وخطورة الموضوع الذي تلقفته النخب لتكتب عنه في صحافة اليوم التالي, واعتذار عدد من النواب على كون أمر بهذه الخطورة فاتهم, ألزم بوقف ذلك المشروع الذي يهدف لتقسيم المملكة لكنتونات بحجم وعدد المحافظات.

ولكن الوقف كان لحين يجري إخراجي من المجلس بتزوير الانتخابات التالية ضدي (موثق بكثرة منها كتاب تضمن اعترافات وزير الداخلية).

ولم يكن صدفة أن حكومة ثانية لعبد السلام المجالي هي من أشرف على تلك الانتخابات أيضا, لتعود بعدها مباشرة لطرح مشروعها التقسيمي للمملكة, فعدت للتصدي له بمقالة أكثر صراحة في يومية "العرب اليوم", فجرى القفز عن المشروع مرحليا مرة أخرى، أو قد يكون أوقف مع اشتداد مرض الملك حسين وباكتشافه ما فعله به الإسرائيليون.

ولكن في عهد الملك عبد الله الثاني أعيد طرح المشروع بصيغة أكثر جرأة لتقسيم المملكة لثلاثة أقاليم شبه منفصلة إلى حد أن سلطة كل إقليم تصدر تأشيرات منفصلة لدخوله.

وهذا ما يؤشر على الدور الخطير المغفل لحد بعيد, لأصحاب المشروع الذين أحلّوه محل "الأجندة الوطنية" للإصلاح التي كانت أعدتها لجنة ملكية وكان الملك قد أعلن أنها ملزمة لكافة الحكومات لعشر سنوات آتية.

وخطورة ما كان يخطط له تجلي في اعتبار "مشروع الأقاليم" ذي أولوية قصوى في التنفيذ -حسب خطاب الملك في مجلس الأمة- في نفس الوقت الذي كان يجري فيه التحفظ على فحوى المشروع بدرجة السر الأمني.

وفرض المشروع "للتنفيذ" وليس لٌلمناقشة والإقرار أو الرفض غير دستوري, مثله مثل فرض الأجندة رغم الفارق بينهما.

وإبدال الأول بالثاني يوضح من الذين يحكمون البلد متغطين بملكية مطلقة باتت توضع في الواجهة بهذا الوضوح, ولمصلحة من.

وتصديت لهذا المشروع أيضا من على هذا المنبر مستكشفة معالمه المشتركة المتوقعة مع مشروع اللامركزية الإدارية في مقالتي المعنونة "مشاريع ومخاوف مشروعة".

وهو ما أدى لنشر المشروع بتسلّل في صحيفة وثيقة الصلة بالمخابرات خوفا من فقدانها سبق النشر, فكتبت عنه مقالتي التالية للجزيرة نت المعنونة "لا ذاك قضاء محتم ولا هذا لطف يرتجى". والتفاصيل, حيث يكمن الشيطان في المقالين.

نكتفي هنا بكون المشروع المستجد يقسم البلد لثلاثة أو أربعة أقاليم, كونه لم يحسم ضم العاصمة عمان لإقليم الوسط أو بقاءها مستقلة, ما يؤشر على إملاء خارجي مستعجل وليس على تبلور قناعة داخلية بالمشروع على امتداد عقد ونصف من طرحه.

والقسمة تأتي "من أجل تكوين كيان مستقل بموارده المالية وحدوده وتقسيماته الإدارية", حسب وصف "الإقليم" في نص المشروع الذي تلقفته أقلام وطنية عدة بالرفض, فجمّد المشروع بوجهه العلني الذي يستلزم تعديل مئات القوانين المعمول بها في المملكة والدستور ذاته.

ولكن القضم جار، فقد جرى اقتطاع العقبة كإقليم شبه منفصل عن المملكة ولم يتنبه الأردنيون لمخاطره السياسية والسيادية بقدر ما انتبهوا لما لمسوه من مخاطره الاقتصادية وعلاقته بالفساد حد بيع ميناء الأردن الوحيد بسعر بخس، فيما بدأ تسرب تحويل بعض تجارتنا لميناء حيفا, وهو ما رفضناه بشدة كقوى وطنية عندما طرح بعد توقيع وادي عربة, مستشهدين بما جرى في حصار العراق.

بعد أن كنا لا نقبل بتسمية إسرائيل "دولة" بل نصر على أنها "كيان" مصطنع, نكتشف أن بلدنا الصغير لن يكون حتى "دولة" تخدم كوطن بديل, بل سيجري تقسيمنا "لكيانات" ليجري ضمها "طوعا" لإسرائيل العظمى

حل الدولتين "ميت" بشهادة مؤرخين وساسة ودعاة سلام إسرائيليين. وتوريطنا في المفاوضات المزعومة هو فقط لأننا نحن "الحل" كما يعلن جهارا قادة إسرائيل منذ قيامها.

هذه المشاريع التي بدأت تهل مع وادي عربة وتزيد عليها يمكن أن نسيمها وادي عربة2, كونها تقسم الأردن كما قسمت أوسلو2 الضفة الغربية.

فبعد أن كنا لا نقبل بتسمية إسرائيل "دولة" بل نصر على أنها "كيان" مصطنع, نكتشف أن بلدنا الصغير لن يكون حتى "دولة" تخدم كوطن بديل, بل سيجري تقسيمنا "لكيانات" ليجري ضمها "طوعا" لإسرائيل العظمى, كما ضمت الأرض الأردنية المحتلة بحرب كبرى عام 1967 وبعد تحويلها هي أيضا "طوعا" لكيان حكم ذاتي فلسطيني, لما يسمى كونفدرالية, ولكنه حقيقة عودة للمستعمرات التي طوى العالم صفحتها منذ قرن.

وقسمتنا ضرورية لأسباب عدة, الإستراتيجي الأهم منها أن الأردن الذي أقيم ككيان وظيفي تحول لدولة لكل مواطنيه من كافة الأصول والمنابت والأديان، وهؤلاء الأردنيون موحدون في رفض لكل مخرجات وادي عربة وأوسلو.

وتحولهم لدولة ديمقراطية تحكم بإرادة شعبها الموحّد مرفوض, ولكن تقبل "الكيانات" المقسمة بين عشائر في عودة للوراء بعكس التطور العالمي, بل وتقبل الدولة الدينية حقيقة (في كامل الجوار العربي وغير العربي لإسرائيل) التي تحكم بزعم دعم أو حتى حق إلهي, لأنها تبرر فتسند حالة "الدولة اليهودية" غير المسبوقة في التاريخ.

ولا يقلل من خطورة السبب الثاني كونه تكتيكيا, فهو يعد لما لا يقل عن تسهيل التهجير الواسع للفلسطينيين.

فإقليم الوسط الذي يضم محافظات الزرقاء ومادبا والبلقاء, ومعها عمان الكبرى -لا فرق في هذا الهدف إن ضمت العاصمة للإقليم أو أبقيت خارجه- يسكنه تسعون بالمئة من اللاجئين والنازحين الفلسطينيين, ويجاور الضفة الغربية المحتلة.

وهذا الوضع الديمغرافي يخفف من حدة الاعتراضات على الترحيل القسري أو الناعم لسكان الضفة وعرب الـ1948 بالذات في حال تكريس الأقاليم ككيانات حصرية لعشائرها.

وفي الوقت نفسه يقلل من أثر الصوت الفلسطيني -الذي سيرتفع بمعارضة غير مسبوقة- في الحكم المركزي بحصره في إقليم واحد من بين أربعة أقاليم, مهما كان حال ذلك الحكم بعد هذا التفتيت لدولة صغيرة أساسا ولا زالت منكشفة أمام أعدائها كافة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك