سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني



ما إن أعلن أوباما تهديده بتوجيه ضربة عسكرية إلى النظام السوري حتى انفرجت أسارير كثيرة معتبرة أن اللحظة التي انتظرتها منذ اليوم الأول للثورة قد أزفت.

الائتلاف الوطني والمجلس الوطني ورهط من المنتظرين في الخارج أخذوا في تحضير أنفسهم معتبرين أن الأمر قد حسم، وأن أميركا التي لوعتهم سنتين ونصف قد أفاقت من "جهالتها" واندفعت لكي تحسم أمر الصراع ضد النظام في دمشق.

لكن فجأة تبخّر كل شيء، فقد أفرغ تهديد باراك أوباما من محتواه، وجرى التوصل إلى اتفاق أميركي روسي يخص تسليم الأسلحة الكيميائية، وانتهى الأمر.

لا شك في أن السلطة قد استخدمت الأسلحة الكيميائية بـ"دوز" أعلى من استخدامات عديدة سابقة، كان صاحب الخط الأحمر يغض النظر عنها، ويتوسل روسيا لكي تضبط "بيبيها" لتمنعه من استخدام هذا السلاح بعد أن اعتبره أوباما "خطاً أحمر.

غبيّ كل من يشك للحظة بأن دولة ما، مهما كانت معادية، يمكن أن تقدم هذا السلاح لمجموعة مسلحة، لأن ذلك من الخطوط الحمر التي لا يجري التسامح بها، ببساطة لأنها يمكن أن تنقلب على فاعليها

ولا شك في أن كل الوقائع تثبت ذلك إلا للذين لا يريدون الاقتناع، فالأسلحة المستخدمة ليست بدائية الصنع، بل صواريخ.

وغبيّ كل من يشك للحظة بأن دولة ما، مهما كانت معادية، يمكن أن تقدم هذا السلاح لمجموعة مسلحة، لأن ذلك من الخطوط الحمر التي لا يجري التسامح بها، ببساطة لأنها يمكن أن تنقلب على فاعليها.

ولهذا تتمسك كل الدول بعدم اللعب بها، ويبقى الحصول عليها أمرا محصورا فقط في الدول، وواضح من تقرير المفتشين الدوليين نوع الصواريخ المستخدمة، وأرقامها، وبالتالي مصدرها، وحتى زاوية الإطلاق، الأمر الذي يسمح بتحديد مكان الإطلاق، الذي جاء مطابقا لأقوال الناس.

طبعا، إن القول بأن طرفا ما في المعارضة المسلحة هو الذي استخدمها، بالتحديد من أجل التدخل الأميركي سوف ينهار على ضوء ملاحظة مجريات الأحداث، والتراجع الأميركي السريع عن توجيه الضربة العسكرية (حتى وإن أعاد استخدام القوة المسلحة).

فقد بدا أوباما مترددا، وكان منذ البدء قد حدد أن الضربة هي محدودة وتتعلق بالأسلحة الكيميائية ولا تهدف إلى إسقاط النظام، ثم ظهر أن الوضع الشعبي العالمي لا يميل إلى التدخل العسكري، وحتى بريطانيا، الملحق الطبيعي بأميركا قرر برلمانها عدم المشاركة.

وتدخل الكونغرس لكي يفرض على الرئيس الرجوع إليه رغم أن حدود الضربة كما توضحت هي من حقه "الطبيعي"، وبالتالي بدا أن أميركا مشلولة، ولهذا وافقت على سحب السلاح الكيميائي وفق المقترح الروسي.

ولكن هل كان استخدام السلاح الكيميائي ضرورة بالنسبة إلى السلطة؟
إذا كان هناك من يشير إلى أن السلطة كانت تتقدم عسكريا، وبالتالي لم تكن بحاجة إلى استخدام هذا السلاح، خصوصا وأن لجنة المفتشين موجودة في سوريا، فإن الوقائع كانت تشير إلى عكس ذلك تماما.

فقد حاولت تحقيق "انتصارات" جديدة بعد أن سيطرت على مدينة القصير، لهذا تقدمت لاستعادة حمص وريف دمشق، لكن أشهرا مرت دون أن تستطيع ذلك، سوى بعض التقدم في أحد أحياء حمص (حي الخالدية)، وفشلت فشلا ذريعا في كل ريف دمشق، وفي الوقت ذاته كانت تمنى بخسائر في الشمال والشرق وفي مناطق درعا.

وإذا كانت تريد تحقيق انتصارات لكي تعزز وضعها التفاوضي في مؤتمر جنيف 2، فقد اقترب المؤتمر دون أن تستطيع فعل شيء.

لقد استخدمت السلاح الكيميائي يوم 21 أغسطس/آب الماضي، وكان اجتماع الخبراء الأميركيين والروس سوف ينعقد يوم 26 أغسطس/آب الماضي لترتيب عقد المؤتمر في سبتمبر/أيلول.

بالتالي كان يبدو أن السلطة تسارع لتحقيق انتصار جديد قبيل انعقاد المؤتمر، لهذا لم يكن أمامها سوى الأسلحة الكيميائية لكي تربك الكتائب المسلحة في الغوطتين، وتتقدم للسيطرة عليها.

بدا أن السلطة تسارع لتعزيز موقعها التفاوضي، وتحقيق انتصار جديد قبيل انعقاد مؤتمر جنيف، لهذا لم يكن أمامها سوى الأسلحة الكيميائية لكي تربك الكتائب المسلحة في الغوطتين، وتتقدم للسيطرة عليها

وبطبيعة الحال فقد كانت تعتقد بأنها محمية من قبل الروس، وأن أميركا ليست قادرة على القيام برد فعل كما حدث في مرات سابقة، ثم استخدمت وجود المفتشين لنفي ممارستها انطلاقا من أنه ليس من الممكن أن تقوم بهذه "الفعلة الشنيعة" واللجنة على الأرض السورية.

هنا هي كما كانت -وكما فعلت في كثير من الحالات- تحضر النفي لإخفاء الممارسة، أي إنها تتقصد وجود عنصر يصبح مبرر النفي لممارستها.

فكما يقال إنه ليس من الممكن أن تقوم بهذا الفعل واللجنة في سوريا، يمكن أن يقال إنها انطلقت من هذه "البديهية" لكي تمارس فعلتها، الأمر الذي يوفر لها ستارا ضروريا للإنكار.

لكن "الانهيار السريع" في الموقف، والموافقة على تسليم كل الأسلحة الكيميائية (حتى دون الإشارة إلى وجود سلاح كيميائي لدى المعارضة كما تتهم ويكرر إعلامها)، حتى دون اعتبار للمسألة الوطنية برمتها (حيث كان السلاح الكيميائي هو المقابل للسلاح النووي الذي تمتلكه الدولة الصهيونية)، يشي بأن الأمر بات واضحا.

وبغض النظر عما يصرّح به الروس فهم يعرفون بدقة أن المسألة باتت واضحة، وأنهم مورطون بها (كما ظهر أن ألمانيا ودولا أخرى قد باعت أسلحة كيميائية للسلطة).

وكانت مسارعتهم لسحب الأسلحة هي التعبير عن فشلهم في ضبطها، ومنع السلطة السورية من استخدامها، وفي كل الحالات لا أميركا ولا روسيا لديها تردد في اعتبار أن ذلك ضروري لمصلحة الدولة الصهيونية.

أميركا لم تكن معنية بالملف السوري منذ بدء الثورة، ومن يعتقد غير ذلك فلأنه ما زال يعيش أجواء الحرب البارة، وجبروت أميركا الذي تلا انهيار الاتحاد السوفياتي.

ولقد أدت الأزمة المالية إلى تغيير كلية وضعها، وفرضت أن تعيد تموضعها عالميا، وهذه المرة بعيدا عن "الشرق الأوسط"، حيث باتت أولويتها منطقة آسيا والمحيط الهادي.

ولقد أصبحت مقيدة في استخدام قوتها العسكرية نتيجة أزمتها الاقتصادية العويصة، وأيضا باتت تنزع إلى "الانكفاء الداخلي" والحفاظ على وضعها كقوة عالمية، وليس كـالقوة العالمية المسيطرة.

وهذا الأمر جعلها "تبيع" سوريا (وربما الشرق الأوسط فيما عدا الخليج) لروسيا، وهو الأمر الذي فتح للتوافق الأميركي الروسي على مبادئ جنيف 1، وعلى عقد جنيف 2 وفق الرؤية الروسية.

ما أربك الإدارة الأميركية هو أنها بذلت مجهودا كبيرا لـ"تزبيط" الأطراف الإقليمية التي كانت لها "أطماع" في سوريا، أو التي كان يبدو أنها "تلعب" في الوضع السوري، مع إعادة ترتيب المعارضة الخارجية (الائتلاف الوطني) لكي تقبل بالحل الروسي.

ولكن السلطة اندفعت -بعد أن استطاعت تحقيق الدعم للتوافق الأميركي الروسي ولحل جنيف 2- إلى تصعيد الصراع من أجل تغيير موازين القوى، وزادت في استخدام الأسلحة الكيميائية، الأمر الذي كان يُظهر أميركا وكأنها تخرج منهزمة من المنطقة، خصوصا بعد ما حدث في مصر، ودفاعها عن سلطة الإخوان المسلمين (وتمرّد قيادة الجيش التي كانت تُحسب عليها).

لقد تكسر الخط الأحمر الكيميائي، وبدأت بعض القوى تتخلص من السطوة الأميركية، فكان الأمر بحاجة إلى "شدة أذن" للقول بأن أميركا ما زالت قوية وقادرة، لكنها لم تعد تريد الحرب، لكنها إذا ما اضطرت سوف تفعل

لقد تكسر الخط الأحمر الكيميائي، وبدأت القوى التي كانت تحت قبضتها تتفلت من سيطرتها، لهذا كان الأمر بحاجة إلى "شدة أذن" للقول بأن أميركا ما زالت قوية وقادرة، لكنها لم تعد تريد الحرب، لكنها إذا ما اضطرت سوف تفعل.

حصلت أميركا دون حرب على اتفاق بتخليص سوريا من الأسلحة الكيميائية، هذا نجاح لا شك في ذلك، وسرعة قبول السلطة يؤكد هذا الأمر.

ولكن هل استعادت هيبتها؟ ربما ليس بعد، فهذا يعتمد على مجريات تسليم الأسلحة الكيميائية وتدميرها، وحتى وإن قامت أميركا بتوجيه ضربة عسكرية فإن الأمر الذي بات واضحا هو أنها لم تعد تلك القوة التي تقرر، وأصبحت تتراجع وتنحدر.

السؤال الذي يبقى قائما هو: هل يفضي رعب السلطة إلى تسهيل أمر جنيف 2؟
إن الاتفاق على سحب الأسلحة الكيميائية سوف يعيد مسار جنيف 2 بالتأكيد.

هل ستكون السلطة قد هزلت إلى حد الموافقة على المبادئ المطروحة، التي تعرف هي أنها ستودي بها في كل الأحوال، برغم تردد الروس وغموضهم في هذا المجال؟

أما المعارضة فقد باتت محكومة بسياق دولي يفرض عليها الذهاب إلى جنيف 2 بغض النظر كذلك عن كل التصريحات، وربما كان "الخذلان الأميركي" الجديد هو المدخل الذي يعبّد الطريق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك