زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


 
يلاحظ المرء في كتابات وتعليقات ترد في مواقع في الإنترنت ذات علاقة بالحراكات التي تشهدها بعض الساحات العربية، إضافة إلى اللغة الموظفة في بعض وسائل الإعلام، التضليل، واستخداما متساهلا للغاية في توظيف مصطلحات.

طبعًا، ليس من المتوقع تحول وسائل الإعلام إلى أكاديميات علمية ولا نتوقع من المواقع التي تستخدم لغة ومصطلحات ومفردات شعبوية الطابع والجوهر أن تلتزم بالمعايير العلمية عند التعامل مع أي موضوع.

ومن هنا تأتي مهمة الإعلام الجاد في "إعلام" الناس وتعليمهم وإضاءة الطريق أمامهم وتعريفهم بحقائق الأمور من دون انحياز سياسي فظ، وتقديم تعريفات وشروح عميقة للمصطلحات والمفردات التي يتم تداولها في المواقع والوسائل آنفة الذكر، لكن بلغة مبسطة.

مهمة الإعلام الجاد التنوير والتعليم والتهذيب، وهذا ما يميزه من الإعلام الشعبوي. في الغرب نجد على سبيل المثال صحفا تبيع ملايين النسخ يوميا، لكن المرء يعرف طبيعتها من شكلها الخارجي حيث تتميز بتضخم غير عادي لعنوان خبر ما، يتجاوز حجمه أضعاف الخبر ذاته، والعنوان نفسه عادة ما يكون مضللا.

مهمة الإعلام الجاد هي إعلام الناس وتعليمهم وإضاءة الطريق أمامهم وتعريفهم بحقائق الأمور دون انحياز، وتقديم تعريفات وشروح عميقة للمصطلحات والمفردات التي يتم تداولها

فعلى سبيل، إذا قرأ المرء خبرا في إحدى هذه الصحف أو المجلات الشعبوية، المسماة في الغرب بالصحافة الصفراء، أن شخصية عامة، ربما تكون أميرة أو ملكة، تشعر بالقلق من مرض السرطان، يتبادر إلى ذهن المرء على الفور أنها تعاني ذلك المرض اللعين، ولكن عند قراءة تفاصيل الخبر تجد أنه يشير إلى قيامها بزيارة مشفى لعلاج مرضى السرطان.

الهدف هو كسب انتباه السذج ممن يتابعون أخبارا كهذه، وحضهم على شراء الصحيفة أو المجلة، والأمثلة اليومية في الغرب والشرق أيضا أكثر من أن تحصى.

أما انتشار هذه "الصحف الصفراء" بل وحتى البرامج التلفزيونية وشعبيتها القصوى فلا يدلان على أهميتها وإنما على تدني مستوى ذكاء قرائها ومشاهديها وفطنتهم، ودهاء من يقف خلفها، وليس أكثر من ذلك!

وهذا تحديدا ما يدفع كبار العلماء العاملين في مختلف مجالات العلوم في الغرب إلى الشكوى من انتشار ظواهر مثل هذه البرامج وتسلط الإعلام الشعبوي "الإثاري" على مجالات جدية وتعيينه خبراء علاقتهم بالمادة التي يتكلمون فيها سطحية ليس غير.

هذا يسمعه المرء خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمواضيع السياسية حيث يجلب برنامج إعلامي ما "خبيرا" ما ليتحدث بلغة شعبوية تدعم سياسة المؤسسة الحاكمة، ما يقدم برهانا إضافيا على تسيُّس تلك البرامج وخدمتها سياسات المؤسسة الحاكمة. وعندما يظهر بعض أهل الاختصاص الجديين في وسائل الإعلام فإن أول ما يقوله في المقابلة: شكرا لاستضافتكم لنا أحيانا حيث إنكم غالبا ما تفضلون الخبراء الذين تعينونهم أنتم!

مع انتشار الإنترنت وتوافر الإمكانية لكل راغب في نشر ما يريد من دون أي ضابط، لا بد من الاعتراف بأن وسائل الاتصال الحديثة هذه قد جلبت أضرارا تساوي منافعها، إن لم تزد عنها أضعافا، وبدأت تحذيرات أهل الاختصاص من علماء الاجتماع والنفس من هذا التطور الخطير في الانتشار.

فقد صار بإمكان أي فرد نشر خبر مختلق مع صورة ثابتة أو متحركة، مفبركين، يتم التقاطه فورا من قبل معجبين وينتشر انتشارا مريعا.

ولأن غالبية شعوب أمتنا بسيطة وساذجة وعاطفية، كبقية شعوب العالم، فإنها تصدق الخبر المفبرك، بدرجة أو بأخرى، إن تماشى مع هواها وعواطفها أو كان يدعم أحكامها المسبقة، وتعيد نشره، أحيانا مرفقا بتفصيلات إضافية، مفبركة طبعا، وهكذا تنتشر الآفة.

فالعامة تصدق ما تريد تصديقه وما تتمناه، وليس الحقيقة. وهنا علينا تذكر أن قول نصف الحقيقة كذبة كاملة، وكذلك المثل الشعبي الشائع: "من يكذب مرة لا يصدقه أحد حتى لو نطق بالحقيقة".

الحقيقة، كما هي، بلا رتوش ولا مساحيق تجميل تصل العامة بعد فوات الأوان، ومن هنا يأتي المثل الذي تردده كثير من شعوب العالم وأممه "من السهل الوصول إلى الحكمة، لكن بعد فوات الأوان".

وهذا لا يعني إلقاء مسؤولية التضليل كاملة على وسائل الإعلام، لأن في كل الشعوب نخبا تفتقر إلى الحكمة وإلى بعد النظر في كافة مجالات الحياة.

ولأننا نتعامل مع قضايا مصيرية تتعلق ليس بحاضرنا فقط وإنما أيضا بمستقبلنا ومستقبل الأجيال الآتية، علينا التماس الحذر عند تحليل حراكات شعوب أمتنا في بعض دول وطننا العربي الكبير وتجنب إطلاق الأحكام المطلقة أو الترويج لأخبار سيلحق انتشارها الضرر بنا جميعا.

لأننا نتعامل مع قضايا مصيرية تتعلق بحاضرنا ومستقبلنا، علينا التماس الحذر عند تحليل حراكات شعوب أمتنا في بعض الدول العربية، وتجنب إطلاق الأحكام المطلقة أو الترويج لأخبار سيلحق انتشارها الضرر بنا جميعا

إن سقوط أو تحلل هذه أو تلك من الدول العربية لن يضر شعوبها فقط بل إنه يشكل خطرا على مستقبل وجودنا الوطني والقومي، حكاما ومحكومين.

فقط "الكيدي" هو من يستمتع ويفرح لمصائب الغير، حتى لو كان غريما. الكيدية لا تصنع مستقبلا ولا تحل مشاكل. مرض الغريم لا يمنحني الصحة، ورسوبه لا يعني نجاحي. إن كنتُ وطنيا خالصا أو وطنيا قوميا، فعلي الالتزام بمعايير واحدة وليس الكيل بمكيالين، واحد لابن الحرة وآخر لابن "الجارية".

فمن يظن أن إلحاق الضرر بالغريم يوصله إلى نعيمه الخاص واهم ومريض يحتاج إلى علاج نفسي وعقلي.

نعود إلى مصطلحات متداولة، هي أقرب إلى التضليل والتعتيم منها إلى التعليم والتنوير، ومنها "الديمقراطية"، حيث بالكاد نعثر بين المرددين لها صباحا وعشيا على من هو قادر على شرح المقصود.

وقد قمنا قبل فترة بعرض كتاب في صفحة "كتب" في هذا الموقع عن تاريخ الديمقراطية بقلم أكاديمي أسترالي محترم يتمتع بصيت عالمي في مجال تخصصه، شرح فيه تاريخية المصطلح ومعانيه المتغيرة عبر الحقب التاريخية المختلفة.

والأمر نفسه يسري على مقولة "حرية التعبير والإعلام"، عجيب أمر هذه الحرية حيث غالبا ما يفهمها مرددوها على أنها تعني حريتهم هم في قول ما يريدون، وإضفاء صفة الحقيقة المطلقة عليها، وبالتالي إلغاء الآخر.

حرية التعبير، هي مصطلح مأخوذ من القاموس السياسي الغربي الحديث لا يعني نشر المعلومات من دون ضوابط، ولا يعني إلغاء الآخر، حرية التعبير في دول الغرب تعني ممارستها ضمن قوانين محددة، ومن يخالفها يعرض نفسه للمساءلة القانونية وتبعاتها.

معظم دول الغرب تتساهل في الأمر، لكن بعضها صار يميل إلى وضع ضوابط تمنع وسائل الإعلام المحلية من نقد الحكومة، تحت طائلة المساءلة القانونية، وهذا ما فعلته المجر أخيرا حيث تسلمت تحذيرات شديدة اللهجة من مفوضية الاتحاد الأوروبي بضرورة التزامها بالمعايير الاتحادية العامة بها تحت طائلة العقاب.

أنا لا أدعي أن المسؤولين في الغرب يكترثون لتطبيق القوانين ذات العلاقة عندما تنشر وسائل إعلام أخبارا كاذبة عن دول غير صديقة، بل أنوه فقط إلى حقائق مرتبطة بممارسات قانونية علينا فهمها تماما، وعدم ترديد مقولات لا نفهم جوهرها وأبعادها ومعانيها الحقيقية والإطار الاقتصادي-الاجتماعي الذي تعمل فيه.

الغرب ليس "الأرض الموعودة" التي يبحث عنها كثير من البشر وبه من السلبيات، والإيجابيات، ما يملأ صحائف الكون، لكن أنظمته السياسية ليست فوضى وإلا لما تمكن من الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي رغم العواصف المدمرة التي تحيط به من كل صوب وحدب.

حرية الوصول إلى المعلومات لا تعني مخالفة القوانين المعمول بها، والتي وجب وضعها في بلادنا في حالة غيابها.

فعلى سبيل المثال، ثمة أفلام سينمائية طويلة مسموح بها في بعض الدول الأوروبية، لكنها ممنوعة في دول أخرى في القارة، فإن حصل وتوفر أي فيلم منها على الإنترنت وأصبح بمقدور الراغب مشاهدتها في البلد الممنوعة فيه، وضبط، يلاحق قانونيا ويعاقب، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تذكر.

ومن المصطلحات الأخرى المتداولة في مجتمعاتنا "حق التظاهر" حيث يفهم كثيرون أنه يعني حق المواطن في التظاهر متى شاء وأينما شاء وكيفما شاء.

في الغرب، التظاهر مكفول كحق، ضمن القوانين المعمول بها، لكل شخص أو جماعة منظمة أو غير ذلك التظاهر، ويتم ذلك عبر إخبار الشرطة بالأمر.

علينا الأخذ بالأسس العلمية لكل مصطلح والانطلاق منها لتعريف الأحداث، وتجنب التعميم والمبالغة الضارتين للغاية والتي جعلت الكثير من أبناء بلداننا التي "عانت" الثورات يراجعون أنفسهم الآن

لكن من الضوابط القانونية أن مقدم الطلب، فردا كان أو جماعة، عليه تقديم معلومات تفصيلية عن أمور عديدة، منها عدد المتظاهرين المتوقع، والشعارات التي سترفع وتلك التي ستردد، وفترة التظاهرة ومسارها.

وفي حال عدم التزام مقدم طلب التظاهرة بالاتفاق مع الشرطة يحق لها فضها ولو بالقوة واعتقال المتظاهرين وتغريم صاحب الطلب بقيمة أي خسائر قد تكون لحقت بالممتلكات العامة والخاصة بسببها.
 
وهذا يقودنا أخيرا إلى مفهوم الثورة، حيث أضحى أي حراك شعبي، مهما كان هدفه، ثورة في المفهوم المروج له شعبويا.
 
الثورة علم، فالثورة تعني قلب الأساس الاقتصادي لبلد ما. ما حصل في أوروبا في منتصف القرن الثامن عشر كان ثورات حقيقية لأنها قضت على الإقطاع، وما حصل في أوروبا الشرقية في مطلع التسعينيات ثورات حقيقية لأنها استبدلت الرأسمالية من النظام الاقتصادي الشيوعي، ما يدفع البعض لإطلاق صفة "ثورات مضادة" عليها، لأنها، من منظور القائل، أعادت تطور المجتمع إلى الوراء، وهي بالتالي ثورات رجعية.

ولأن الثورة علم، على النخبة وأدواتها التعبوية والتعليمية والتثقيفية الالتزام الدقيق بالمعنى وليس اللهاث خلف هدف إرضاء هذا القطاع أو ذاك من الشعب.

ولأن الثورة تقضي على نظام اقتصادي محدد وتقيم نظاما مناقضا له، تعد الدعوة إلى ثورة في الدول الغربية، تمردا ويلاحق مطلقو الشعار قانونيا.

فعلى سبيل المثال، كان الحزب الشيوعي في ألمانيا الغربية مسموحا به، لكنه كان يعتبر "معاديا للدستور" قانونيا، بما يمنح الاستخبارات حقا قانونيا في التغلغل فيه والتجسس على أعماله ونشاطاته، ومنع المنتمين إليه من ممارسة أي وظيفة حكومية تحت سقف قانون (منع ممارسة المهنة/ Berufsverbot) وهو مصطلح دخل قاموس اللغات اللاتينية كما هو.

لذا، علينا عند تقويم ما جرى في بعض أنحاء عالمنا العربي ولا يزال يجري، الأخذ بالأسس العلمية لكل مصطلح والانطلاق منها لتعريف الأحداث، وتجنب التعميم والمبالغة الضارتين للغاية والتي جعلت الكثير من أبناء بلداننا العربية التي "عانت" الثورات يراجعون أنفسهم الآن ويعضُّون على أصابعهم ندما.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك