عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

للثورات العربية في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن وكل التحركات الشعبية في بقية دول أخرى هدف رئيسي هو تغيير بنية ونمط السلطة التي كانت قائمة، وبناء دولة المؤسسات الديمقراطية والحكم الرشيد، وحماية حريات الشعوب وكرامتهم، واستخدام ثرواتهم في برامج تنمية حقيقية.

ولهذا سيكون على الحركات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي تسلمت السلطة، أو تلك التي قد تتسلم السلطة في أكثر من بلد عربي، معالجة عدة تحديات بشكل حكيم، حتى تستطيع استكمال مسار التحول الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة المنشودة، والنهوض بمجتمعاتها التي ما عرفت مشروعا نهضويا مكتملا منذ الاستقلال.

تتناول هذه المقالة بعض التحديات الداخلية التي يجب أن تقرأها حركات الإسلام السياسي بشكل صحيح والتعامل معها بحكمة وسعة أفق، وهي تتجلى في مواقف هذه الحركات من أطراف خمسة: الحركات "الجهادية" العنيفة، والشباب، والقوى الوطنية الأخرى، ومؤسسات الجيش والإدارة والقضاء، والمطالب الاجتماعية.

العنف "الجهادي"
التحدي الأول يأتي من حركات "الإسلام الجهادي" العنيفة التي وُجدت حتى الآن في مصر وتونس وليبيا بشكل واضح، وتشكل تحديا خطيرا قد يُجهض مسار التحول بأكمله. ولمعالجة هذا التحدي لابد من العمل أولا على رفع أي غطاء شرعي قد يضفيه البعض على الأعمال العنيفة، وإدانة هذه الأعمال، والتصدي لها فكريا وعمليا على أرض الواقع. إلى جانب العمل على جذب أنصار هذه الحركات والمتعاطفين معهم إلى ساحة العمل السياسي السلمي، ودمجهم في العمل العام بفتح كافة قنوات العمل المجتمعي والدعوي والتنموي ضمن أطر قيمية وقانونية ومؤسسية واضحة ومحددة ومعلنة.

لابد من صياغة رؤية وطنية حقيقية بصدد علاقة الإسلام بالسياسة، تنظر للإسلام كمصدر للقيم والمبادئ وليس ساحة للحصول على مكاسب سياسية ضيقة

تؤكد لنا تجارب التحول الديمقراطي أنه ما من مجتمع استطاع بناء دولة مؤسسات حديثة، بينما هناك قوى تحاول هدم الدولة من أساسها، وتحمل أجندات مناقضة تماما لغالبية القوى الأخرى. ولهذا فالتراخي مع الأفكار المنادية بتشكيل جيوش جهادية، ومع من يرفع السلاح في وجه المخالفين في الرأي، لن يؤدي -في ظل حالة السيولة القائمة اليوم- إلا إلى عرقلة مسار بناء الدولة الوطنية الحديثة، واستنزاف القدرات الأمنية والعسكرية.

بل إن أفعال هذه الحركات ستؤدي على الأرجح إلى التأثير بالسلب على الأحزاب الإسلامية، إذ سينظر البعض إلى الحركات "الجهادية" على أنها الأذرع الخفية للإسلاميين المعتدلين، بينما سيراها البعض الآخر على أنها النتاج الطبيعي لفشل الإسلاميين وإقحام الدين في السياسة. وفي الحالتين سيتحمل الإسلاميون بجميع أشكالهم نتاج تلك الأفعال. ومن الخطورة تصور أن وجود -أو الإبقاء على– هذه الحركات بأساليبها العنيفة سيدفع الناس إلى القوى الإسلامية المعتدلة كبديل.

ولابد من صياغة رؤية وطنية حقيقية بصدد علاقة الإسلام بالسياسة، تنظر للإسلام كمصدر للقيم والمبادئ وليس ساحة للحصول على مكاسب سياسية ضيقة، وتقدم الإسلام كبديل حضاري يستهدف البناء على منجزات الحضارة الحالية والإضافة إليها. ولابد من التوقف عن إعادة ترديد شعارات نظرية عن مجد وعظمة الإسلام دون العمل على أرض الواقع، واستحضار قيم الإسلام الكبرى في معالجة مشكلات الناس.

الشباب الثوري
هناك تحدٍّ آخر في الدول العربية التي شهدت حراكا ثوريا مصدره الشباب، فهناك مجموعات شبابية ثورية متمردة على أشياء كثيرة وغير واثقة في قدرة الإسلاميين -وكل النخب التقليدية- على إنتاج رؤى وسياسات جديدة.

هؤلاء الشباب يفكرون بطرق مختلفة تماما عن طرق تفكير النخب التقليدية، فقد استقوا آراءهم من وسائط إعلامية ومعلوماتية وفضائية حديثة، وليست لديهم ثقة كبيرة في الأطر القديمة بما في ذلك الهُويات الوطنية، وهم يجدون ذواتهم في تحدي كل ما هو قائم، إما بالتطرف الديني أو اللاديني، وبكل الوسائل غير التقليدية بما في ذلك العنف. وقد ساعدهم في هذا سقوط هيبة الدولة وعدم وجود أي برامج حقيقية لإعادة هيكلة أجهزة الأمن من جهة، وحالة الاستقطاب القائمة بين التيارات السياسية المختلفة من جهة أخرى.

يجب ألا نتصور أن عدد هؤلاء الشباب محدود، ويجب عدم الاستهانة بمواقفهم وأفعالهم أبدا، ولا بأنهم سينصرفون ويتفرقون قريبا. إن تجاهل هؤلاء لن يضمن للنخب التقليدية البقاء لفترة طويلة، فالشباب نجحوا فيما فشلت فيه النخب التقليدية، واستطاعوا إسقاط أعتى المستبدين في العالم العربي، وهم -في اعتقادي- قادرون على قلب الطاولة من جديد في بضع سنين، إذا شعروا من جديد بالتهميش، وإذا لم يروا تغييرا حقيقيا في بنية السلطة السياسية وهياكلها المختلفة.

انكسر حاجز الخوف عند الشباب لفترة طويلة قادمة، وما زالت أدوات التعبئة الإلكترونية والشعبية في أيديهم، ونجاحهم القريب يقدم لهم قوة دفع قوية لتكرار المحاولة

لقد انكسر حاجز الخوف عندهم لفترة طويلة قادمة وما زالت أدوات التعبئة الإلكترونية والشعبية في أيديهم، ونجاحهم القريب يقدم لهم قوة دفع قوية لتكرار المحاولة والنجاح من جديد، أو على الأقل عرقلة أي مسار آخر لسنوات طويلة.

ولهذا لابد أولا من إيجاد آليات للاستماع بجدية وعمق إلى هؤلاء الشباب والتعرف على رؤاهم ومواقفهم، ولابد ثانيا من إيجاد آلية للحوار مع هؤلاء الشباب وفيما بينهم، فالساحة شديدة التنوع، فهناك من يرى أن المشكلة في بنية السلطة المعاصرة ذاتها، ويريد هدم الدولة من أساسها بشكل كلي، وهناك على الطرف الآخر من تسيطر عليه أفكار مثالية، ويرى أن المشكلة في السياسيين، وبالتالي يرى الحل في تقدم المشايخ مثلا المشهد لأنهم أنقى الناس وأتقاهم.

إن فهم هؤلاء والاستماع إليهم وأخذ مطالبهم في الحسبان من الأمور الجوهرية في عمليات البناء المنشودة، إلى جانب العمل على دمج هؤلاء الشباب في الحياة العامة، وإيجاد قنوات جديدة للمشاركة على كافة المستويات. كما يجب العمل على خلق هُوية وطنية جامعة، وخلق وعي وطني جديد في كل قـُطر عربي، يأخذ هؤلاء في الحسبان ويقدمهم في كافة مساحات العمل الوطني. 

القوى الوطنية
هناك تحدٍّ آخر يأتي من طريقة التعامل مع شركاء الوطن من القوى الوطنية الأخرى على اختلاف انتماءاتها اليسارية والقومية والليبرالية. وهنا لا يمكن الاستمرار في تصور أن الإسلاميين هم القوة الوحيدة المنظمة والقادرة على الحكم إلى ما شاء الله. هذه القوى في معظمها قوى وطنية ناضلت في السابق ضد الاستعمار والمستبدين، وواجهت عمليات القمع والتنكيل، وهي تمثل قطاعات شعبية واسعة رغم ضعف تنظيماتها على الأرض، بعد عقود من احتكار النخب الحاكمة سابقا العمل السياسي.

قد يكون صحيحا -في الفترة الحالية وعلى المدى القصير- أن الإسلاميين هم الأكثر شعبية والأقوى تنظيما، إلا أن هناك أحزابا حقيقية تولد بعناصر وطنية شابة، وهي تطور نفسها ولن تبقى صغيرة للأبد.

كما أن أخطاء الإسلاميين المتكررة (والتي من المتصور أن ترتكبها أية قوة سياسية تتولى السلطة بعد عقود من المطاردة والقمع) من جهة، وتعاظم حجم المسؤوليات وإرث الأنظمة السابقة من جهة أخرى، يحتمان على الإسلاميين -أصحاب الأغلبية الحالية (وكذلك أي أغلبية أخرى غير إسلامية قد تظهر في أي دولة)- إقامة جبهات وطنية تضم كافة المخلصين من كافة التيارات، تتولى مسؤولية الحكم، وتوزع عبء المشاركة والبناء على الجميع. ومن السنن الكونية أن المراحل التاريخية للبناء والنهوض لابد أن يتحمل عبئها الجميع، ويجب ألا يُستبعَد أحد مادام الهدف مشتركا.

إن تهميش شركاء الوطن، والنظر لبعضهم على أنهم إما عملاء للخارج أو غير جديرين بالثقة والمساهمة في تحمل العبء، سيقوي الفريق الذي يناصب الإسلاميين العداء ويحاول إفشالهم، كما يحدث في أكثر من دولة عربية الآن.

كما أن عدم نضج بعض النخب السياسية وقصر نظرها قد يدفعها إلى الاستقواء بأمرين قد يُعقّدان الكثير من الأمور، وهما الجيش في الداخل والقوى الدولية المؤثرة في الخارج. وسيكون الخاسر في جميع هذه الحالات الوطن بأكمله وجميع القوى السياسية، وعلى رأسها القوى الإسلامية التي سيُنظر لها على أنها السبب في كل هذا.

الأمن والجيش والقضاء
المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية والإدارية في عالمنا المعاصر هي مؤسسات دولة لا تخضع لسيطرة حزب أو تيار بعينه، وحياد هذه المؤسسات ومهنيتها واستقلالها وقوتها تمثل جميعها الضمان الأساسي لمستقبل الدولة ولحريات أفرادها، ومنهم الإسلاميون أنفسهم.

لا يمكن تصور أن السيطرة على هذه المؤسسات هو الضمان الوحيد لعدم ملاحقة الإسلاميين من جديد أو استهداف المشروع الإسلامي. لن يؤدي هذا التصور الخاطئ إلا إلى استمرار عدم الثقة في الإسلاميين، وإلى استمرار محاولات إفشالهم والانتقام منهم. بجانب أنه سيدفع البعض من داخل هذه المؤسسات إلى المقاومة والانتقام، مما سيؤخر مسار التحول بأكمله.

من الضروري تشكيل فرق عمل متخصصة لمعالجة كل قطاع على أسس وطنية ومهنية صرفة، وتقديم برامج وخطط محددة لإصلاح وإعادة بناء المؤسسات

والأخطر من هذا هو أن تجارب التحول الديمقراطي الفاشلة تؤكد أن تسييس هذه المؤسسات أو عقد تفاهمات أو تحالفات سرية معها، وخاصة المؤسسة العسكرية، لعبٌ بالنار ولن يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى احتراق الجميع وإفشال التحول بأكمله.

والحل هو تشكيل فرق عمل متخصصة لمعالجة كل قطاع على أسس وطنية ومهنية صرفة، وتقديم برامج وخطط محددة لإصلاح وإعادة بناء هذه المؤسسات، وزرع ثقافة احترام القانون والمؤسسات الديمقراطية المنتخبة في أفرادها، وفك عُرى الاستبداد داخلها، ووضع الضمانات اللازمة لعدم سيطرة فصيل واحد عليها. وهناك عشرات ومئات الكتب والبحوث ودراسات الحالة التي تقدمها لنا أدبيات العلوم السياسية المعاصرة التي يمكن الاستفادة منها. 

المطالب الاجتماعية والاقتصادية
وأخيرا هناك تحديات مصدرها المطالب الاجتماعية والاقتصادية المشروعة التي تهدد بتحريك فئات جديدة ضد الأوضاع القائمة، وتصاعد الغضب الشعبي، مما يهدد بموجات جديدة من الثورة. لقد كان ممكنا معالجة هذه التحديات خلال المراحل الانتقالية لو تم التعامل معها بشكل صحيح، ولو تم التعامل بحكمة مع التحديات السابقة، وتفرغت القوى السياسية لإقامة حكومات توافقية تستطيع تقديم معالجات لهذه المطالب، بدلا من حالة الاستقطاب السياسي الحاد بين القوى السياسية أو حالة الاحتراب السياسي مع بعض مؤسسات الدولة، كما حدث في مصر.

وفي مصر تحديدا، كان الأمر يحتاج لسياسات واضحة ومحددة ومتدرجة منذ اليوم الأول للثورة، بجانب خطاب إعلامي واضح ينقل للناس بشكل مباشر ما يمكن إنجازه فورا، وما يمكن تأجيله، وما يمكن عمله على المدى الطويل. ولا يمكن الاستمرار في معالجة هذه المطالب بحلول جزئية وبدون رؤية محددة، فالأمر يحتاج إلى فرق عمل متخصصة، تضع سياسات محددة ومدروسة بعناية، وبإطار زمني واضح، وخطاب إعلامي صريح وواضح. والأهم مشاركة كافة القوى السياسية حتى لا يتم استهداف هذه السياسات من قبل بعض المعارضين.   

هناك تحديات أخرى داخلية وخارجية ربما نعود لها لاحقا، لكن من الأهمية الإشارة أخيرا إلى أن أخطاء هذه المرحلة مدمرة، لقد كانت أخطاء الإسلاميين فيما سبق تعود عليهم هم فقط، أما الآن فهي ستعود –لا قدر الله- بالسلب على الجميع، وقد تؤدي إلى دخول دولنا العربية في نفق مظلم، وصراعات ستتخذ هذه المرة شكل الصراع على الهوية، وسيُستخدم الدين في صراعات سياسية، مما سيؤثر بالسلب على الإسلام ذاته. كما أن فشل التحول الديمقراطي في دولة مثل مصر سيكون له الكثير من الآثار السلبية على شقيقاتها العربيات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك