مصباح الله عبد الباقي

مصباح الله عبد الباقي

​أكاديمي وكاتب أفغاني

 

إعادة ترتيب الأوراق بأفغانستان
مصالح الولايات المتحدة
وجود قواتها المحددة بقواعدها الدائمة
الاتفاقية الأمنية

أعلن باراك أوباما في ولايته السابقة يوم 23/6/2011 أنه سيسحب القوات الأميركية من أفغانستان بنهاية العام 2014، ومنذ ذلك اليوم وهو يؤكد على ذلك في كل المناسبات، وقد وعد شعبه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أعيد فيها انتخابه مجددا رئيسا للبلاد بإنهاء الحرب في أفغانستان وسحب الجنود الأميركان منها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل ستسحب أميركا جنودها بالفعل من أفغانستان في نهاية عام 2014؟ وهل سيفي الرئيس الأميركي بوعده؟

جواب هذا السؤال يهم الشعب الأفغاني ويهم الدول المجاورة كذلك، كما أنه يهم العالم أجمع، ومن هنا سأناقشه في السطور القادمة.

إعادة ترتيب الأوراق بأفغانستان
يرى المحللون أن أميركا تتعرض لضغوط متنوعة وتواجه في أفغانستان أوضاعا تجبرها على إعادة نشر قواتها بترتيب جديد في أفغانستان، وأنها لا تستطيع  الاستمرار على النحو الحالي، منها الأسباب التالية:

الحرب الأميركية في أفغانستان تجاوزت تريليوني دولار حسب بعض التقديرات، وقد تضرر بهذه المصاريف الضخمة الاقتصاد الأميركي، وعانى الناس من البطالة

أ- الضغوط الاقتصادية الكبيرة:
إن أميركا تتحمل نفقات ضخمة نتيجة هذه الحرب التي ورطتها فيها إدارة الرئيس السابق جورج بوش، فقد تجاوزت نفقات الحرب المباشرة حتى 2012 تريليوني دولار حسب بعض التقديرات، وقد تضرر بهذه المصاريف الضخمة الاقتصاد الأميركي، وعانى الناس من البطالة، والشعب الأميركي غير مستعد لأن يغطي هذه النفقات الضخمة من الضرائب التي يدفعها للحكومة، ويريد من الحكومة أن تهتم بتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطن الأميركي.

ومن هنا تعالت الأصوات بقوة لإنهاء هذه الحرب وعودة الجنود الأميركان إلى بلادهم، وقد تصاعدت المعارضة للاستمرار في هذه الحرب بصورة مستمرة، وقد أجرت جامعة "كوينيبياك" الأميركية استطلاع رأي في يوليو/تموز 2012، وأظهرت نتائج ذلك الاستطلاع أن 72% من الأميركان يعارضون الحرب الأميركية في أفغانستان، وأن هذه النسبة زادت بنسبة 21% عما كانت عليه في بداية تولي باراك أوباما عام 2008 للرئاسة الأميركية، وكلما تطول الحرب ستزداد هذه الضغوط الاقتصادية، وكلما زادت هذه الضغوط الاقتصادية اضطرت أميركا إلى تغيير وضع الجيش الأميركي في أفغانستان.

ب - الضغوط الاجتماعية:
والأمر الثاني أن الذي سيجبر أميركا على تغيير وضع جيشها في أفغانستان هو الضغوط الاجتماعية التي تنتج من عودة توابيت الجنود الأميركان المقتولين في الحرب إلى أميركا من أفغانستان، إلى جانب ذلك أدت الحرب التي تعتبر أطول حرب دخلتها أميركا في تاريخها إلى إصابة مجموعة كبيرة من الجنود والضباط بالإعاقات الجسدية والنفسية، وأن أسر هؤلاء الجنود وذويهم بطبيعة الحال يتأثرون بهذه الظروف ويؤدي ذلك إلى ازدياد الضغوط على الإدارة الأميركية لإنهاء هذه الحرب، وكلما استمرت الحرب ستزداد هذه الضغوط، ومن الصعب جدا أن تقف الإدارة الأميركية أمام الضغوط الاجتماعية لأنها ستضطر أن تعود مرة أخرى لتلك الجموع الشعبية في الانتخابات القادمة، ومن هنا لن تتمكن من مقاومة تلك الضغوط الاجتماعية وستستجيب لها بتغيير وضع جيشها.

ج- انفراط عقد التحالف الأميركي:
استطاعت أميركا بعد حوادث 9/11 أن تقنع الدول الأوروبية أن حربها في أفغانستان حرب على الإرهاب، وأن الإرهاب ليس موجها ضد أميركا لوحدها، ولا يهدد المصالح الأميركية لوحدها بل يهدد مصالح جميع الدول الغربية، ومن هنا وقفت تلك الدول معها في هذه الحرب، فأرسلت جنودها وساهمت في تحمل نفقات الحرب معها، ومن لم يستطع إرسال الجنود تحمل جزءا من نفقات الحرب مثل اليابان التي كانت تزود البوارج الأميركية بالوقود في عرض البحر، إلا أن هذا التحالف قد انفرط عقده الآن، وبالتالي فإن عددا من الدول قد توقف عن تقديم المساعدات المادية في هذه الحرب، والدول الأخرى قد سحبت قواتها بالفعل من أفغانستان منها ألمانيا وفرنسا، وأن أقرب تلك الدول إلى أميركا كانت بريطانيا وهي تخطط لسحب قواتها قبل عام 2014 وقد أجرى رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون محادثات مؤخرا مع باراك أوباما وحامد كرزاي بهذا الخصوص، ولا يمكن أن تتحمل أميركا كل تلك النفقات بمفردها بعد انفراط عقد تحالفها مع الدول الأوروبية، ومن هنا ستضطر إلى تغيير وضع جيشها في أفغانستان.

انعدام الثقة بين القوات النظامية والأمنية الأفغانية وبين قوات التحالف عموما والقوات الأميركية خصوصا، سيساعد على تغيير وضع الجيش الأميركي في أفغانستان 

د- انعدام الثقة بين الأميركان والقوات الأفغانية:
والأمر الآخر الذي سيساعد على تغيير وضع الجيش الأميركي في أفغانستان هو انعدام الثقة بين القوات النظامية والأمنية الأفغانية وبين قوات التحالف عموما والقوات الأميركية بصورة خاصة، فإن حوادث قتل الجنود الغربيين والأميركان من قبل الجنود الأفغان في الجيش الأفغاني والبوليس والأمن قد ازداد بشكل ملحوظ جدا في عام 2012، وقد كشفت التحقيقات التي أجريت من قبل الجيش الأميركي أن كل تلك الحوادث لا ترجع إلى تمكن حركة طالبان من اختراق القوات الأفغانية المسلحة بل كثير منها يرجع إلى حوادث فردية تدل على كره الأفغان للقوات الأجنبية بسبب إساءة جنودها لمقدسات الإسلام أو لتعاملها باستحقار مع الجنود الأفغان، ومن هنا أدرك قادة الجيش الأميركي مدى كره الشعب الأفغاني لقوات الاحتلال، فإن الجنود الذين تربوا على أيديهم إذا لم يوجدوا الثقة بينهم وبين جنودهم فكيف بغيرهم، وهذا يجبرهم على تغيير وضعهم بحيث يقل احتكاكهم بالقوات الأفغانية.

مصالح الولايات المتحدة
هذه الأسباب كلها تقتضي أن تسحب أميركا قواتها من أفغانستان، وأن تعود من حيث أتت لكنها لن تفعل ذلك لأن مصالحها الإستراتيجية والآنية لم تتحقق بعد، فإن أميركا جاءت إلى أفغانستان لتستعيد كقوة عظمى هيبتها التي ضاعت تحت أنقاض برجي مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون، فإذا انسحبت بصورة مفاجئة وتركت أفغانستان فإن تلك الهيبة ستضيع أكثر، ولن تتمكن من استعادتها، إلى جانب ذلك ما يلي من المصالح التي جاءت أميركا من أجل تحقيقها ولم تتحقق بعد:

1- مصالحها الاقتصادية: إن أفغانستان وما جاورها من دول آسيا الوسطى تملك من الكنوز والمعادن والنفظ والغاز ما لا يمكن لأغنى اقتصاديات العالم أن يستغني عنها، فلا يمكن لأميركا وشركاتها الكبرى أن تفرط في هذه الكنوز، وهذا يستدعي البقاء في أفغانستان.

2- المصالح الأمنية: إن أميركا يهمها أن لا تملك دولة لا تدور في فلكها سلاحا نوويا أو سلاحا للدمار الشامل، ومن هنا وضعت في سلم أولويات سياستها الخارجية تطهير دول العالم وخاصة من لا يدور في فلكها من هذا النوع من السلاح، وأفغانستان تقع في منطقة محاطة بالدول التي تملك السلاح النووي أو هي على وشك صناعته وإنتاجه، فإنها تستطيع أن تراقب من هنا كل التطورات بهذا الشأن في باكستان، وإيران، والهند والصين وغيرها، ومن هنا تهتم أميركا بالبقاء في أفغانستان.

3- الأمن القومي الأميركي: فإن من أهم الأهداف المعلنة للحرب الأميركية على أفغانستان هو الحفاظ على الأمن القومي الأميركي، وأن لا يتعرض الشعب الأميركي مرة أخرى إلى هجمات شبيهة بهجمات الحادي عشر من سبتمبر من أفغانستان، وإن أفغانستان والشريط الحدودي القبلي بين أفغانستان وباكستان إذا عادت إلى حالها القديمة، ووقعت بيد من تعتبرها أميركا إرهابيين، ستكون أكبر مصدر لتهديد الأمن القومي الأميركي بزعمهم، ومن هنا لا يمكن أن تترك أميركا هذه المنطقة بعد تلك المصاريف الضخمة التي تحملتها، وبعد تلك الخسائر الكبيرة التي تكبدتها لتعود مرة أخرى مصدر تهديد لها حسب زعمها بمجرد سحب قواتها من المنطقة، وهي تظن أنها إن سحبت قواتها ستعود أفغانستان والمناطق القبلية المجاورة إلى سيرتها القديمة.

ولأجل هذه المصالح التي تهم أميركا جدا يرى المحللون أنها لن تسحب قواتها كاملة من أفغانستان، فإن الضغوط المتنوعة تقتضي سحب قواتها، والمصالح تقتضي بقاءها في أفغانستان والمنطقة، ومن هنا ستغير صورة بقائها في أفغانستان.

وجود قواتها المحددة بقواعدها الدائمة
يرى المحللون أن أميركا ستحاول أن تتجنب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وأن تحفظ أرواح جنودها ومعداتهم وفي الوقت نفسه لن تفرط في مصالحها كذلك، ومن هنا ستختار أن تحافظ على وجود مجموعة كبيرة من جنودها ومجموعات كبيرة تابعة للاستخبارات الأميركية (CIA) قد يصل عددهم إلى أكثر من عشرين ألف جندي وضابط، وسيبقى هؤلاء في قواعدهم الدائمة بحجة تدريب الجيش الوطني الأفغاني والشرطة، وستوفر هذه المجموعات الغطاء الجوي للعمليات التي سينفذها الجيش الأفغاني والقوات الأمنية الأفغانية.

ومن هنا لم يسمح للجيش الأفغاني حتى الآن بتشكيل القوات الجوية لتبقى بحاجة لمساعدة القوات الأميركية التي ستبقى في الغالب في القواعد الجوية الكبيرة إلى جانب بعض القواعد الأخرى في مختلف أنحاء أفغانستان، وبهذا ستبتعد القوات الأميركية من المواجهات  بذلك ستحفظ أرواحها ومعداتها، وسيخفض عددها، وعندما يخرج الجيش من حالة الحرب تقل تكاليفه المادية كذلك.

ويرى المحللون أن هذا النوع من التواجد هو الأفضل لها لأن الحرب في أفغانستان ليست حربا جبهوية، بل هي حرب استخباراتية، كما أن المحافظة على المصالح الأميركية ورعايتها لا يتطلب وجود الجيش الأميركي بل يكفي تواجد مجموعات استخباراتية، وبذلك ستحافظ على تواجدها من غير أن تواجه ضغوطا اقتصادية أو اجتماعية أو تعرض أرواح جنودها للخطر.

الاتفاقية الأمنية ستوفر الإطار القانوني لوجود القوات العسكرية الأميركية المستمر بموافقة الحكومة الأفغانية

الاتفاقية الأمنية
تريد أميركا أن يكون حضورها بهذه الصورة وفق اتفاقية ستوقعها مع الحكومة الأفغانية سموها "الاتفاقية الأمنية" في وثيقة الاتفاقية الإستراتيجية الموقعة بين أوباما وحامد كرزاي يوم 5 مايو/آيار 2012 في القصر الرئاسي بكاول، وقد بدأت أميركا والحكومة الأفغانية محادثات بخصوص توقيع الاتفاقية الأمنية يوم 25/11/2012 في كابل، ورأس الوفد الأفغاني المشارك في المحادثات سفير أفغانستان لدى واشنطن أحمد أكليل حكيمي، وترأس الوفد الأميركي إلى أفغانستان وباكستان السيد جيمس وارلك نائب الممثل الخاص للرئيس الأميركي، والذي صرح لوسائل الإعلام بعد الجولة الأولى من المحادثات بما لا يدع مجالا للشك أن أميركا تسعى من وراء توقيع هذه الاتفاقية إلى البقاء في أفغانستان بعد عام 2014.

لذا قال "هذه الاتفاقية ستوفر الإطار القانوني لوجود القوات العسكرية الأميركية المستمر بموافقة الحكومة الأفغانية" والجانب الأفغاني مستعد لاستبقاء تلك القوات، وقد صرح  رئيس الوفد الأفغاني أحمد أكليل حكيمي في المحادثات المذكورة وقال: "ستتضمن هذه الاتفاقية كيفية المساعدات العسكرية الأميركية، وكمية الحضور الأمني الأميركي وكيفيته في أفغانستان بعد عام 2014".

وأضاف قائلا "إن هذه الاتفاقية أهم جزء في الاتفاقية الإستراتيجية التي تم توقيعها سابقا" هذا ما تسعى له أميركا، لكن الشعب الأفغاني ينظر إلى كل هذه اللعبة بأن أميركا لم تتعلم الدرس من تجربتها، ويرى الشعب الأفغاني عموما أن بقاء أميركا في أفغانستان بأي شكل كان سيؤدي إلى تأزيم الوضع، وأن حل المعضلة الأفغانية في إنهاء الحرب الدائرة في أفغانستان، ولا يمكن إنهاؤها إلا بانسحاب أميركا والتوافق الوطني بين مختلف فئات الشعب الأفغاني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك