عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي



عندما بدأت ثورة يناير كان الثوار يستميتون لدخول ميدان التحرير، ولم يفلح مبارك في منعهم أو فضهم، وكبر الميدان وصار رمزا للثورة السلمية وشاهدا على بطش النظام.


ثم تدهورت الأمور فصار رفقاء الميدان في معسكرات متصارعة في ملحمة تغيرت فيها رمزية الميدان، وكأن من يهيمن على الميدان يهيمن على مصر كلها بذات الرمزية القديمة.

ولذلك يتقاتل الفرقاء في مصر على ميدان التحرير لأن كل فريق يدعي أن الميدان يُكسبه شرعية الثورة في 25 يناير/كانون الثاني، ولكن الجيش والشرطة يمنعان المعارضين من الفريق الآخر على أساس أن هذا الفريق لم يعد جديرا بشرف هذا الميدان، وأنه إذا دخله فسوف يصعب إخراجه إلا بالمزيد من إراقة الدماء.

وإذا كان الإخوان المسلمون قد تجنبوا في الجمعة التالية ليوم ذكرى السادس من أكتوبر/تشرين الأول الميدان حقنا للدماء، كما قالوا، أو خوفا من الحشد المضاد وبداية انحسار حشدهم، كما قال الفريق الآخر، فإن ذلك لن يغير في تقدير الفرقاء بأن من يهيمن على الميدان في أي وقت يحق له أن يرفع علامة النصر، وتلك قمة الملهاة في مصر.

بدأ اهتزاز صورة ميدان التحرير منذ مارس/آذار 2011 عندما تحمس الإسلاميون للإعلان الدستوري وكذلك المجلس العسكري الحاكم في ذلك الوقت لأنه رأى فيه أساسا قانونيا لوجوده في السلطة

ولذلك رأينا أن نحلل في هذه المقالة الدلالة المتغيرة لميدان التحرير، ورأينا أن الميدان يجب إبعاده تماما عن مجال الصراع.

فقد اشتهر في مصر عدد من الميادين المرتبطة بالتطورات السياسية والشعبية منذ 25 يناير/كانون الثاني 2011، وتغيرت رمزية هذه الميادين مع تغير موجات التطورات، وكأن هناك من يدير الأحداث من وراء ستار.

بدأ ميدان التحرير رمزا لثورة المصريين يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011، وتميزت هذه الثورة بالشمول ومشاركة كل الشعب ضد مبارك ونظامه والحزب الوطني، وطالبت هذه الثورة بعدد من المطالب التي يجب على أي سلطة تنشأ أن تتولى تنفيذها، ولذلك تداول السلطة الكثيرون خلال هذه الفترة وتفاقمت المشاكل وتراجع تطبيق الأهداف حتى الآن.

وقد بدأ اهتزاز صورة ميدان التحرير منذ مارس/آذار 2011 عندما تحمس الإسلاميون للإعلان الدستوري الذي ساهموا في صياغته، كما تحمس له المجلس العسكري الحاكم في ذلك الوقت، لأنه رأى في الإعلان أساسا قانونيا لوجود المجلس العسكري في السلطة.

وكان ميدان التحرير يرى أن نضع الدستور ابتداء، ولكن كان يتعين تبرير الإقدام على دستور جديد بينما دستور 1971 القديم لم يحترم، وسيظل احترام الدستور هو المعضلة وليس السباق لوضع دستور جديد.

وقد اعترض الميدان تماما على التعديل لأسباب كثيرة أبسطها أن منهج التعديل وليس الدستور الجديد هو ما تمسك به مبارك وعين لذلك يحيى الجمل، ثم أصر عليه المجلس العسكري بالتفاهم مع التيارات الإسلامية، وأن يكون الدستور وليس الإعلان الدستوري هو الطريق إلى الانتخابات.

ولكن هذا الإعلان أدى إلى الفراق بين رفقاء الأمس، إذ حدث الشقاق على أساس ديني، فظهرت جمع الشريعة وقندهار، مقابل جمع العلمانيين و"الكفار" كما أطلق عليهم حينذاك، وبدأ العداء يتسع بين الطرفين، ولكن ظل الميدان يضم الثوار من غير الإسلاميين الذين اقتربوا من حليف جديد هو المجلس العسكري.

عند هذه النقطة بدأ الصدام بين ثوار التحرير والمجلس العسكري حول عدد كبير من القضايا، أهمها الاحتجاج على محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، وعدم الحزم في مواعيد تسليم السلطة لحكومة مدنية.

وعندما عاد الإسلاميون إلى الميدان في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 قبيل الانتخابات التشريعية للاحتجاج على وثيقة السلمي التي تروج لمكانة خاصة للمجلس العسكري في الوضع الجديد، ظن الثوار أن الإسلاميين قد عادوا إلى الميدان كما كانوا، ولكن عودتهم كانت تهدف إلى إقناع المجلس العسكري بأنهم قوة تستطيع أن تضع حدودا لطموحاته.

وبدأت تظهر ميادين وساحات أخرى لم يكن للإسلاميين دور فيها، كما هو الحال في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، حيث سقط الشهداء والمصابون، وكان الطرف الآخر هو الجيش والشرطة بعد حياد الإسلاميين الأقرب إلى هذه الأماكن، ولكن كل هؤلاء عوملوا معاملة شهداء 25 يناير ومصابيها لامتصاص غضبهم.

عندما فاز مرسي قصد ميدان التحرير وهتف فيه وقرأ القسم الدستوري أمام الثوار، وكرر تعهداته باستكمال الثورة والقصاص للشهداء وكانت تلك لحظة فارقة في تاريخ الميدان

ثم بدأت تظهر ميادين أخرى مناهضة للتحرير خاصة بعد عودة الإسلاميين للمرة الثانية للضغط على المجلس العسكري لعدم التواني والمماطلة في موعد تسليم السلطة، وهذه الميادين هي العباسية لأنصار حازم صلاح أبو إسماعيل أمام وزارة الدفاع، حيث وقعت المجزرة، وميدان روكسي لأنصار الجيش، ثم عادت العباسية لنصرة الجيش ضد التيار الإسلامي، وثوار التحرير، وظهر ميدان مصطفى محمود، الذي كان رافدا لثوار التحرير في 25 يناير، ليضم أنصار مبارك، ثم أنصار الجيش، وانضمت المنصة بعد ذلك لأنصار الجيش.

وعندما فاز محمد مرسي في انتخابات الإعادة قصد ميدان التحرير وهتف معهم "ثوار أحرار حنكمل المشوار"، وقرأ القسم الدستوري أمام الثوار الذين دعموه ضد مرشح الجيش ومبارك، أحمد شفيق، وكرر مرسي تعهداته باستكمال ثورة يناير والقصاص للشهداء والرعاية للمصابين وتعزيز طريق الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

وكانت تلك لحظة فارقة في تاريخ الميدان الذي بدأت فيه الثورة، ثم تجسدت في انتخاب أول رئيس مدني لينشئ حكما ديمقراطيا لتحقيق أهداف الثورة، فسار أنصار الجيش دعما للمجلس العسكري الذي حاول فرض الوصاية على الرئيس بإعلانه الدستوري قبل ساعات من إعلان النتائج النهائية، كما ظهر أنصار مبارك ضمن أنصار الجيش ضد الجميع.

صحيح أن الأقباط صوتوا لصالح شفيق بشكل عام، وكان مكانهم الطبيعي هو الفريق الآخر ولكن أحداث ماسبيرو ومأساة الأقباط جعلتهم سياسيا مع الثوار في الميدان.

وقد أسهمت إخفاقات الحكم وتراجعه أمام الثورة المضادة إلى إعادة تشكيل التحرير فصار مرتعا لذوي السوابق، وعجزت الدولة عن تطهيره وإخضاعه لسيطرتها، أو قل إن الأجهزة ادخرته ليوم صار فيه الميدان مقصدا لثورة يونيو/حزيران الماضي ضد الإخوان.

خلال عام حكم الإخوان ظهرت الاتحادية المناهضة لمرسي، فانقلبت في 30 يونيو/حزيران الماضي إلى اتحادية تدين خلع مرسي، ثم نشأت ميادين أخرى للإخوان والمعارضين لحركة تمرد وما أدت إليه تطورات يوليو/تموز، وأغسطس/آب الماضيين، وأهمها رابعة العدوية وميدان النهضة أمام جامعة القاهرة، ومقر نادي الحرس الجمهوري، حيث وقعت في المواقع الثلاثة، بالإضافة إلى المنصة، أحداث دامية.

وإذا كان ميدان التحرير قد استقبل ثوار يناير وفيهم الإخوان، فإن ثوار يونيو قد انفردوا به ومنعوا تحت حراسة الشرطة والجيش عناصر الإخوان.

صار الميدان رمزا تاريخيا، ولذلك يجب إعداده ليكون مزارا سياحيا يسمح فيه بالمظاهرات لا الاعتصامات، ولابد أن يتحول إلى هايد بارك يتعلم فيه المصريون أدب الحوار وفضائل الأخلاق
وهكذا أمسى الميدان عند من قاموا بثورة يونيو تصحيحا لمكونات الميدان وتوجهاته التي عرف بها في يناير، بينما يرى من كانوا في يناير وقامت ضدهم ثورة يونيو أن الميدان صار سيئ السمعة.

وقد سبق أن حذرنا منذ مارس/آذار 2011 من ضرورة المحافظة على صورة الميدان كمرجعية إذا انحرف التطبيق السياسي لمنطلقات الميدان، وأن يكون رقيبا شعبيا على البرلمان الذي هيمن عليه التيار الإسلامي، وتغير موقفه مرارا من الميدان.

وفي كل الأحوال لن ينسى المصريون أن الميدان صار رمزا تاريخيا، ولذلك يجب إعداده ليكون مزارا سياحيا يسمح فيه بالمظاهرات ولكن لا يسمح فيه بالاعتصامات، ولابد أن يتحول إلى "هايد بارك" يتعلم فيه المصريون أدب الحوار وفضائل الأخلاق.

وحبذا لو جرت فيه عملية وطنية واسعة للوفاق المجتمعي وأن تدور المناقشات علنية وبِحُرية، فقد شب الشعب عن الطوق ولديه من حسن الفطرة ما يفلته من سطوة الإعلام.

ولا يجوز أن يظل الميدان هدفا إستراتيجيا يتقاتل عليه الفريقان، فهو ملك لكل المجتمع ولابد من تنظيم قواعد الظهور فيه، ومن باب أولى لا يجوز لأحد احتكاره أو تحويله إلى ساحة لإراقة دماء المصريين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك