بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

من بين رسائل شتى نضحت بها التفاعلات السياسية التي أعقبت سقوط مبارك، برز جليا تواضع أداء قوى المعارضة السياسية ليسلط الضوء على عمق المأزق الذي آلت إليه تلك الأخيرة بمختلف أطيافها وفصائلها.

انقسامات وتصدعات
ربما لا يكون من قبيل المبالغة الادعاء بأن المعارضة المصرية مدينة للرئيس مرسى وسياساته في التئامها الاضطراري واصطفافها الظرفي. فشأنها شأن أي معارضة عاجزة عن منافسة فصيل سياسي يبدو الأكثر تنظيما وجاهزية لاجتذاب الجماهير في الانتخابات، أبت فصائل المعارضة إلا أن ترجئ صراعاتها وخلافاتها البينية برهة من الزمن حتى توحد جهودها، مرحليا على الأقل، بغية سحب البساط من تحت أقدام الطرف المنافس والأقوى المتمثل في تيار الإسلام السياسي بشتى أطيافه.

وبغير عناء، يستطيع المتأمل في تاريخ التجربة الحزبية لمصر الحديثة أن يكتشف أن الانشقاقات الحزبية ليست من مستحدثات نظامها الحزبي. فما إن عرفت ظاهرة المعارضة السياسية بسمتها التنظيمي مع تأسيس الحزب الوطني بقيادة مصطفي كامل عام 1907، ومن بعده حزب الوفد القديم عام 1918، حتى أضحت الانشقاقات والتصدعات الحزبية صنوا للأحزاب السياسية التي تبنت المعارضة لثالوث السلطة والحكم في حينها والمتمثل في سلطات الاحتلال الإنجليزي والقصر والحكومة المنتخبة.
 
فيما يجوز الادعاء بأن ظاهرة الانشقاقات الحزبية تعد ظاهرة عالمية صحية ومحمودة في آن، فإن ظاهرة التصدعات الحزبية في مصر، كما في دول عالم ثالثية عديدة، قد تطوى بين ثناياها دلائل مقلقة على وهن النظام الحزبي
فقد انبلج من رحم الحزب الوطني مجموعة الحزب الوطني الجديد بزعامة فتحي رضوان، ثم الحزب الشيوعي المصري الذي تأسس في العام 1921، الذي تصدع بنيانه سريعا لتخرج عنه مجموعات وفصائل لا تحصى. وفي تطور درامي تخللته صراعات وخلافات بين رفقاء الدرب، انبثق عن حزب الوفد عدة أحزاب، هي: حزب الأحرار الدستوريين الذي أبصر النور عام 1922، وحزب الشعب الذي نشأ عام 1930، ثم الهيئة السعدية عام 1938، ومن بعدها الكتلة الوفدية عام 1943، وصولا إلى الطليعة الوفدية عام 1948.

وبعد مرور عدة عقود على تأسيسها في العام 1928، خرجت من عباءة جماعة الإخوان المسلمين في سبعينيات القرن المنصرم جماعات وتنظيمات إسلامية جديدة تتبنى توجها جهاديا وتنتهج نهجا تكفيريا. وغير بعيد عن ذلك انشق الناصريون عن حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي وشكلوا حزبا مستقلا، هو الحزب العربي الديمقراطي الناصري، الذي تولدت عنه عدة أحزاب أخرى لاحقا. كما انبثقت عن حزب التجمع أيضا تجمعات سياسية مثل التيار الثوري، والتيار الاشتراكي، واليسار الجديد ... إلخ.

ولم تكن الأحزاب ذات الخلفية الدينية بمنأى عن هذا الانقسام، خصوصا بعدما نأى بها الانخراط في العمل السياسي عن التوافق على أسس دينية عقائدية وهوى بها في أتون الاختلافات والانقسامات السياسية، فبعد خلافات عمودية حادة نشبت داخل حزب النور السلفي، بات الحزب يواجه خطر التصدع بعد استقالة رئيسه الدكتور عماد عبد الغفور وانسحاب العشرات من رموزه وقياداته، وتشكيلهم حزبا سياسيا جديدا هو حزب "الوطن" السلفي وإعلانهم التحالف مع حزب آخر جديد يؤسسه الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل.

ويصعب القطع كذلك بأن الخبرة التنظيمية الهائلة والموغلة في القدم لجماعة الإخوان المسلمين كفيلة بتحصين حزب الحرية والعدالة المنبثق عنها ضد أي تحولات أو مآلات من هذا النوع، خصوصا في ظل أجواء الاستقطاب السياسي الحاد، علاوة على الضغوط الكثيفة والتحديات المتفاقمة التي تحاصر الجماعة وحزبها من كل نحو وصوب، إلى حد ينذر باتساع رقعة الخلاف بين أبرز رموزهما حول قضايا وملفات شتى.

وفيما يجوز الادعاء بأن الانشقاقات الحزبية تعد ظاهرة عالمية صحية ومحمودة في آن، كونها تثرى الحياة السياسية وتزيدها ديناميكية، كما تنشط عملية الحراك السياسي الديمقراطي وتجدد دماء النظام السياسي وتعزز دوران النخبة السياسية عبر تنمية وتنويع أقنية المشاركة السياسية في أعلى مستوياتها، وتوسيع دائرة الكوادر السياسية المؤهلة والقادرة على المشاركة الناجزة في إدارة العملية السياسية، إلا أن ظاهرة التصدعات الحزبية في مصر، كما في دول عالم ثالثية عديدة، قد تطوى بين ثناياها دلائل مقلقة على وهن النظام الحزبي.

فغالبا تغدو تلك الظاهرة انعكاسا لحالة الإعياء المزمن والعجز المطبق التي تخيم على تلك الأحزاب وتبدو أعراضها جلية في الإفلاس البرامجي والجمود الفكري والتنظيمي داخلها علاوة على الإخفاق السياسي والجفاء الجماهيري والفقر في الكوادر والكفاءات السياسية.

من زاوية أخرى، تميط الانشقاقات الحزبية اللثام عن حزمة أخرى من الأعراض المرضية، كاستشراء الشخصنة وغياب المؤسسية واستفحال الصراعات البينية حول الزعامة، فضلا عن التداخل الشديد، خصوصا في حالة الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية، بين الديني والسياسي واستحالة الفصل بين النشاط الدعوى والعمل السياسي، بما يحول دون بلورة ركائز سياسية وفكرية لجماهيرية الحزب بديلا عن التبعية المبنية على الولاءات والانتماءات الأولية كتلك الدينية أو القبلية، والتي دأبت الأحزاب ذات الجذور الإسلامية على الارتكان إليها رصيدا أو احتياطيا إستراتيجيا لها في معاركها السياسية ومنافساتها الانتخابية ضد خصومها من الأحزاب والقوى المدنية العلمانية.

المسؤولية الوطنية
من المفترض في أي معارضة سياسية أن تتحلى بالمسؤولية الوطنية، بمعنى أن تعلي مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات فئوية أو حسابات حزبية، وأن تنأى بنفسها عن الأسقام التي تفت في عضد أية معارضة فاعلة كالمعارضة فقط من أجل المعارضة، اختزال مقاصدها في إسقاط نخبة الحكم وتعويق المسيرة السياسية، فضلا عن الاستقواء بالخارج وإقحام أية أطراف وطنية غير سياسية كالقوات المسلحة أو العناصر الخارجة على القانون في أية منافسات أو صراعات سياسية بين القوى الحزبية المدنية.

وعلى غير ذلك الدرب مضت بعض فصائل المعارضة المصرية، فرغم أن الأزمة الدستورية الأخيرة قد أتاحت لها فرصة تاريخية نادرة للالتئام والاصطفاف في مواجهة الرئيس المنتخب والتيار الإسلامي قاطبة، فإن هذا التوحد لم ينعكس بالإيجاب على طريقة إدارة المعارضة لصراعاتها السياسية مع النخبة الحاكمة.

فقد تناست قياداتها ورموزها أنها شطر النظام السياسي، ما يفرض عليها العمل سويا مع نخبة الحكم لاستكمال ثورة يناير وتحقيق أهدافها وإتمام مسيرة التحول السلمي نحو الديمقراطية، والحيلولة دون انزلاق البلاد إلى مهاوي الفتنة والتشرذم حتى لا تغدو صيدا ثمينا وسهلا لمتربصي الخارج أو عناصر الثورة المضادة في الداخل.

بلا مسؤولية، أبدت المعارضة رفضها التام للإعلان الدستوري كما لمشروع الدستور الجديد، رافضة كل دعوات الحوار التي أطلقها الرئيس مرسى قبل أن يتجاوب مع مطالبها ويرضخ لشروطها!

وبلا مسؤولية، أبدت المعارضة رفضها التام للإعلان الدستوري كما لمشروع الدستور الجديد، وآثرت الاحتكام إلى الاحتشاد الجماهيري للتعبير عن استيائها، رافضة كل دعوات الحوار التي أطلقها الرئيس مرسى قبل أن يتجاوب مع مطالبها ويرضخ لشروطها التي لا تعترف بالحلول الوسط.

ولم تتورع فصائل من المعارضة عن الاستقواء بالخارج حينما طالبت الغرب بممارسة الضغوط على الرئيس لحمله على التراجع. ولم يكن هذا المسلك بالأمر المستحدث على المعارضة العربية، التي لجأت بعض أطيافها تحت وطأة البنية الإقصائية للنظم التسلطية العربية المفرطة في عنفها ضدّ معارضيها للدخول في تحالفات ما فوق وطنية لإسقاط نخبها الحاكمة. كذلك، جنحت قوى المعارضة المصرية للاستعانة بالقوات المسلحة لنفس المقصد، ولم تتورع عن التعاون مع فلول النظام السابق توخيا للحيلولة دون صعود الإسلاميين وانفرادهم بالسلطة.

وما كاد إعلان جبهة الإنقاذ نيتها خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة بقائمة موحدة يثلج الصدور كونه خطوة إيجابية تعكس نضجا سياسيا واضحا بالانتقال من الثورة إلى الدولة ومن تجاذبات الشارع ومهاترات الميادين إلى المؤسسات والبرامج والانتخابات، حتى جاء تأكيد بعض قياداتها على أن الهدف من وراء تحركهم يكمن في إسقاط الدستور الجديد وإقصاء الإسلاميين، ليبعث على الإحباط من سلوك المعارضة التي تصر على اختزال الثورة العظيمة في الصراع على السلطة.

البديل الهش
كونها تعد ركنا ركينا من أركان النظام السياسي، يغدو دور المعارضة السياسية ملحا من أجل تقويم أداء ذلك النظام وتصحيح مساره، سواء من خلال الرقابة أو عبر تقديم البرامج والمشاريع البديلة. وإذا كانت البنى السياسية العربية تعاني غياب المجال الوسيط بين الدولة والمجتمع، فإنه يفترض في المعارضة السياسية أن تقوم بملء الفراغ الناجم عن وجود سلطة منفصلة عن المجتمع.

وقد لا يخفى على كثيرين أن مأزق المعارضة السياسية في مصر لم يكن وليد اليوم، وإنما يضرب بجذوره في عمق التجربة السياسية المصرية الحديثة، فمنذ العهد الليبرالي (1923-1952) لم تعرف مصر هيكلا حقيقيا للمعارضة المؤثرة، إذ كان هناك حزب واحد مهيمن ومستمر في السلطة فيما تعجز بقية الأحزاب عن منافسته بشكل جاد.

ورغم أن حزب الوفد كان باقيا في السلطة بإرادة الناخبين، أمسى الحزب الواحد بعد ثورة يوليو 1952، سواء كان هيئة التحرير أو الاتحاد القومي أو الاشتراكي أو الحزب الوطني المنحل مهيمنا من دون عملية اقتراع نزيهة. وبينما نزع الحزب الحاكم باتجاه ترويض بعض فصائل المعارضة أو تشكيل معارضة مستأنسة من داخله بغية إضفاء شيء من الشرعية على النظام بقيت المعارضة السياسية الحقيقية خارج المشهد السياسي.

وقد أفضى غياب المعارضة السياسية المدنية الحقيقية إلى فتح الباب على مصراعيه أمام بروز معارضات تركن إلى آليات غير سياسية كما تصطبغ بصبغات دينية وإثنية. فبينما عجزت الأحزاب السياسية المدنية بشتى أطيافها عن تقديم بديل ملائم للنخب الحاكمة، عمدت الأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية إلى تطوير ذاتها وتقديم نفسها للجماهير ممثلا لتيار الليبرالية الإسلامية بعد أن جددت من خطابها السياسي عبر تطعيمه بمفاهيم الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الأقليات من منظور المواطنة والمساواة ودولة القانون وليس بمنطق الحماية أو الذمية.

وبالتوازي، كانت بعض أطياف المعارضة قد اكتست بمسحة إثنية أو طائفية، خصوصا في البلدان العربية التي تتسم بالتعددية الثقافية، حيث ظهرت معارضة كردية، وأخرى مسيحية أو شيعية ... وهكذا. وهو ما فرض بدوره تحديات جساما أمام قدرة الدولة الوطنية العربية على إيجاد إطار مؤسسي مرن وفعال واستيعابي، يحمي نسيجها الوطني من التمزق، ويوفر ضمانات التوازن الذاتي في إطار الوحدة من خلال إرساء دعائم دولة الحق والقانون.

دفع الإفلاس السياسي والفقر الجماهيري بالأحزاب المدنية للاستقواء بالحزب الوطني المنحل وفلول النظام السابق بغية الاستفادة بخبراتهم التنظيمية وزخمهم الجماهيري في مواجهة الأحزاب الإسلامية

وقد دفع الإفلاس السياسي والفقر الجماهيري بالأحزاب المدنية للاستقواء بالحزب الوطني المنحل وفلول النظام السابق بغية الاستفادة بخبراتهم التنظيمية وزخمهم الجماهيري وإمكاناتهم المالية في مواجهة الأحزاب والقوى ذات المرجعية الإسلامية.

كما لم تجد أحزاب ليبرالية غضاضة في الاستعانة ببعض الخارجين على القانون لإرباك النخبة الحاكمة المنتخبة. وهو توجه كان له جذوره التاريخية عربيا، إذ لجأت الأحزاب الليبرالية المصرية والسورية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، إلى تشكيل منظمات شبابية شبه مليشياتية ، من نوع "القمصان الزرقاء" في حزب الوفد المصري، و"القمصان الحديدية" في شبيبة الكتلة الوطنية السورية، لردع المعارضين لها.

وبدوره يبرز التحدي الثقافي أمام المعارضة، فإلى جانب كونها ظاهرة ممقوتة بالثقافة العربية الإسلامية، وأقرب إلى النمط "الخارجي" الإسلامي، أي نمط "المروق" و"العصيان" و"التمرد" الذي يورد صاحبه موارد التنكيل والهلاك من قبل أولي الأمر وأصحاب السلطان، ارتبط تبلور المعارضة الحزبية بملابسات نشوء الأحزاب السياسية في البلدان العربية، التي نشأت إما في بيئة قبلية بدائية، أو من دون مطلب شعبي وإنما بإيعاز من الإدارة الاستعمارية لتكوين هيئة وطنية تمثيلية تتوسط بين المستعمر ومواطني الدولة مثلما حدث مع حزب الوفد في مصر وحزب المؤتمر القومي في سوريا، أو بمبادرة من رأس السلطة على غرار إنشاء السادات للمنابر السياسية الثلاثة عام 1976.

وانطلاقا مما سبق، باتت المعارضة في موقف صعب بين النخبة الحاكمة والجماهير، فبينما يستثقلها الطرف الأول ويسعى إما لتقويضها أو ترويضها، لا يفتأ الطرف الآخر يشيح عنها غير معول عليها في تحقيق التغيير، حيث كان رهانه دائما على الحراك الشعبي ودعم القوات المسلحة، كما جرى في ثورات 1881 و1952 و2011.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك