عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.

 

اختلاف المعيارية
العامل المحدد
الحل والتسوية
تغيير الصورة

تثير الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة الأميركية مع الوضع في سوريا تساؤلات عديدة، تطاول طبيعة الموقف من الثورة السورية، وحيثيات الحذر والتريث الذي تبديه الإدارة الأميركية حيال تغيير النظام السوري، وتطاول عدم اكتراثها بالجريان المستمر لنهر الدماء السوري، الذي بدأ بالتدفق منذ أن أعلن النظام السوري حرباً شاملة على الثوار وعلى حاضنتهم الاجتماعية.

اختلاف المعيارية
الواقع هو أن موقف الإدارة الأميركية من الأزمة، المتعددة المستويات، التي سببها تعامل النظام السوري مع الثورة، يثير شكوكاً حول رغبة الإدارة الأميركية حيال التغيير في سوريا، وحول اختلاف المعيارية في مواقفها من الأزمات الدولية، وخصوصاً في جانبها الأخلاقي والإنساني، وعن أسباب عدم الحثّ على تطبيق مهام الأمم المتحدة وهيئاتها، ومنها مجلس الأمن الدولي، في حفظ السلام العالمي والدفاع عن حقوق الإنسان.

فالشعب السوري يتعرض، أمام مرأى العالم وسمعه، منذ أكثر من اثنين وعشرين شهراً، لجرائم ومجازر باتت يومية، في ظل لامبالاة وعدم اكتراث الساسة الأميركيين، ومعهم غالبية ساسة وحكومات أغلب دول العالم، الأمر الذي جعل العديد من السوريين يشعرون أنهم تركوا وحدهم في مواجهة أعتى نظام ديكتاتوري ودموي في الشرق الأوسط.

شهد الموقف الأميركي تعرجات وانكسارات كثيرة، وفترات من صعود لهجة تصريحات مسؤوليه الإعلامية، وأخرى خافتة وباهتة، وسار في خط متغير بتغير المعطيات على الأرض السورية

وقد شهد الموقف الأميركي تعرجات وانكسارات كثيرة، وفترات من صعود لهجة تصريحات مسؤوليه الإعلامية، وأخرى خافتة وباهتة، وسار في خط متغير بتغير المعطيات على الأرض السورية. ففي بداية الثورة، ارتفعت أصوات التنديد والشجب لممارسات النظام، مع تأييد مطالب المحتجين، وبلغت سقفها بمطالبة بعض أركان الإدارة الأميركية الأسد بالرحيل، واعتباره فاقد الشرعية.

ثم أقرّت الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي سلسلة من العقوبات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، التي طاولت رموز النظام وأزلامه وأركانه الأمنيين والعسكريين والماليين، لكنها لم تترك أثراً حاسماً عليهم. ثم انخفض سقف التصريحات السياسية، بعد عدة أشهر من الثورة، وراح يدور حول نفس المقولات.

اليوم، وبعد أكثر من اثنين وعشرين شهراً من الثورة، وسقوط أكثر من ستين ألف شهيد، ودمار قرى وبلدات وأحياء كثيرة، وقصف المدن الرئيسية وسواها بالطيران الحربي وبمدافع الدبابات، وتهجير أكثر من ستة ملايين سوري عن أماكن سكناهم، ما يزال الساسة الأميركيون يتعاملون مع الأزمة السورية، بوصفها لا تشكل أولوية لبلادهم، لذلك يرددون نفس الكلام الذي قالوه في السابق، ويتحدثون عن ضرورة الحل السياسي، وتفضيلهم له، الأمر يكشف عجزاً كبيراً حيال الأزمة السورية.

بل إن المخاتل في مواقفهم، هو أنهم لم يكفوا عن التذرع بتعقيدات الوضع السوري، مثل عدم وجود البديل المناسب، واختلافات المعارضة وتشرذمها، وتعقيدات الوضع السوري، والخوف على حقوق الأقليات ومصيرها، وامتلاك النظام أسلحة كيمياوية، وبروز تنظيمات متطرفة، وسوى ذلك. وهي تعقيدات لا يعدمها المجتمع السوري، لكنها تحولت اشتراطات، اتخذت ذريعة لترك الشعب السوري رهينة، يقتل منه النظام ما يشاء.

العامل المحدد
لعل السؤال الذي يطرح نفسه بخصوص تعامل الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية مع الأزمة السورية، يطاول افتراق المواقف وعدم تناسبها مع حجم انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، فضلاً عن أن الحرب التي يشنها النظام على المناطق الثائرة، تثير ممكنات ومفاعيل وإرهاصات تهديد الأمن الإقليمي والدولي.
 
وبالرغم من أن تريث أو عدم رغبة الولايات المتحدة الأميركية باتخاذ موقف حاسم، وتفضيلها الحل السياسي، إلا ما يجمعها من مشتركات تفضيل للحل السياسي مع دول أوروبية وإقليمية وعربية، لا يحذوه سعي لتحقيق هذا الحل، بل إن الأمر يبدو، وكأن مختلف القوى الدولية، الداعمة للثورة والداعمة للنظام، لا تكترث في الحقيقة للثمن الذي يدفعه السوريون، بل تنحاز إلى ترك الوضع يتعفن ويتفكك ويهترئ، وبشكل يعم الدمار والخراب سائر أنحاء سوريا.

ومرد ذلك يعود إلى موازنتها الثابتة ما بين مصالحها الإستراتيجية ومصالح حليفتها إسرائيل، حيث يمكن القول إنه ما من شيء يمكن أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية به في منطقة الشرق الأوسط، إلا ويهدف إلى مراعاة وضمان أمن إسرائيل ومصالحها، بوصفه العامل المحدد للتحرك الأميركي في المنطقة، لذلك لم يكن عبثاً عندما ربط أحد رموز النظام السوري ما بين أمن إسرائيل وأمن النظام السوري.

كما أن هناك من الساسة الأميركيين من ينظر إلى الأزمة السورية، بوصفها عامل استنزاف للنظام السوري وللنظام الإيراني الداعم له، عسكرياً ومادياً وسياسياً، ويسخر جهوده من أجل إبقائها ضمن الحدود السورية، ومنعها من أن تفيض على دول الجوار، وبالأخص إسرائيل، لذلك تمتنع الإدارة الأميركية عن تزويد المعارضة السورية بالسلاح وبالمال، خوفاً من أن يصل السلاح إلى أيدي مجموعات يمكنها أن تهدد مستقبلاً أمن إسرائيل.

والمفارق في الأمر هو أن سائر الدول الأخرى، المسماة "مجموعة أصدقاء سوريا"، تلتزم بموقف مطابق للموقف الأميركي. والدول التي تقدم بعض الدعم المحدود لمجموعات معينة، تلعب دوراً خطيراً في حرف الثورة عن طبيعتها وأهدافها، وتريد أن توجد مجموعات موالية لها، وتعمل وفق أجندتها ومصالحها.

يبدو أن أميركا تريد فرض حل سياسي على المعارضة هو أقرب إلى "تسوية"، تخرج، من جهة أولى، الأسد وزمرته من السلطة، وتحافظ من جهة ثانية على هيكلية النظام وبنية الدولة السورية

الحل والتسوية
يبدو أن العديد من ساسة الولايات المتحدة يريدون فرض حل سياسي على المعارضة وعلى قوى الثورة، هو أقرب إلى "تسوية"، تخرج، من جهة أولى، الأسد وزمرته المحيطة به من السلطة، وتحافظ من جهة ثانية على هيكلية النظام وبنية الدولة السورية، وبما يعني الابتعاد عن سيناريوهات تسقط النظام بالقوة، ويمكن أن يرافقها إرهاصات ومفاعيل يصعب التحكم بها، وقد تؤثر على دول الجوار، وبالأخص على إسرائيل.

وتلتقي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما مع الإدارة الروسية في تفضيل الحل السياسي، مع فارق أن الساسة الروس يريدون تسوية، تبقي على النظام بكافة رموزه، مع القيام بخطوات إصلاحية على الطريقة الروسية المافيوية.

كما تلتقي في تخوفها من صعود دور المجموعات الإسلامية المتطرفة، مثل "جبهة النصرة"، التي تعتبرها تنظيماً إرهابياً، لكن الإدارة الروسية تغلف معاداتها للثورة السورية بأغلفة متعددة، ولا  ترى فيها سوى مؤامرة، هدفها إسقاط النظام، وبناء دولة إسلامية، ويقوم بها متشددون ومتطرفون.

لا شك في أن الساسة الروس، ومعهم ساسة دول كثيرة، لا ينظرون إلى الثورة السورية، بوصفها قضية عادلة، لأنها ثورة شعب على نظام ديكتاتوري، عدوها الأول هو النظام، وباتت ثورة يتيمة، أو ثورة "مقطوعة من شجرة"، أي ليس لها من داعم حقيقي سوى أبنائها، في حين أن النظام يلقى دعماً وإسناداً غير محدودين من طرف قوى دولية وإقليمية، وخاصة من طرف روسيا، لذلك لا يتحدث رموز النظام الروسي شيئاً عن دعمهم، المتعدد المستويات، للنظام السوري، الذي يشن حرباً شاملة على الثورة وناسها، مارس فيها أبشع الممارسات والانتهاكات، وأطلق العنان لكل ممكنات التطرف ولمختلف النعرات.

والسبب الرئيس في مواقفهم، هو كونهم لا يفترقون كثيراً عن رصفائهم في النظام السوري، حيث ما زالت انتهاكاتهم الجسيمة لحقوق الإنسان في الشيشان وسواها ماثلة في الأذهان. ولعل رهانهم على النظام السوري، يعكس شيئاً عن طبيعة وتركيبة نظامهم السياسي.

ويدفع موقف الولايات المتحدة الأميركية والقوى الغربية من الأزمة السورية إلى الاعتقاد بأنهم أعطوا الضوء الأخضر كي يتصلب الروس والإيرانيون في مواقفهم، بالنظر إلى أن القوى الغربية الفاعلة لا تريد لثورة الشعب السوري أن تبلغ مرادها وفق مطامحه وآماله، بل تريد أن تجهض ثورته من خلال حلً سياسي، هو أقرب إلى صفقة دولية، يجري وضع لمساتها وخطوطها العريضة بين اللاعبين الكبار، الذين اجتمعوا في جنيف، ثم في دبلن.

فالواضح هو أن تضخيم الكلام عن ما يتضمنه "اتفاق جنيف" -وهو ليس باتفاق– يراد منه فرض حلّ غامض على السوريين، انبرى لتسويقه الأخضر الإبراهيمي، من خلال الحديث عن "حكومة بصلاحيات كاملة"، وأن ذلك لن يتم إلا من خلال "حوار سياسي"، مع أن النظام أغلق كل أبواب الحوار منذ بداية الثورة السورية، وراح يمعن في حرب شاملة ومدمرة ضد الثورة وحاضنتها الاجتماعية.

وجاء خطاب رأس النظام الأخير ليؤكد استمرار إغلاقه للمجال السياسي، واستمرار الحرب الشاملة، والتغوّل في القتل والتدمير.

تغيير الصورة
 يعيد الموقف الأميركي من الثورة السورية النقاش حول صورة الولايات المتحدة الأميركية لدى الشعوب العربية، والتي اقترنت في مرحلة ما قبل الثورات العربية، بإشعال الحروب والدعم المطلق لإسرائيل، وتدمير العراق، ودعم الأنظمة العربية الاستبدادية.

وضع جبهة النصرة على قائمة الإرهاب الأميركية، والسكوت عن الشبيحة وأجهزة الأمن التي تمارس أبشع أنواع الإرهاب، جعل كثيرا من السوريين يتساءلون عن خلفية الموقف الأميركي

ولعل التصريحات الأميركية الإيجابية حيال الثورة السورية، والثورات العربية، وحديث بعض المسؤولين الأميركيين عن تحول أميركي من دعم الأنظمة إلى دعم خيارات الشعوب في الحرية، أسهم في تحسين صورة الولايات المتحدة الأميركية، لكن الأمر لم يبلغ ذروته، خاصة وأن الولايات المتحدة بدت متحفظة على مطالب الثوار بالحماية الدولية للشعب السوري، وبإنشاء مناطق حظر طيران أو ممرات إنسانية.

والأهم هو أن الإدارة الأميركية امتنعت عن تقديم أية مساعدات عسكرية للمكون العسكري للثورة السورية، بل هناك تكهنات بأنها منعت بلداناً عربية من القيام بذلك. يضاف إلى ذلك أن التصريحات الأميركية والغربية بعدم وجود أي خيار عسكري، فهمت على أنها إجازة للنظام في الإمعان في حربه ضد الثورة، وفي نفس السياق، فهم الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس باراك أوباما باستخدام الأسلحة الكيميائية، على أنه سماح للنظام باستخدام كل ما دونها لتدمير الثورة وحاضنتها الاجتماعية.

ولعل وضع جبهة النصرة على قائمة الإرهاب الأميركية، والسكوت عن الشبيحة وأجهزة الأمن التي تمارس أبشع أنواع الإرهاب، جعل كثيرا من السوريين يتساءلون عن خلفية الموقف الأميركي.

وعليه، فإن التحسن الإيجابي في صورة الولايات المتحدة الأميركية لدى السوريين، أخذ بالتراجع كثيراً، وبذلك فوّت الساسة الأميركيون فرصة كبيرة لتحسين صورة بلادهم، لتعود إلى وضعها السابق، وربما أسوأ.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك