يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي

 

لا يتم الحديث عن الخطوط الإعلامية الحمر أو اللجوء إليها، إلا حينما يمس هذا المنبر الإعلامي أو ذاك أعراض الناس وذممهم، أو عندما يتم التعرض بالفضاء العام لخصوصياتهم وحميمياتهم، أو لما يعمد إلى استصدار أحكام بشأنهم قبلما يبت في ذلك القضاء، أو يتسنى لهم بالتالي التظلم دفاعا عما قد يعتبرونه شتما أو قذفا أو تشهيرا أو ما سوى ذلك.

-1-

والواقع أن ذات الخطوط (في الدول الديمقراطية على الأقل) لا تثار فقط عندما يتعرض علية القوم إلى القذف أو التشهير أو التجريح، بل أيضا وبالقدر ذاته، عندما يتعلق الأمر ببسطاء الناس ومعدميهم في حال تمت الإشارة إليهم بالأصبع، أو وردت أسماؤهم وسيرهم في سياق عام يتراءى لهم أنه يعنيهم.

هي خطوط في تجاوزها يسقط المرء حتما وتلقائيا في المحذور، سواء تعلق الأمر في ذلك بالتجريح المباشر أم بالتلميح الصارخ، أم بلي عنق الكلمة والصورة لتفيد الأمر نفسه أو تفيد بدلالته.

وهي حدود تعارفت الجماعة (بالعرف الضمني أو بالنص الصريح) على عدم الاقتراب منها ضمنا وعلانية، ضمانا للعيش المشترك، ودرءا لسبل الفتنة، ودفعا للاحتراب الذي من شأنه إيذاء الجماعة كما الفرد سواء بسواء.

ولما كان الأمر كذلك، فلأنه بداية وبالمحصلة إفراز (وتراكم أيضا) لقيم تستند إلى الدين أو التقليد أو الرمز أو الأخلاق أو إليها مجتمعة، لا يجرؤ على خرقها إلا جاهل بذلك، أو غير معترف بها، أو له في تجاهلها مصلحة من المصالح.

من غير الوارد تعليق ذات الخطوط إن تعلق الأمر برأس الدولة أو بمحيطه، فهي تستحضر لدرجة الاستنفار في هذه الحالات، لكنها غالبا ما تضيع في ردهات المحاكم، في حال البسطاء حيث تنعدم الحماية والجاه والسلطة

من غير الوارد تعليق ذات الخطوط إن تعلق الأمر (بمجتمعاتنا) برأس الدولة أو بمحيطه أو بالدائرين في فلكه، فهي تستحضر لدرجة الاستنفار في هذه الحالات، فيوضع صاحب المنبر جراء ذلك، خلف القضبان لربما قبل أن يبلغ الخبر عامة الناس، لكنها غالبا ما تضيع في تأويلات ردهات المحاكم، في حال البسطاء من بيننا، حيث تنعدم الحماية والجاه والسلطة.

بالتالي، فهي القاعدة العامة السائدة بالدول الديمقراطية، أما ببلداننا فهي أبعد من أن تكون كذلك، وأقرب ما تكون إلى الاستثناء (بل قل هي الاستثناء ذاته) الذي لا يجوز البناء عليه، أو التطلع إلى التأسيس له حالا أو حتى في الأمد المنظور.

لا يروم القصد هنا حالات صحفيين وإعلاميين اقتيدوا من الأستوديوهات، أو تم إفتاء المحاكم بسجنهم احتكاما لرمزية بائدة، بل إلى حالات أفراد وجماعات وآراء جر أمر مساندتهم لهذا الفكر أو ذاك، أو التعاطف معه الويلات على هذا المنبر كما على غيره بالتأويل القانوني الممطوط في الغالب الأعم.

وعلى هذا الأساس، فإذا كان من المنطقي الادعاء بأن القانون يسري على الأفراد والجماعات، في تمثلهم له كما في حال جهلهم بمواده ونصوصه، فإنه من المنطقي أيضا إعمال ذات المواد والنصوص على الحاكم كما على المحكوم، إن اعتبر أحدهما أنه عرضة تجريح أو تشهير أو مس للذمة والعرض.

بالمقابل، فليس من المفروض في المنبر الإعلامي أن يقيم ذات التمييز بين الحاكم والمحكوم، ما داما في سلوكهما كما في ذواتهما، خاضعين لمنطوق القانون وروحه.

والسر في ذلك لا يكمن -فيما نزعم- في تجاهل من لدن المنبر إياه لسمو مقام الحاكم قياسا إلى "مقام" المحكوم، ولكن أيضا لأنه (المنبر الإعلامي أعني) كرس نفسه لأن يكون "كلب حراسة للديمقراطية"، لا يتسامح في ذلك مع المحكوم، فما بالك إن تطاول على هذه الأخيرة الحاكم.

-2-

لا يمكن أن ينتابنا أدنى شك، بناء على ما سبق من حديث، بأن الذي هو موضع المحك بمجتمعاتنا اليوم، إنما يكمن حقيقة في طبيعة العلاقة بين الصحافة والقضاء في سمو مقامهما، كما في أدنى صور ممانعتهما، والتحامل الخطير على سلوكيات بعضهما البعض.

ومكمن الممانعة الملمح إليه في هذا الباب لا يقتصر فقط على مستوى الاحتكاك القائم بينهما، على خلفية من تحيز القضاء ونسبية الاستقلالية بين ظهرانيه، بل وأيضا على خلفية ثلاث قضايا كبرى لطالما وضعتهما وجها لوجه، دونما كبير اعتبار للتراتبية الوضعية السائدة:

- الأولى لأن فضاءي القضاء والإعلام يبتغيان إنصاف الحاكم كما المحكوم، بالكلمة والصورة للثاني، بقوة القانون الصريح أو بسلطة التأويل بالنسبة للأول.

قد لا يزايد الإعلام على القضاء في قراراته، إن بنى لها الأخير بنص صريح لا مجال بشأنه (في ثبوت التهمة أو الجرم) للاجتهاد كثيرا، لكنه يكون مجال ذلك وأكثر، عندما يجتهد القضاء فيعمد (تحت هذا الظرف أو ذاك، تحت هذا الضغط أو ذاك) فيصدر أحكاما جائرة، يتسابق إلى التشكيك في نزاهتها وخلفيتها المتتبع العادي قبل المنبر موضوع ذات التأويل.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف التسليم بنزاهة واستقلالية قضاء يشهر بوجه صحفي حجرا جامدا (حجر قصر الملك بالمغرب) أضفيت عليه صفة القداسة، ولكأننا بإزاء بلد لم يعرف نبيا أوحي إليه بالرسالة، في زمن كان البشر يقدسون الحجر والنار ويعبدونهما؟

هذا محك حقيقي بين الإعلام والقضاء، لا استقلال لهما أو تجاور لفضائهما، طالما ظل التأويل طاغيا من لدن قضاة "يوحى إليهم بالحكم"، دونما قدرة من لدنهم على استهجان ذات السلوك أو رفضه بالجملة والتفصيل.

- القضية الثانية وموضوعها إشكال الحرية التي للإعلام بإزائها رأي، وللقضاء بشأنها رأي مخالف لدرجة التناقض في بعض الأحيان.

الحرية التي يدفع بها الإعلام تهدف للشفافية وحرية البلوغ للخبر، وحق المتلقين في المعرفة، في حين أن الحرية التي يبتغيها القضاء هي الحرية التي لا تطال موازين القوى السائدة، أو المستويات القائمة عليها، بما فيها المؤسسة القائمة

فالحرية التي يدفع بها الإعلام تهدف للشفافية وحرية البلوغ للخبر، وحق المتلقين في المعرفة والحصول على ذات الخبر، في حين أن الحرية التي يبتغيها القضاء هي الحرية التي لا تطال موازين القوى السائدة، أو المستويات القائمة عليها، بما فيها المؤسسة القائمة على التشريع أفرادا وأحزابا ومؤسسات وما سواها.

لن يكون بمستطاع المرء تجاوز مبدأ وضرورة حرية الإعلام (بالدول الديمقراطية كما ببلداننا)، لكنه لن يستطيع بالمقابل مجاراة ذات الحرية (أو بعض من المتعصبين لها) لدرجة استهداف حياة الأفراد والجماعات وحميميتهم وطقوسهم في العيش.

وبقدر ما لا يستطيع المرء ذلك بين جماعته وضمن مجتمعه، فإنه لن يوافق إطلاقا على أن تتحول ذات الحرية إلى سيف يقطع أعناق المؤمنين بها، كما الذين يضعون لها المتاريس.

قد لا يكون كل هذا مثار اختلاف كبير، لكن الاختلاف إنما يتأتى عندما يدفع منبر إعلامي بالحرية، وفي صلبها الشفافية في نشر الخبر والتعليق عليه، ويتحفظ القضاء (النيابة العامة تحديدا) على ذلك جملة وتفصيلا، على خلفية من سرية التحقيق، وعدم السماح بتداول أخبار ومعطيات لم يتسن لهذا الأخير تبيان درجة صحتها من الخطأ الممكن وروده بها.

ليس الملمح إليه هنا فقط تخوف الدفاع من دنو مكانته أمام الاتهام، بل وأيضا ذوبان قدسية الحرية الإعلامية (وفي صلبها شفافية الخبر وحرية سريانه) أمام دهاليز التحقيقات، التي قد تبدأ ولا يدري الصحفي متى ستنتهي، سواء تعلق الأمر به مباشرة، أم تعلق بقضية قد ينتظر عامة الناس مصيرها ومصير "المدانين" في جريرتها.

وليس الملمح إليه أيضا حرية الصحافة أمام الدفع بطرح سرية التحقيق، ولكن أيضا إلى طبيعة عدم التوازن التي تضع وجها لوجه مؤسسة قائمة كمؤسسة القضاء والقانون، مقابل "مؤسسة" (مؤسسة الإعلام) لم يتسن لها بعد المأسسة لفضائها (قياسا إلى الفضاءات التقليدية الأخرى) لدرجة التشرعن.

- أما القضية الثالثة فتتعلق بمسألة التراتبية الوظيفية التي تجعل حرية الإعلام رهينة للتأويل من لدن قضاء قد لا يضبط جيدا حركية مفهوم الحرية، وسرعة وتيرة تطورها في الزمن والمكان.

فبقدر استعصاء الترسانة القانونية على التحول السريع لضبط تحولات الفرد والجماعة، بقدر اتساع رقعة ومدى الحرية التي قد لا يستطيع القانون ملامستها وتأطيرها بالسرعة المطلوبة، فتطبق بالتالي نصوص قارة على فضاء متحرك.

-3-

يبدو إذن أن الخطوط الإعلامية الحمر لا تفترضها فقط معايير الأخلاق والتقاليد أو مبادئ الدين والرمز، بقدر ما تقوم على وضعها أيضا اجتهادات وتأويلات غالبا ما تحكمها موازين قوى قائمة، أو تشترطها توافقات ضمنية، أو تدفع بجهتها مصالح ولوبيات يكون جهاز القضاء بشأنها المنفذ لا الآمر، الخاضع لا الفارض لقراراته.

لا يقتصر الأمر عند حد ممانعة فضاء القضاء مع فضاء الإعلام، بل يتعدى الأمر ذلك إلى درجة المجابهة المباشرة، التي غالبا ما ينتصر فيها سلطان القوة وعنفها على "سلطة" الكلمة وعنفوانها.

- فمهمة المنبر الإعلامي تقرير الحقيقة، في الوقت الذي يستشعر أن "الآخرين" يعمدون إلى إخفائها، أو التستر عليها، أو التواطؤ في التنديد بمقرريها، لحسابات قد لا تكون بريئة، أو خلفها مصالح، أو تدفع بها لوبيات.

وعلى هذا الأساس، فإذا كان المطلب المشروع للجماهير هو معرفة مشاريع القائمين من بيننا على قضايا الشأن العام، فإن التأكد من نظافة يدهم وصدقيتهم، وانتفاء الشذوذ من سلوكهم هو مطلب أكثر مشروعية وشرعية، إذ لا قياس على الشاذ كما يقال.

مهمة الصحفي (بل وحقه أيضا) ألا يصرح بمصادره لهذه الجهة أو تلك، حتى وإن كان المستوى القضائي ذاته، وإلا لتحول الصحفي، نتيجة ذلك، إلى مخبر ومتواطئ يتجسس على الناس ويسهم في إدانتهم بالحجة والدليل

- ومهمة المنبر الإعلامي لا تقتصر على السبق الذي قد يتسنى له تحقيقه في الحصول على الخبر، ولا في التأكد من مصدره وبراءة ذات المصدر، وخلوه من سوء النية، بل وأيضا من قدرته على التصرف في ذات الخبر، والعمل على تصريفه في إطار يخدم المصلحة العامة القائمة أو الواردة، دونما مزايدة على هذه الجهة أو تلك أو ابتزاز من لدن هذا المستوى أو ضغط من ذاك.

وعلى هذا الأساس، فالقاعدة السائدة في حالة ما تم تثبت الصحافة من هذا السلوك أو ذاك وأضحى ظاهرة قائمة، إنما تنازل الملمح إليه عن صلاحياته، ووضع نفسه رهن التحقيق والمساءلة، حتى تتم تبرئته مما نسب إليه، أو يقصى عن تسيير الشأن العام، في حالة التثبت من خروجه عن القاعدة أو العرف أو القانون.

- ومهمة الصحفي (بل وحقه أيضا) ألا يصرح بمصادره لهذه الجهة أو تلك، حتى وإن كان المستوى القضائي ذاته، وإلا لتحول الصحفي، نتيجة ذلك، إلى مخبر ومتواطئ يتجسس على الناس ويسهم في إدانتهم بالحجة والدليل.

هي إذن وبالمحصلة، كلها خطوط إعلامية (وقضائية) حمر، لا يمكن للمرء أن يتجاوزها أو يتغافل عنها، تحت مسوغ هذه الحصانة أو تلك، تحت بند هذا التحصين القانوني أو المعنوي أو ذاك.

إن المطلوب اليوم (والمطالب به بقوة) ببلداننا: لا يتمثل في إلغاء الخطوط الحمر أمام الممارسة الإعلامية، كما يتراءى الأمر لبعض من غلاة الحرية وأخلاقيات المهنة، ولكن في العمل على إعادة صياغة هذه الخطوط من لدن الصادقين من رجال الإعلام ورجال القضاء، بغرض أن يكون الرابح بمحصلة ذلك، حقيقة الخبر ومصداقية الطريقة في صياغته وتقديمه للناس.

لن يترتب على هذا المطلب وضع حد فاصل وسميك بين المنابر الجادة، البانية للحرية، ومنابر الرصيف المدمنة على المزايدة، بل وأيضا بين القضاء المستقل العادل، وبين "القضاء" الظالم المدمن على تلقي التعليمات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك