مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

 

رغم هالة الاحترام التي يحظى بها الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل فإنه يبقى شخصية مثيرة للجدل بحكم اصطفافاته الفكرية والسياسية المعروفة في ظل ظروف ومفاصل زمنية معينة، وآرائه وقراءاته السياسية التي تغرد خارج السرب، واختراقاته المتكررة لبدهيات ومسلمات تزج به في دائرة النقد المباشر، وتغطي على قراءاته الإيجابية الأخرى لمحاور السياسة والواقع.

وبعيدا عن حالة هيكل التاريخية الملتبسة بالجدل وشعاراته المرفوعة التي ناقضت حياته العملية في كثير من الأحيان، فإن مواقفه الغريبة من ثورات الربيع العربي، والشأن المصري الداخلي، والشأن الفلسطيني إثر العدوان الأخير على غزة، التي عبر عنها مؤخرا في مختلف وسائل الإعلام، تضفي مزيدا من الغبش والتشويش على مسيرته التاريخية، وتحرمه من فرصة امتشاق الدور الريادي ذي الرؤية الوسطية المتوازنة وسط تشعبات ودهاليز وتناقضات الوسط الفكري والسياسي العربي. 

هيكل والثورات العربية
موقف هيكل من الثورات العربية بالغ الغرابة، فهو يرى فيها اتفاقية "سايكس بيكو" جديدة لتقسيم الدول العربية ومواردها، ولا يتوانى في رميها بأنها ثورات مصطنعة تتم بواسطة تسليم المفتاح، وتموّل من الخارج من طرف قوى تبتغي خدمة مصالحها الخاصة فقط.

موقف هيكل من الثورات العربية يشكل استخفافا بالغا بوعي وعقول أبناء الأمة، وإساءة كبرى لنهضتها الحية وحراكها الكبير في سبيل استرداد حريتها المهدورة وكرامتها المفقودة

هذا الموقف يشكل استخفافا بالغا بوعي وعقول أبناء الأمة، وإساءة كبرى لنهضتها الحية وحراكها الكبير في سبيل استرداد حريتها المهدورة وكرامتها المفقودة، وثورتها من أجل استعادة حياتها وإعادة الألق إلى أرواحها التي حاولت أنظمة القهر والاستبداد العربية طمسها طيلة العقود الماضية.

نحاول أن نجد مسوغا أو نلتمس جانبا من الفهم والمنطق في موقف هيكل إزاء الربيع العربي، فلا نجد من ذلك شيئا، بل إننا نلمس محاولة متعمدة لخلط الأوراق وقلب المفاهيم بهدف تشويه الربيع العربي وإبرازه على أنه محض صناعة أجنبية ممولة خارجيا، ما يعني ضرب أعظم مشروع وأنبل ظاهرة عرفتها الأمة في العصر الحديث، ومحاولة تخذيل الشعوب العربية الأخرى التي لم تهب عليها رياح الربيع عن اجتراح سيناريو الثورة من أجل الحرية والكرامة والانتفاض في وجه الظلمة والطواغيت.

لا أحد يستسيغ وصف هيكل للثورات العربية بأنها مأجورة، أو مُغرّر بأبنائها وسدنتها على أقل تقدير، فهذا وصف يهتك طهر وقداسة الكفاح الأصيل والدماء العربية المدرار التي سالت على مذبح الحرية طيلة العامين الماضيين.

ولئن كان مفهوما طبيعة التدخل والعبث الخارجي، وخصوصا الغربي، في مسارب ومسالك الثورات العربية، ومحاولة توظيفها لخدمة مصالح أعداء الأمة، فإن ذلك لا يعني بحال ارتماء الثورات العربية في أحضان الخارج، أو نجاح السياسة الخارجية في احتواء الربيع العربي الثائر، خصوصا في ظل الوعي الكبير للقوى العربية الثورية الحية التي أثبتت قدرة على إدارة المرحلة الراهنة وإفشال المخططات الخارجية وقيادة شعوبها إلى بر الأمان. 

هيكل والشأن المصري
في مقاربته للشأن المصري الداخلي يمارس هيكل اصطفافا حادا إلى جانب القوى العلمانية والليبرالية التي تغتصب المقدرات الإعلامية، وتنقلب على المفاهيم الديمقراطية، وتحاول جرّ مصر إلى أتون الفتنة والاقتتال الداخلي.

جملة من الرؤى والأفكار التي لا تستوي على منطق يسوقها هيكل في حديثه عن الدستور المصري الجديد، وعن جماعة الإخوان المسلمين، والرئيس محمد مرسي.

في نظر هيكل فإن الدستور المصري معيب في كل شيء، وهو لا بد أن يعبر عن إرادة موحدة للأمة المصرية بكل طوائفها وتتفق عليه جميع الأديان، وكان من الأجدر بالرئيس مرسي أن يتراجع عن قرار الاستفتاء لصالح إعلان دستور مؤقت يتوافق عليه جميع المصريين، فنحن -والكلام لهيكل- أمام شعب منقسم تقريبا، وهذا وضع لا يمكن فيه التأسيس لدستور.

ويرى هيكل أن مصر تعيش صدمة الأمر الواقع بعد تمرير الدستور، وأن الوضع المصري يؤول إلى المجهول وينحدر إلى جرف سحيق بفعل الدستور الذي تم تمريره بالإكراه، ويشدد على أن الأقلية هي التي وضعت الدستور، وأنها لا يمكن أن ترسم مستقبل مصر بهذه الطريقة.

يصعب القول إن هيكل لم يتفرس في ملامح الدستور الجديد أو يطلع على نصوصه ومضامينه المختلفة، فهو كاتب واسع الاطلاع ولا تفوته شاردة ولا واردة، ما يحيلنا إلى سوء الظن بنواياه وقراءاته المنشورة التي بدت سوداوية بحتة دون أي أساس علمي أو موضوعي.

فالقول إن الدستور معيب في كل شيء يجعل هيكل يحلق في عالم آخر، ويرتاد واديا غير ذي زرع منهجي أو واقعي، خصوصا أن الدستور الجديد لم تسجل عليه سوى ملاحظات محدودة لا تقدح في رفعة وجلال قدره وأثره في تطور الحياة السياسية والمجتمعية المصرية في المرحلة القادمة، وفي ضوء تهرب قيادات المعارضة المصرية من إجراء أي مناظرة حقيقية مع اللجنة التأسيسية التي صاغت الدستور، واعتمادها على الفرقعات الإعلامية والاتهامات السياسية المرسلة التي لا تستند إلى دليل أو برهان.

لكن الأكثر غرابة ما يلوكه هيكل حيال صدمة الأمر الواقع والإكراه في تمرير الدستور والأقلية التي وضعته، وأن انقسام البلد يحتم التراجع عن الدستور وإقرار دستور مؤقت، فهو بهذا الموقف الغريب يزيف الواقع ويستخف بعقول الناس وينسف أبسط أسس وبدهيات الديمقراطية التي تحتكم إلى نظام الأغلبية والأقلية، ويجعل من الأقلية إلها يجب أن يتحكم حصريا في رأي واتجاه وقرار الأغلبية المصرية.

أما حديثه عن ضرورة إحداث التوافق المصري حول الدستور فهو يناقض نفسه بنفسه، إذ يتحدث في البداية عن انقسام داخلي يصعب معه تمرير أي دستور، ومن ثم يأتي داعيا ومنظرا لتوافق سياسي ومجتمعي حول دستور مؤقت، فكيف يمكن –والحال المنقسمة هذه- أن تتحقق الإرادة التوافقية في الأمة على دستور بنكهة مؤقتة حسب هيكل؟!

وفي نظر هيكل أيضا فإن جماعة الإخوان في الأصل فكرة ملتبسة جدا ويجب أن تحل نفسها، وإذا لم تحل نفسها فستجد نفسها لا تساوي شيئا، موضحا أن الإخوان يستطيعون امتلاك مفاتيح السلطة، لكنهم لا يستطيعون السير بمصر أو التمكن منها وحدهم، وهم -الإخوان- يعدون الذين يختلفون معهم في النقاش الديني كفارا.

لم يقدم هيكل دليلا على ادعائه حول الفكرة الملتبسة لجماعة الإخوان، ولم يقدم برهانا على زعم سيطرة الإخوان على مصر والانفراد بها، إلا إذا كان يعتقد أن تعيين مستشار هنا أو محافظ هناك من ذوي الانتماء الإخواني أخونة للدولة المصرية ذات المؤسسات الكبرى، وكأنّ الإخوان نبت نشاز عن البيئة المصرية ولا حق لهم في تنفيذ برنامج إصلاح الدولة ومؤسساتها المترهلة، في الوقت الذي يصمت فيه صمت القبور عن الدولة العميقة التي تحارب مرسي والإخوان وتحاول إحباط تجربتهم الناشئة بكل الوسائل.

هيكل يطالب بإعطاء فرصة أخرى للرئيس محمد مرسي، وكأن الأمر يتعلق بمنّة أو مكرمة منه أو من جبهة المعارضة، فالرئيس مرسي يواصل مسيرته الرئاسية مدعوما بشرعيته الشعبية والدستورية

ولعل الأخطر من ذلك كله سقوط الرجل في مستنقع التشويه العمد حين يتهم الإخوان بتكفير الخصوم في إطار النقاشات الدينية دون أن يقدم مثالا أو نموذجا واحدا على ذلك، وخصوصا في ظل وسطية المنهاج التي يعتنقها الإخوان منذ تأسيسهم عام 1928م. 

أما حديثه عن الرئيس مرسي فحدث ولا حرج، إذ يشير إلى أن مرسي استخدم لغة التهديد، متهما مرسي والإخوان بتجريف المؤسسات في مصر، فهذا الحديث يوحي بأن مرسي مغتصب للسلطة ويمارس الدكتاتورية القهرية، فيما الحقيقة الساطعة تبرز انحياز الرجل إلى الحوار البناء القادر على نزع الفتيل في كل المفاصل والمنعطفات.

ومن أغرب ما سمعت قوله إن مسيرة قصر الاتحادية التي حاصر فيها المتظاهرون التابعون للمعارضة والفلول مقر رئاسة مرسي ومارسوا فيها البلطجة التي أزهقت الأرواح وأسالت الدماء، تعد من أبدع مشاهد التاريخ المصري الحديث. 

ولدى حديثه عن علاقة خيرت الشاطر بالرئيس مرسي، يحاول هيكل دق الأسافين في جدار العلاقة المتبادلة بين الرجلين، بقوله: "بعد ما كان يعتمد مرسي على مبدأ السمع والطاعة أصبح صاحب القرارات، هذا بالطبع سوف يخلق ضغائن في النفوس فيما بين الجميع، لأن مرسي لم يكن المرشح الأول، فكان يسبقه الشاطر، ومن المعروف أن الشاطر رجل بارع اقتصاديا واجتماعيا، وبالطبع شعر -وهو كان مهيأ لهذا المنصب بدلا من مرسي- بحزن ثم أتى مرسي من زرقة السماء للفوز بمنصب الرئاسة".
 
وفي موضع آخر يحاول هيكل دفع مرسي إلى الصدام مع جماعة الإخوان بقوله "أشك في أن الرئيس قادر على كبح جماح جماعته"، وفي ذلك اتهام صارخ لجماعة الإخوان بالتسبب في الأزمة التي يشهدها الوضع المصري الراهن، وتحميلها لمسؤولية التدهور الحاصل بما يتنافى مع وقائع الأحداث.

وفي ختام تعليقه على الوضع المصري يطالب هيكل بإعطاء فرصة أخرى للرئيس محمد مرسي، وكأن الأمر يتعلق بمنّة أو مكرمة منه أو من جبهة المعارضة، إذ إن مرسي يواصل مسيرته الرئاسية مدعوما بشرعيته الشعبية والدستورية لولاية رئاسية كاملة وليس تبعا لأهواء وأمزجة بعض المخالفين والمعارضين.

هيكل والشأن الفلسطيني
ومع كل ما صدر عن هيكل حول الثورات العربية والشأن المصري الداخلي، فإن ذلك كله في كفة وما تفوه به عن الشأن الفلسطيني في كفة أخرى تماما.

لقد صُدمنا تماما من تصريحات هيكل في أعقاب الحرب الأخيرة على غزة حين قال "لا أعتقد أن ما فعلناه فى غزة إنجاز، حيث إن إسرائيل حققت كثيرا مما تريد في غزة، لأنها كسرت كل ما تريده، ولوحت بالدخول البري لغزة فأرعبت الجميع ولم يكن الدخول البري هدفها".

ويكمل هيكل معزوفته بالقول إن "تدخل مصر لوقف النار فى غزة ليس جديدا، وإن هناك جهودا سابقة لجهود المخابرات المصرية، وإن كنا نعد أنفسنا أمام إنجاز فإن الجديد هو أنه جاء تحت إدارة إسلامية".

والأدهى أن هيكل أبدى استنكاره لإشارة مرسي إلى القضية الفلسطينية في خطابه الأخير أمام مجلس الشورى المصري، قائلا بدهشة إن "القدس تمثل ركيزة للتيار الإسلامي".

إن إصرار هيكل على تحريف الوقائع والأحداث، وتجريد المقاومة الفلسطينية من حقها في الانتصار على الاحتلال، وتمجيد قوة وإرهاب الاحتلال، يشكل نقيصة كبرى في حق هيكل ومسيرته التاريخية، وانقلابا سافرا على كل الشواهد الحية والحقائق الموضوعية التي عاينها الإسرائيليون كما الفلسطينيين والعرب والعالم أجمع.

ألم يبلغ مسامع هيكل نبأ اعتزال وزير حرب الاحتلال إيهود باراك –الذي قاد العدوان على غزة- الحياة السياسية نتيجة لفشله في إخضاع المقاومة الفلسطينية وتركيع أهالي غزة الصامدين؟! ألم يسأل هيكل عن بنود اتفاق التهدئة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية الذي أجبر الاحتلال على تقديم تنازلات حقيقية لصالح الفلسطينيين من موقع الضعف والانهزام؟!

ألم يتابع هيكل مجريات المعركة الكبرى بين المقاومة والاحتلال، ويبلغه أمر اختراق العمق الإسرائيلي وقصف القدس وتل أبيب بالصواريخ الفلسطينية ودخول خمسة ملايين إسرائيلي إلى الملاجئ تحت طائلة الرعب والانكسار؟!

هيكل يحاول تقزيم وتشويه أي انتصار فلسطيني، وعزل القضية الفلسطينية عن عمقها العربي والإسلامي، والترويج لأفكار غريبة ومفاهيم غير متجانسة يكتنفها العور والتناقضات

ألم يواكب الأحداث والمستجدات ويطلع على وجوه قادة الاحتلال الكالحة الشاحبة (نتنياهو-ليبرمان-باراك) التي أطلت على شعبها لحظة الإعلان عن اتفاق التهدئة في مؤتمرهم الصحفي الذليل؟!

ألم يتناه إليه أن إسرائيل استجدت التهدئة ووقف النار هذه المرة عن يد وهي صاغرة، وأن بنك أهدافها قد اقتصر هذه المرة على ضرب المباني والمنشآت الرسمية والمدنية واستهداف المدنيين الفلسطينيين العزل؟!

وهل يمكن للكاتب الكبير أن يتكرم علينا بذكر واحد من الأهداف التي حققتها إسرائيل من وراء حربها الأخيرة على غزة؟!

وهل يمكن لأي منصف القول إن تعاطي نظام مرسي مع العدوان الإسرائيلي الأخير هو نفس تعاطي نظام مبارك زمن الحرب الأولى نهاية العام 2008م؟! ما لكم كيف تحكمون. 

إن مواقف هيكل الأخيرة تحاول تقزيم وتشويه أي انتصار فلسطيني، وعزل القضية الفلسطينية عن عمقها العربي والإسلامي، والترويج لأفكار غريبة ومفاهيم غير متجانسة يكتنفها العور والتناقضات بما يزرع التشوش والإرباك في الوعي العربي الجمعي.

وأخيرا.. من واجبنا اليوم تقديم النصح للسيد هيكل بضرورة تحري المواقف الموضوعية المتوازنة، والبعد عن الاصطفافات السياسية والحزبية الضارة، والإقلاع عن اجتراح منطق الأستاذية القهرية في التعاطي مع الآخرين، واحترام وعي الشعوب العربية وثوراتها الكبرى وكفاحها المبارك في سبيل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والتمهل في قرار الصدام مع القيم والمبادئ الديمقراطية، ورفع القبعة للفلسطينيين وقضيتهم العادلة، وليس أي شيء آخر. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك