ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني



الواقع الجديد
تفسير النتائج
الشعور العام

شارك في الانتخابات الإسرائيلية للكنيست التاسعة عشرة التي أجريت يوم 22 يناير/كانون الثاني الجاري، 31 قائمة حزبية (مقابل 33 في الانتخابات السابقة)، لكن 12 قائمة منها فقط، استطاعت أن تحصل على مقاعد في الكنيست، بتجاوزها نسبة الحسم المقررة وقدرها 2% من عدد الناخبين.

وقد بلغ عدد من له الحق بالاقتراع في هذه الانتخابات 5.656.133 ناخبا، وبلغت نسبة التصويت فيها 67.79% أي 3.834.136 ناخبا، وهي أعلى بنحو 2% من النسبة التي سجلت في الانتخابات السابقة (2009). 

وتوزّعت -بحسب نتيجة الانتخابات- مقاعد الكنيست الـ120 على الأحزاب التالية: "ليكود بيتنا" (تحالف ليكود وإسرائيل بيتنا) 31 مقعداً، و"يوجد مستقبل" 19 مقعداً، و"العمل" 15 مقعداً، و"شاس" لليهود الشرقيين 11 مقعداً، و"يهوديت هاتواره" لليهود الغربيين المتدينين 7 مقاعد، و"البيت اليهودي" 12 مقعداً، و"الحركة" 6 مقاعد، و"ميريتس" 6 مقاعد، و"كاديما" مقعدان، والأحزاب العربية 11 مقعداً (الجبهة 4، والقائمة العربية 4، والتجمع 3).

وقد دخل إلى الكنيست 47 عضوا للمرة الأولى، وبات فيه 27 امرأة مقابل 23 للكنيست الماضي، ضمنهم ثلاث نساء يتزعمن قوائم هنّ: شيلي يحيموفيتش زعيمة حزب العمل، وتسيبي ليفني زعيمة حزب "الحركة" بعدما تركت حزب "كاديما"، وزهافا غلئون زعيمة حزب "ميريتس" اليساري.

الواقع الجديد
يمكن من ملاحظة توزيع مقاعد الكنيست الذي يبيّن توجهات الرأي العام وتناسب القوى السياسية في المجتمع الإسرائيلي، تسجيل الملاحظات التالية:

أولاً- استمرار انقسام المجتمع الإسرائيلي بين شرقيين وغربيين، ومتدينين وعلمانيين، ويسار ويمين، ومعتدلين ومتطرفين في قضية التسوية، وأن محصلة الانقسام بين معسكر الاعتدال والتطرّف، أو "اليسار" و"اليمين" (بحسب المصطلحات الإسرائيلية) متساوية تقريباً، بنسبة 61/59 لصالح معسكر اليمين القومي والديني مقابل معسكر الوسط واليسار، بينما كانت النسبة في الكنيست السابق 65/55.

الخريطة السياسية/الحزبية الإسرائيلية خريطة متحرّكة ومرنة، تعبّر عن حيوية الحياة السياسية من ناحية، وخروجها عن تقاليد السياسة الإسرائيلية من ناحية أخرى

ثانياً- الخريطة السياسية/الحزبية الإسرائيلية خريطة متحرّكة ومرنة، تعبّر عن حيوية الحياة السياسية من ناحية، وخروجها عن تقاليد السياسة الإسرائيلية من ناحية أخرى، لاسيما لجهة استقطابها لصالح حزبين رئيسيين (العمل والليكود)، فنحن إزاء تفكّك هذه المعادلة لصالح ظهور أحزاب جديدة، مثل أحزاب "كاديما" و"إسرائيل بيتنا"، و"البيت اليهودي" التي ظهرت في الانتخابات السابقة، وهو خط امتد إلى الانتخابات الحالية، مع ظهور حزبي "يوجد مستقبل" و"الحركة".

ثالثاً- تمخّضت هذه الانتخابات عن تلاشي حزب "كاديما" تقريباً، وهو الذي كان الحزب الأول في الكنيست السابق، وعن انحسار في قوة حزبي الليكود وإسرائيل بيتنا، في مقابل صمود حزب العمل، وصعود حزبي ميريتس والبيت اليهودي، بينما حافظت الأحزاب الدينية على قوتها.

وشكّل حزب "يوجد مستقبل" الذي يتزعمه الصحفي يائير لبيد مفاجأة كبيرة، حيث أصبح ثاني أكبر حزب في إسرائيل.

رابعاً- يتألف معسكر اليمين القومي من أحزاب "ليكود بيتنا"، و"البيت اليهودي" (43 مقعدا)، ومعسكر الأحزاب الدينية من حزبي شاس ويهوديت هاتوراه (18 مقعدا)، وبذلك تصبح قوة اليمين الديني والقومي 61 مقعداً، بينما يتألف معسكر الوسط من أحزاب يوجد مستقبل، والعمل، والحركة، وكاديما (42 مقعدا)، ويقتصر اليسار الإسرائيلي على حزب ميريتس (6 مقاعد). وبالطبع فإنه يتم احتساب الأحزاب العربية على معسكر "اليسار".

خامساً- يستنتج من ذلك أن تركيبة الكنيست لا تتيح حرية الحركة لأي حكومة قادمة في أي مجال من المجالات، مما يفيد بأن أي أزمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية قد تطيح بأي تشكيل حكومي، الأمر الذي يؤكد الاعتقاد بأن إسرائيل ستشهد لا محالة انتخابات مبكّرة قريباً، وهو ما أكده رئيس الكنيست رؤوفين رفلين فور إعلان نتيجة الانتخابات.

هذه هي الحال التي تمخّضت عنها الانتخابات الإسرائيلية، والتي لخّصها جدعون ليفي بالعبارة الآتية "إن إنسانا غير سياسي على نحو سافر هو الفائز الأكبر في أكثر انتخابات غير سياسية على نحو سافر عرفتها إسرائيل".

ويضيف "انتقل صاحب عمود صحفي ومقدم برامج تلفاز سابق لم يكد يكتب أو يتحدث في السياسة من قبل لا في أعمدته الصحفية العائلية ولا في برامجه التلفزيونية.. انتقل في طرفة عين إلى السياسة التي لم يُكثر الحديث فيها عن السياسة أيضاً. وقد قالت إسرائيل له أمس: نعم نعم للشاب، ونعم للجديد، ونعم لغير السياسي.. كن إسرائيليا فوق كل شيء.. قالت بوضوح وحزم ما تريده، فهي تريد لا شيء، وأن يتركوها في هدوء فقط.. إنها تريد حياة هادئة طيبة، وبرجوازية وادعة، ولتذهب إلى الجحيم مواجهة كل المشكلات الصعبة. ولبيد هو تجسيد كل ذلك، فهو أكبر نموذج مُحتذى به للحلم الإسرائيلي العام." (هآرتس: 23/1)

تفسير النتائج
لكن كيف حصل ذلك؟ وما المعطيات التي مهّدت لهذا المسار؟ هذا ما يمكن تبيّنه في الآتي:

أولاً- ثمة تغيّر في الواقع الديمغرافي الإسرائيلي، فالمستوطنون الجدد الروس الذين قدموا في التسعينيات وشكّلوا حزباً كبيراً هو "إسرائيل بيتنا" الذي احتل مكانة الحزب الثالث في الانتخابات الماضية، وصل إلى نهاية طريقه كحزب إثني/يهودي، فلا شكّ أن هذه الكتلة باتت تجد طريقها -أو تمثّلاتها- في باقي الأحزاب الإسرائيلية.

تركيبة الكنيست الجديد لا تتيح حرية الحركة لأي حكومة قادمة في أي مجال من المجالات، مما يفيد بأن أي أزمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية قد تطيح بأي تشكيل حكومي

والملاحظ أن تراجع هذا الحزب ارتبط أيضا بتراجع مكانة حزب الليكود، إذ لم يكن يختلف عنه، وبالتأكيد فإن الفضائح التي ارتبطت بزعيمه والتصريحات المتطرفة التي كان يدلي بها، لعبت دوراً في هذا الاتجاه.

ثانياً- ما ينبغي الانتباه إليه أن 25% فقط من النواب في الكنيست الحالي ولدوا خارج إسرائيل، مقابل 103 في الكنيست الأول عام 1949، أي أن ثلاثة أرباع النواب اليوم باتوا من مواليد إسرائيل، وهو ما يعكس أيضاً حقيقة التحوّل الديمغرافي الحاصل، إذ بات نحو 65% من اليهود في إسرائيل من مواليدها، أي من الذين ليس لهم وطن آخر، ومن الذين لم يشهدوا حروبا عربية إسرائيلية ولم يعيشوا في مناخاتها، (إذا استثنينا الحروب الإسرائيلية ضد لبنان وضد الفلسطينيين في الضفة وغزة).

ثالثاً- لم تتركّز هذه الانتخابات على الموضوعات السياسية المتعلقة بالتسوية أو بالفلسطينيين، بل كاد هؤلاء أن يكونوا غائبين عن المشهد السياسي الإسرائيلي، كما بيّنت برامج مختلف الأحزاب الإسرائيلية، إذا استثنينا حزب "ميريتس" والأحزاب العربية. ولعلّ هذا يفسّر بروز حزب "يوجد مستقبل" الذي احتل مكانة ثاني أكبر حزب في إسرائيل.

وفي الحقيقة فإن هذا التطوّر ما هو إلا تحصيل حاصل لواقع الاحتلال المريح والمربح، بعد وقف المقاومة ضد الاحتلال -سواء المسلحة أو الشعبية- في الضفة أو في غزة.

وهذا ما أكده ناتان زاكس -وهو أستاذ بالجامعة العبرية- في ندوة نظّمها مؤخراً معهد بروكنغز في واشنطن، إذ قال إن "الإسرائيليين يتجاهلون الاحتلال والفلسطينيين، مع العلم بأن الضفة الغربية على مرمى الحجر والقدس (الشرقية) تقع وسطهم.. الفلسطينيون هادئون، لو كان هناك انتفاضة ثالثة عارمة لكان تجاهل الفلسطينيين وضرورة التوصل إلى حل سلام معهم أمراً صعباً". وهذا ما بدا من تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -الذي تجاهل أي قضية سياسية- أكد فيه أنه يسعى لإقامة ائتلاف حكومي موسع، أسسه تعزيز المساواة بالأعباء الاجتماعية، وتخفيض أسعار السكن في إسرائيل، وتغيير نظام الحكم المعتمد في إسرائيل.

رابعاً- لا شك في أن التجاذب بين أوباما ونتنياهو لعب دوره في الحدّ من شعبية هذا الأخير، وفي انحسار مكانة حزبه في الكنيست. وهكذا ثمة اليوم رئيس أميركي (باراك أوباما) لم يزر إسرائيل، ولا يخفي تبرّمه من سياسات رئيس حكومتها ويرى أنها تضرّ بها وتعرضها للخطر، وتضفي عليها مزيدا من العزلة، وضمنها قوله "إذا غدت إسرائيل بمثابة دولة صغيرة في قلب منطقة معادية، دولةً منبوذة تُبعد عنها حتى الولايات المتحدة صديقتها الوفية الأخيرة، فإنها لن تعمّر طويلاً" (الحياة: 16/1).

لم تتركز هذه الانتخابات على الموضوعات السياسية المتعلقة بالتسوية أو بالفلسطينيين، بل كاد هؤلاء أن يكونوا غائبين عن المشهد السياسي الإسرائيلي

وقد اعتبر البروفيسور أبراهام تسفي هذه التصريحات "بمنزلة رصاصة البدء في معركة الرأي العام الأميركي" لمعرفة منزلة مؤيدي إسرائيل في الجمهور وفي مجلس النواب الأميركيين (إسرائيل اليوم: 17/1).

من جهتها، قالت المحللة الإسرائيلية سيما كدمون "إن من زعم أن أوباما لن يرد على نتنياهو بسبب تأييده الفاضح لميت رومني في الانتخابات الأميركية، تبيّن له.. أن الزعماء الكبار أيضا يستمتعون بمتع صغيرة. لكن الشيء الأكثر إقلاقا ليس انتقام أوباما الشخصي، بل رغبة الأميركيين في أن يُبينوا للجمهور الإسرائيلي في أكثر اللحظات حرجا ما هي حال العلاقات الحقيقية بين إسرائيل وأميركا" (هآرتس: 24/1).

خامساً- شهدت إسرائيل في صيف 2011 احتجاجات كبيرة على خلفية موضوعات اقتصادية واجتماعية، إذ نظمت مظاهرات واعتصامات كبيرة في المدن الإسرائيلية، وهي احتجاجات قاربت حراكات "الربيع العربي"، وبديهي أن حكومة نتنياهو استطاعت الحد منه، والالتفاف عليها، لكن آثارها على ما يبدو ظلت تعمل.

الشعور العام
وبحسب ناحوم برنياع "أصبح الشعور العام بأن الاحتجاج مات ودُفن، وليس هذا صحيحا لأن البذور قد زُرعت وانتظرت في الأرض المطر الذي يُنبتها وقد جاء المطر.. الشعور بالنفور من قواعد اللعبة السياسية لم يمت بل ازداد حدة فقط، وقد خرج من صفحات الشبكة الاجتماعية ولم يؤثر في الشباب في المدن الكبيرة فقط، بل أيضا في ذوي أعمار آخرين وطبقات أخرى من المجتمع. وتمتع بأصوات النفور لبيد ويحيموفيتش وبينيت وغلئون. فالاحتجاج هو الفائز الحقيقي في يوم الانتخابات (يديعوت أحرونوت: 23/1).

عموماً وبغض النظر عن كل ما تقدم، فقد أنجزت إسرائيل انتخابات الكنيست الـ19 في تاريخها (65 عاما)، بينما باتت بعض دول العالم العربي بالكاد تتعرّف على الانتخابات، مع كل ما يشوب هذه العملية من مشكلات ونواقص وتحديات.

ويفيد ذلك بأن إسرائيل لا تتحدّى العالم العربي بقدراتها العسكرية وتطورها التقني ومستوى رفاهية مواطنيها فقط، بل تتحداه أيضاً بنظامها التعليمي وجامعاتها وصحافتها ومراكزها البحثية، وفوق كل ذلك بديمقراطيتها وانتخاباتها وتداول السلطة فيها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك