نبيل السهلي

نبيل السهلي

كاتب وصحفي مستقل

 

ابتكار شكل جديد للمقاومة للشعبية
مخططات تهويد القدس
مركزية الاستيطان في القدس

ابتكار جديد استنبطه الفلسطينيون لمقاومة سياسات الاحتلال التهويدية، فتيمناً برواية باب الشمس للروائي اللبناني إلياس خوري، أقام الشعب الفلسطيني قرية بالقرب من مدينة القدس تحمل الاسم المذكور.

وكما حملت الرواية في مضامينها توصيف النكبة واللجوء وصولاً إلى انطلاقة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، حاول المعتصمون من الناشطين الفلسطينيين والأجانب من خلال احتجاجاتهم على سياسات الاحتلال الإسرائيلي الاستيطانية التعبير عن إصرارهم وتصميمهم على رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني الذي نالت تلك السياسات من أرضه وموارده الطبيعية.

وعلى الرغم من فض الاعتصام بقوة السلاح من قبل الجيش الإسرائيلي فجر يوم الأحد 13/1/2013 بيد أن رمزية الاسم والمكان والموقع تحمل دلالات أقلها التشبث بالأرض من قبل أصحابها الأصليين بدعم كبير من الكثيرين من أحرار العالم ومن جنباته الأربعة.

تعتبر الفاعلية الشعبية بقرية باب الشمس بالقرب من مدينة القدس المحتلة شكلا جديدا من أشكال المقاومة والكفاح الوطني وابتكارا سيعاد إنتاجه على مساحة الوطن الفلسطيني

ابتكار شكل جديد للمقاومة للشعبية
تعتبر الفاعلية الشعبية التي حدثت قبل أيام في قرية باب الشمس بالقرب من مدينة القدس المحتلة شكلا جديدا من أشكال المقاومة والكفاح الوطني وابتكارا سيعاد إنتاجه على مساحة الوطن الفلسطيني بحسب غالبية الناشطين والمتابعين.

فإقامة القرية كانت ردا على محاولات المؤسسة الإسرائيلية تنفيذ المخطط الاستيطاني الكبير E1 الذي سيبقي على التواصل الجغرافي بين مدينة القدس المحتلة ومستوطنة معاليه أدوميم التي تعتبر من أكبر المستوطنات الصهيونية في المساحةً وعدد المستوطنين.

كما أن المشروع الاستيطاني المشار إليه يهدف إلى تقسيم الضفة الغربية المحتلة إلى منطقة شمالية وأخرى جنوبية، وفي نهاية المطاف يسعى المخطط إلى مصادرة القسم الأكبر من مساحة الضفة الغربية البالغة 5800 كيلومتر مربع، لتصبح مساحة مدينة القدس المحتلة نحو ربع مساحة الضفة الغربية المحتلة، وفي نفس الاتجاه ستحاول المؤسسة الإسرائيلية جذب مزيد من يهود العالم إلى المستوطنات القائمة والتي تلف مدينة القدس من كافة الجهات، وكذلك في الأحياء الداخلية من المدينة، ليشكل سكان المدينة اليهود في عام 2020 نحو 88% من إجمالي السكان حسب عدد كبير من خبراء الديموغرافيا اليهود وفي المقدمة منهم الباحث أرنون سوفر.

وفي مقابل ذلك ثمة سياسات إسرائيلية إزاء العرب المقدسيين لجعلهم أقلية في المدينة بحلول العام المذكور لا تتجاوز نسبتهم 12%. وقد أولت المؤسسة الإسرائيلية أهمية خاصية لتهويد التعليم في القدس لطرد المزيد من أهلها العرب وفرض واقع ديموغرافي يهودي في المدينة لمحاصرة آمال الفلسطينيين وتطلعاتهم في إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

مخططات تهويد القدس
من الناحية الإجرائية العملية وضعت مخططات إسرائيلية تستهدف جعل اليهود أكثرية ساحقة في القدس الشرقية المحتلة عام 1967، بحيث ستعتمد الزيادة المقترحة لليهود في المدينة على استيعاب اليهود القادمين من الخارج عبر محاولات فتح قنوات للهجرة اليهودية الكثيفة بعد تراجعها من الدول الأوروبية، فضلاً عن الإعلان عن مغريات إسرائيلية لرفع عدد الولادات للمرأة اليهودية المستوطنة في القدس، وذلك بغية ارتفاع معدلات الزيادة الطبيعية لليهود.

وفي نفس الوقت ستواكب هذه الزيادة لليهود في مدينة القدس وفق المخططات الإسرائيلية سياسات إجلائية مبرمجة إزاء العرب المقدسيين لترحيلهم بصمت عنها عبر إبطال شرعية إقامتهم في مدينتهم من خلال اتباع الإجراءات التالية: إذا عاش الفلسطيني خارج القدس سبع سنوات متتالية، وكذلك إذا حصل على جنسية أخرى وهناك وسيلة أخرى لطرد العربي المقدسي من أرضه وذلك إذا سجل المقدسي ٍإقامته في بلد آخر.

ما يحدث في القدس من عمليات حفر وتجريف وهدم إنما يخدم الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية التهويدية للمدينة

إن ما يحدث في القدس من عمليات حفر وتجريف وهدم إنما يخدم الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية التهويدية للمدينة في وقت لم تظهر فيه إلى العلن سياسة عربية وإسلامية جامعة وموحدة لمواجهة السياسات الإسرائيلية, وتبعا للسياسات الإسرائيلية تقدر دراسات مختلفة مجموع المقدسيين في القدس المعرضين لفقدان بطاقة الهوية العائدة لهم بنحو (50 – 60) ألف عربي، وهذا يعني ترحيلهم من مدينة القدس أو إبقاءهم خارجها.

واللافت للنظر أن كافة الإجراءات الإسرائيلية لترحيل عرب القدس وضعت وفق أحكام القانون الإسرائيلي الدقيق والمخططة سلفاً، فصاحب الأرض، وفقاً لنسق تطور الملكية والسكان، معرض في أي لحظة لسلب حقه وإقامته، بينما يكفي لليهودي الآتي من دول العالم المختلفة أن يعلن نية القدوم إلى فلسطين حتى يصبح مواطناً في القدس، ولا يفقدها حتى لو غاب سبع سنوات أو سبعين سنة أو حمل جنسية أخرى، على عكس العربي صاحب الأرض الذي تُفرض عليه قوانين إسرائيلية جائرة، لاستلاب أرضه وتهويدها بكافة الوسائل، وخاصة عبر مصادرة مزيد من الأراضي في القدس وبناء المستوطنات عليها لتلف المدينة من كافة الاتجاهات وتعزلها عن باقي المدن والقرى في الضفة الفلسطينية.

مركزية الاستيطان في القدس
من الأهمية القول بأن الجدار العازل -الذي سيصل طوله إلى (720) كيلومترا وسيلتهم نحو 42% من مساحة الضفة الغربية- يعتبر بحد ذاته من أكبر النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية غير الشرعية في عمق الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس. وقد أكدت ذلك هيئات دولية عديدة في مقدمتها محكمة العدل الدولية التي استصدرت قراراً قبل عدة سنوات يعتبر الجدار العنصري عملا إسرائيليا غير شرعي ومنافيا للقوانين الدولية.

ويجدر القول إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اعتمدت منذ عام 1967 سياسات محددة للإطباق على الأرض الفلسطينية، فضلاً عن محاولاتها شرعنة بناء المستوطنات عليها، وذلك بغية رسم جغرافيا سياسية قسرية تجعل الأراضي الفلسطينية محاطة بالمستوطنات من جهة وتعزل القرى والمدن الفلسطينية عن بعضها البعض للحد من إمكانية تواصلها الجغرافي والديموغرافي على حد سواء.

ولتعزيز نشاطاتها الاستيطانية في القدس استصدرت المؤسسة الإسرائيلية أمرا عسكرياً في عام 1967 يتم بموجبه سيطرة إسرائيل بشكل مباشر على أملاك الغائبين؛ واستحدثت حارساً لأملاك الغائبين، حيث تم من خلاله منع بيع أو تأجير تلك الأملاك دون موافقة السلطات والمؤسسات الإسرائيلية ذات الصلة، كما تم استصدار قرارات أخرى من شأنها السيطرة على أراضي وأملاك ومحلات المقدسيين التجارية في مدينة القدس.

إن السياسات الإسرائيلية الجائرة التي تتركز بشكل رئيسي على مصادرة أراضي الفلسطينيين وطردهم وإحلال المستوطنين اليهود مكانهم إنما تهدف في نهاية المطاف الإخلال بالوضع الديموغرافي لصالح التجمع الاستيطاني اليهودي على حساب الشعب الفلسطيني وأرض أجداده الذين ساهموا إلى حد كبير في بناء حضارة القدس ومعالمها العربية التي ماتزال شامخة كما أهلها الأصليين.

لكل يوم جمعة يمر اسم جديد لمقاومة الجدار والاستيطان، وقد زاد من إصرار الشعب الفلسطيني تفاقم عنصرية إسرائيل وانكشاف صورتها أمام العالم

يلحظ المتابع لشؤن القضية الفلسطينية قوة اجتهادات الفلسطينيين واستنباطهم لطرق مقاومة جديدة وناجعة لمواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلية، فلكل يوم جمعة يمر اسم جديد لمقاومة الجدار والاستيطان، وقد زاد من إصرار الشعب الفلسطيني تفاقم عنصرية إسرائيل وانكشاف صورتها أمام شعوب العالم المحبة للحرية والعدالة والسلام، التي عبرت عن مواقفها إلى جانب الحق الفلسطيني من خلال النشطاء الأجانب الذين شاركوا الفلسطينيين بمقاومتهم السلمية ضد الجدار والاستيطان الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة.

ولم تكن قرية باب الشمس والاعتصام بها سوى خطوة ابتكارية جديدة لتفكيك معالم الاحتلال من مدينة القدس ومن كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها مدينة القدس التي تتعرض لأشرس هجمة استيطانية منذ احتلالها في عام 1967.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك