فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب وصحفي مصري

حتى إذا بدا الأفق مسدودا والاحتقان في مصر على أشده والانقسام حتى النخاع، فإن الأزمة ليست بلا حل.

(1)

لئن قيل إن فهم المشكلة يمثل نصف الطريق إلى حلها، فإن ذلك ينطبق على ما نحن بصدده أيضا. وفي محاولة الفهم ينبغي أن نضع في الاعتبار ما يلى:

ما تشهده مصر الآن أقرب إلى الهزات الأرضية التي تظل تتوالى بعد حدوث الزلزال، الأمر الذي لا ينبغي له أن يصدمنا، حيث أكرر ما سبق أن قلته من أن ذلك من طبائع فترات الانتقال التي تعقب الثورات وما تستصحبه من تحولات كبرى تستهدف بناء نظام جديد فوق أنقاض ومخلفات النظام السابق.

الثورة تسلمت مصر بعدما تم تدميرها على مختلف الأصعدة. نلمس ذلك في كلام وزير النقل حين قال إن 85٪ من قطارات السكة الحديد انتهى عمرها الافتراضي. وحديث وزير الصحة عن انتهاء العمر الافتراضي لـ4000 مستشفى. وتصريح وزير الشباب بأن 42٪ من المواطنين محرومون من الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والصرف الصحي والمياه النظيفة.

وهو ما أكده وزير المرافق الذي نشر على لسانه قوله إن 50٪ من قرى مصر محرومة من الصرف الصحي، الأمر الذي يعني أن صحة 40 مليون مصري في خطر.

التدمير الذي أحدثه النظام السابق لم يكتفِ بتقزيم بعض الأحزاب السياسية وإصابتها بالإعاقة، وتحويل البعض الآخر إلى أبواق للسلطة وأجنحة للحزب الحاكم فحسب، وإنما أدى إلى تشويه علاقات القوى السياسية، وحرق البدائل المستقبلية للنظام

وقبل أيام سمعت من وزير التربية والتعليم أنه يحاول جاهدا معالجة آثار الانهيار الذي حل في قطاع التعليم بسبب تراكمات وإهمال السنوات السابقة، حتى باتت الوزارة بحاجة إلى 50 مليار جنيه لكي تؤدي وظيفتها بشكل مرض يطمئن إليه. وهذه مجرد أمثلة فقط ترسم ملامح التركة الثقيلة التي يتعين على النظام الجديد أن يتحمل عبئها.

إن الخراب تجاوز قطاعات الخدمات والإنتاج وإنما طال أكثر مؤسسات الدولة، وأصاب في مقتل الحياة السياسية فيها.

وهذه الأخيرة تهمنا لأنها وثيقة الصلة بالأزمة الراهنة للثورة المصرية، ذلك أن التدمير الذي أحدثه النظام السابق لم يكتف بتقزيم بعض الأحزاب السياسية وإصابتها بالإعاقة، وتحويل البعض الآخر إلى أبواق للسلطة وأجنحة للحزب الحاكم فحسب، وإنما أدى إلى تشويه علاقات القوى السياسية، وحرق البدائل المستقبلية للنظام.

وكانت نتيجة ذلك التشويه والإخصاء -إذا جاز التعبير- أن القوى السياسية التي ظهرت بعد الثورة بدأت الرحلة من الصفر، فلم تبلور مشروعا، ولم تألف العمل بعضها مع بعض، حيث لم تكن هناك حياة أو ممارسات ديمقراطية تسمح بذلك، فلا تبادلت الثقة فيما بينها، بل وأساءت الظن بعضها ببعض.

هذه الخلفية تفسر لنا لماذا كانت الثورة بلا مشروع وبلا قيادة أو زعامة، لأن الممارسة والسياسة بأشكالها وأوعيتها هي المختبر الذي يتم من خلاله اكتشاف القيادات وإنضاج خبراتها.

وهو ما يدعونا إلى القول بأن الذين تصدروا واجهات السياسة بعد الثورة لم يكونوا مبرأين من التشوهات التي أصابت رؤى وعلاقات القوى السياسية في ظل النظام السابق، كما أنهم كانوا عديمي الخبرة السياسية، حيث ظلوا دائما -وفي أحسن فروضهم- على هامش السياسة وليس في قلبها. وصاروا كمن دخل إلى الحلبة بغير تأهيل أو تدريب، وكانت الجماعات الإسلامية ضمن هؤلاء إلا أن وضعها كان أكثر تعقيدا كما سنرى توا.

(2)

سأتحدث عن الوضع في مصر، ليس فقط لأن الصورة التي أعنيها أكثر وضوحا فيه، ولكن أيضا لأن مصر هي الدولة العربية الكبرى التي يمكن أن يؤثر مصير الثورة فيها على مستقبل الربيع العربي كله. ذلك أن الجماعات الإسلامية في مصر، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، أتيح لها لأول مرة منذ أكثر من ستين عاما أن نشارك في الحياة السياسية بصورة شرعية، بعدما ظلت محظورة طيلة تلك السنوات.

لقد شاءت المقادير أن تنتقل تلك الجماعات من موضع المطارد من جانب السلطة إلى موقع الشريك في السلطة، بل المتربع على رأسها. هذه النقلة فوجئت بها الجماعات الإسلامية ولم تتحسب لها. لذلك فإنها أصبحت مواجهة بتحد جديد يتمثل في كيفية تحويل الشعارات والتعاليم إلى سياسات.

وهو ما لم تكن مضطرة إليه طيلة سنوات الإقصاء بسبب الانسداد الديمقراطي الذي أخرجها من المعادلة. وكانت النتيجة أنها عانت الارتباك، ولم تنجح في التعامل مع الوضع المستجد واستيعاب المشهد الذي فرض عليها الانتقال من إدارة الجماعة ومحيط الأنصار إلى إدارة الوطن بفضائه الذي يموج بأطياف عدة تضم مخالفين ومتوجسين وخصوما.

شاءت المقادير أن تنتقل تلك الجماعات من موضع المطارد من جانب السلطة إلى موقع الشريك في السلطة، بل المتربع على رأسها. هذه النقلة فوجئت بها الجماعات ولم تتحسب لها. وأصبحت أمام تحد جديد يتمثل في كيفية تحويل الشعارات والتعاليم إلى سياسات

التجربة التركية نجحت في التعامل مع ذلك التحدي بسبب الهامش الديمقراطي الذي سمح للحركة الإسلامية بالمشاركة في الانتخابات منذ العام 1970، من خلال حزب النظام الوطني الذي أسسه حينذاك الأستاذ نجم الدين أربكان، صحيح أن الحزب تعرض للملاحقة والحل عدة مرات، لكنه ظل حاضرا بفضل الهامش الديمقراطي الذي سمح لقياداته بالعودة إلى المشاركة تحت مسميات جديدة.

المهم في التجربة أن المشاركة التي لم تتوقف سلحت كوادر الحزب بخبرات جيدة في العمل العام، من خلال الاشتراك في البلديات والبرلمان والحكومة. لكن الأهم من ذلك أنها سمحت لتلك الكوادر بتطوير أفكارهم وإنضاجها، الأمر الذي دفع بعضا منهم إلى الخروج من عباءة حزب أربكان (الذي كان قد حمل اسم الرفاه) وتأسيس حزب جديد في العام 2011 بقيادة كل من رجب طيب أردوغان وعبد الله غل، ولأن هذه المجموعة كانت قد تمرست، ونجحت في وضع سياسات خدمت الناس وتفاعلت مع مختلف فئات المجتمع، فإن الحزب فاز بأغلبية الأصوات في انتخابات العام 2002، ولا يزال يواصل نجاحاته إلى الآن مدعوما بأصوات الأغلبية.

هذا المعنى أشرت إليه في محاضرة عن الوضع في مصر ألقيتها مؤخرا في مدينة إسطنبول، وقلت فيها إن الحركة الإسلامية في مصر لا تزال أسيرة ثقافة المرحلة الأربكانية (نسبة إلى نجم الدين أربكان)، ولم تنقل بعد إلى نضج المرحلة الأردوغانية، التي مثلها رجب طيب أردوغان.

(3)

هذه الخلفية توفر لنا عدة مفاتيح لفهم خلفيات النخبة التي تتصدر المشهد السياسي في مصر. وبالتالي تضع أيدينا على أهم جوانب الأزمة وجذورها.

ذلك أننا بإزاء نخبة فاقدة الثقة بعضها في بعض، وتقوم علاقاتها على التصيد. وقد عبر عن ذلك الدكتور حازم الببلاوي نائب رئيس الوزراء السابق، الذي نشرت له جريدة "الشروق" مقالا في الثالث من أبريل/نيسان الماضي (عام 2012) تحت عنوان دال هو: التربص وعدم الثقة.

ذلك أن تلك المجموعات المختلفة لم يتح لها أن تعرف أو تعمل بعضها مع بعض بسبب الغياب الطويل للديمقراطية. بالتالي فإنها لم تتسلح بالخبرة السياسية التي تمكنها من أن تدير خلافاتها على النحو الذي لا يضر بمصالح الوطن، لذلك لا يستغرب منها أن تستسلم للانقسام وتقع في فخ الاستقطاب بسرعة.

وإذا كانت القيادة السياسية ممثلة في رئاسة الجمهورية تنتمي إلى نموذج للمرجعية الإسلامية التي لم تطور مشروعها بحيث تحوله من شعارات وتعاليم إلى سياسات ورؤية وطنية واضحة المعالم، فلا يفاجئنا أن تغيب عنها الرؤية التي تطلق مبادرات تشحذ الهمم وتحقق الإجماع الوطني.

وللإنصاف فإن غياب الرؤية والمشروع ليس مقصورا على إدارة الرئيس محمد مرسي وحدها، ولكنها سمة للأحزاب الجديدة والقوى المعارضة أيضا، التي ظل مشروعها المعلن على الملأ على الأقل محصورا في العمل على هزيمة الرئيس مرسي والإخوان والتنديد بالخطوات التي اتخذها طوال الأشهر السبعة التي قضاها في السلطة، دون أن تجيب عن السؤال: ما الذي ينبغي عمله في اليوم التالي لإعلان هزيمته وهدم ما بناه؟

وليته أيضا يدعو إلى فتح ملفات السياسة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتعليم والعشوائيات وغيرها من هموم المصريين، من خلال مجالس تضم أبرز الخبرات والأطياف المصرية لتقدم لنا رؤية واضحة للمستقبل الذي تطلعت إليه الثورة

إذا جاز لي أن ألخص ما أتصوره جذورا للأزمة فلعلي أقول إنها تتمثل في غياب الثقة بين الجماعات السياسية، وضبابية الرؤية لدى القيادة، وغياب الحلم المشترك الذي يشد الجميع ويلهمهم.

(4)

ما العمل إذن؟

قدر الدكتور محمد مرسي أن يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية مواجهة الأزمة باعتباره رئيس الجمهورية والطرف الأهم في المعادلة. لست ألغي الطرف الآخر أيا كان تقييمنا له، لكنه يظل في المقام الثاني من المسؤولية.

وللأسف فإن دعوة الرئيس إلى الحوار الوطني لم تؤخذ على محمل الجد، لذلك فإن الحديث مجددا عن ذلك الحوار سوف يستقبل بفتور وربما بإعراض من الأطراف الأخرى.

مع ذلك فالحوار لا مفر منه ولا بديل عنه في نهاية المطاف، إلا أن نجاحه مرهون بضمانات الجدية التي تتوافر له، وتلك ينبغي أن تكون جزءا من حزمة إجراءات إعادة الثقة المفقودة بين الطرفين، التي على الرئيس أن يقدمها من جانبه بها مهتديا في ذلك بأمرين أساسيين هما: تحقيق وحدة الجماعة الوطنية، والالتزام بأهداف الثورة.

أعيد التذكير هنا بالقصة القرآنية التي ذكرت في سورة "طه"، وقبل فيها النبي موسى موقف أخيه هارون حين سكت على تحول قومه من عبادة الله إلى عبادة العجل من دونه. ولم يدفعه إلى ذلك السكوت إلا خشيته من أن ينفرط عقد الجماعة وينشق صفهم إذا ما نهاهم عن فعلتهم التي كانت بمثابة ارتداد إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى.

ويحضرني أيضا موقف قيادة حركة النهضة في تونس، التي قبلت باستبعاد الإشارة إلى مرجعية الشريعة في الدستور الجديد، والاكتفاء بالنص على أن تونس بلد يدين بالإسلام، وقول رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي إنهم أرادوا بذلك أن يتجنبوا الشقاق بين القوى السياسية في المجتمع.

وقد تراجع حزب العدالة والتنمية في تركيا عن إلغاء القيود التي فرضت على ارتداء الحجاب، بل وسحب مشروع قانون قدم إلى البرلمان يجرم الزنا، لا لشيء إلا لتجنب الانقسام في المجتمع.

إن هناك أكثر من سبب أسهم في إحداث الانقسام وتعميقه في مصر (في نصوص الدستور وقانون الانتخابات مثلا)، ولذلك فإنه سيكون من الحكمة والشجاعة أيضا أن يعلن الرئيس عن التزامه بالاستجابة لتحفظات المعارضة بخصوصها، حتى إذا لم يكن مقتنعا بأهمية أو جدية تلك الأسباب، لكي يزيل أسباب الانقسام ويستعيد الثقة المفقودة.

وستكون شجاعة منه إذا بادر بالإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية مع الانتخابات النيابية التي يفترض أن تتم بعد ثلاثة أشهر.

وليته أيضا يدعو إلى فتح ملفات السياسة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتعليم والعشوائيات وغيرها من هموم المصريين، من خلال مجالس تضم أبرز الخبرات والأطياف المصرية لتقدم لنا رؤية واضحة للمستقبل الذي تطلعت إليه الثورة.

وبالمناسبة فإن الدكتور عماد شاهين أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية له أفكار محددة ومقترحات جيدة بخصوص المبادرات الشجاعة المرجوة من الرئيس مرسي وإدارته، ولست أشك في أن الخبراء من أمثاله لديهم مقترحات أخرى جديرة بالنظر للخروج من الأزمة. ويظل من المهم أن تتوافر الإرادة ويستوعب الخيال حلم الوطن ويظل قابضا عليه ومتشبثا به.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك