سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني


كانت الخطوة المهمة التي تحققت نهاية سنة 2004 هي إطلاق شعار "لا للتمديد، لا للتوريث"، الذي رفعته حركة كفاية، والذي تطور إلى شعار "يسقط حسني مبارك"، وهو الشعار الذي حكم نشاط الأحزاب المعارضة، والنخب كذلك، في الوقت الذي كان ينفتح فيه أفق الصراع الطبقي عبر إضرابات العمال في المحلة وحلوان، وحراك موظفي الضرائب العقارية، وتحركات العديد من المناطق المتضررة من سطوة مافيا السلطة.

واستمر هذا النشاط الذي وصل إلى أن تتحرك قطاعات مجتمعية ومناطقية كثيرة، تطالب بحقوقها. وهي الأرضية التي أسست لأن تتحوّل الدعوة إلى إضراب يوم 25 يناير/كانون الثاني سنة 2011 إلى ثورة عامة. وبالتالي ليس من الممكن فهم الثورة دون تلمس مفاعيل كل ذلك النشاط الذي تراكم طيلة سنوات.

المطالب التي جرت الدعوة للإضراب من أجلها قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني، سرعان ما تكثفت في مطلب عام هو "الشعب يريد إسقاط النظام"، الشعار الذي كانت الثورة التونسية قد بلورته للتو

المطالب التي جرت الدعوة للإضراب من أجلها -وهي مطالب تحددت في الحد الأدنى للأجور (1200 جنيه)، وحق العمل، وأرض الفلاحين، إضافة إلى حل مجلسيْ الشعب والشورى "المنتخبين" في سنة 2010، ومحاكمة وزير الداخلية حبيب العادلي- سرعان ما تكثفت في مطلب عام هو "الشعب يريد إسقاط النظام"، الشعار الذي كانت الثورة التونسية قد بلورته للتو.

لكن هذا الشعار تحقق أخيراً في الصيغة التي طرحتها أحزاب المعارضة والنخب، أي أن شعار إسقاط النظام تلخص في إسقاط حسني مبارك (كما حدث أيضاً في تونس)، حيث أدى الإعلان عن تنحي (أو تنحية) الرئيس إلى الشعور بالانتصار الغامر من قبل الشعب المنتفض. بمعنى أن الوعي الذي نشأ عن شعار "يسقط حسني مبارك"، والذي تضمنه خطاب المعارضة، فرض أن تصبح تنحيته هي التحقيق الفعلي لشعار إسقاط النظام.

لكن ما جرى هو أن العسكر هم من حكم، ليصبح الشعار هو "يسقط.. يسقط حكم العسكر"، في الوقت الذي كانت فيه الصيرورة التي فرضها المجلس العسكري تقود حكماً إلى تسلّم الإخوان المسلمين السلطة، وهم الذين رفضوا المشاركة في إضراب 25 يناير، ثم انضموا بعد 28 يناير/كانون الثاني، وحسم الصراع مع الأمن المركزي، لكن سرعان ما بدؤوا المساومة مع عمر سليمان بعد أن أصبح نائباً للرئيس، ومن ثم التوافق مع المجلس العسكري والدفاع عنه، وتغطية سياساته. وبالتالي أصبح الشعار هو "يسقط حكم المرشد"، وأصبح هدف الأحزاب تلك -وكذلك النخب- هو مواجهة الدكتاتورية الإسلامية الزاحفة.

الشعب الذي انتفض, فرح لرحيل حسني مبارك، واعتقد أن الجيش قد حقق الأهداف التي ثار من أجلها انطلاقاً من وهم "التاريخ الوطني" لهذا الجيش، دون أن يميّز بين قيادته التي تكيفت مع سلطة الرأسمال وحكم حسني مبارك، والضباط والجنود الذين هم وطنيون بالتأكيد.

ثم اصطدم مع المجلس العسكري الذي يمثل تلك النخبة المستفيدة والتي باتت جزءاً من بنية السلطة الرأسمالية التابعة، ودفع نحو إسقاط "الفلول". ولقد راهن جزء منه على الإخوان المسلمين الذين يقولون إنهم يحملون حلاً لمشكلاته، فأصبحوا يسيطرون على مجلسيْ الشعب والشورى، ثم حصلوا على الرئاسة.

لكن اتضح أنهم لا يحملون حلولاً لهذه المشكلات، التي هي اقتصادية في جوهرها وبالأساس. وهي المشكلات التي فرضت انطلاق الثورة أصلاً. لهذا عاد الحراك يتصاعد في كل المناطق، وعادت الإضرابات وكل أشكال الاحتجاج تستحوذ على واجهة الأحداث. وبالتالي عدنا نشهد تراكم الاحتقان وتوسع الحراك، وتصاعد "المزاج الثوري".

لكن الأحزاب والنخب التي رفعت شعار "يسقط حسني مبارك" ثم شعار "يسقط حكم العسكر"، أصبحت ترى أن إسقاط "حكم المرشد" هو مفصل نشاطها. وكما بنت تكتيكاتها وتحالفاتها السابقة على أساس الشعارين المرفوعين، باتت تبني تكتيكاتها وتحالفاتها على أساس الشعار الجديد: "يسقط حكم المرشد"، أو "يسقط حكم مرسي"، أو "يسقط حكم الإخوان".

في السابق كان الشعار -أي شعار "يسقط حسني مبارك"، أو حتى شعار "يسقط حكم العسكر"- يجعلها تميل إلى التحالف مع الإخوان المسلمين، لكنها الآن تنقلب تماماً، وتندفع لقبول التحالف مع "العسكر" (أو مع الدولة السابقة، مع البيروقراطية)، وحتى مع "الفلول"، لأن الهدف الأساسي هو إسقاط حكم الإخوان، ومنعهم من التمكن من السيطرة على الدولة، وبالتالي الحكم الشمولي لعقود قادمة. فقد أصبح "العدو" هو الإخوان، ومن ثم يجب التحالف ضدهم من كل القوى التي ترفضهم.

سبب هذا الانقلاب -الذي حدث مرتين سابقاً ويحدث الآن- هو مسألة الأولويات التي تحدد اعتماداً على المنطق الذي يحكمها، والذي ينطلق من أساس "سياسي"، هو الدكتاتورية أو السلطة التي تعمل على فرض سطوتها. السلطة التي تحكم لمصلحة فئة، وتعمل على ضبط نشاط الأحزاب والنخب من منظور سعي هذه الأحزاب والنخب لبناء "دولة ديمقراطية" تعددية.

لكن سنلمس هنا أن هذا المنظور يُحكم أيضاً ليس بتصور ديمقراطي منسجم بل يُحكم بميل "رفضوي"، ميل يقوم على رفض استبداد السلطة وضبط نشاط هؤلاء. وهو المنطق الذي يسمح بالتحالف مع قوى غير ديمقراطية ما دامت ضد السلطة. وهنا سوف نلمس أن هذا المنطق لا يشتمل على أي أساس يتعلق بالوضع الاقتصادي والمعيشي للشعب، ولا بكل البنية الاقتصادية الاجتماعية بل يتمحور حول السلطة، وحول هدف "الديمقراطية" فحسب.

وهذا ما فرض أن يظهر الصراع الآن كصراع بين الدولة الدينية التي يُفترض أن الإخوان يعملون على تأسيسها، والدولة المدنية التي ينضوي تحت لواء تحقيقها كل رافض لحكم الإخوان المسلمين، بما في ذلك بعض أركان نظام حسني مبارك (الذي يبدو أنهم باتوا يُعتبرون من القوى المدنية).

القوى التي تنضوي في التحالف ضد السلطة يُفرض عليها طابعها ليس انطلاقاً من بنيتها هي ذاتها، بل انطلاقاً من "الطابع العام" للمعركة كما تتخيله النخب والأحزاب

وبالضبط كما كان الصراع ضد نظام حسني مبارك يفرض التحالف مع الإخوان الذين باتوا يعتبرون ديمقراطيين ما دام الهدف هو تحقيق الديمقراطية. بمعنى أن القوى التي تنضوي في التحالف ضد السلطة يُفرض عليها طابعها ليس انطلاقاً من بنيتها هي ذاتها، بل انطلاقاً من "الطابع العام" للمعركة كما تتخيله النخب والأحزاب. وهنا يمكن أن نوضح أن هذه هي عاهة اليسار خصوصاً، التي يمكن أن يكون ما نشير إليه هنا هو نقد عميق لها.

كل هذا الصراع ليس هو الصراع الذي يخوضه الشعب، الذي مال بعضه إلى دعم الإخوان في الانتخابات البرلمانية والرئاسية على أمل أن يقود نجاحهم إلى سياسة تحل مشكلاتهم، وظل بعضه مصرّاً على الاستمرار في الصراع ما دام لم يتحقق أي تغيير في وضعه، وستفرض سياسات الإخوان الاقتصادية تعمّق أزمته ودفعه لكي يقاتل من أجل التغيير الذي سيلمس (وربما لمس) أنه لم يحدث من خلال الانتخابات، التي أدت إلى تغيير شكل السلطة من خلال إلباسها "للمعارضة الإسلامية"، كما كانت تظهر زمن حسني مبارك.

وبالتالي، يمكن أن يندفع الشعب إلى الشوارع من جديد في ثورة أخرى. وسيبدو أن هذا هو الخيار الوحيد أمامه بعد أن فشلت الانتخابات في إيصال حزب يحل مشكلاته. وهو هنا يتقاطع مع سياسة الأحزاب والنخب في التوافق على إسقاط السلطة الجديدة، التي هي سلطة الإخوان، لكن المنظور مختلف تماماً بين كل منهما، حيث إنه يعمل على إزالة "سلطة طبقية" فرضت النمط الاقتصادي الذي أفقره وهمشه، سواء كانت واجهتها حسني مبارك و"رجال الأعمال"، أو المجلس العسكري، أو مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، فالأساس هو تغيير الواقع الاقتصادي وليس الأفراد أو الأحزاب فقط.

لهذا فإن منظوره للأحزاب ينطلق من موقفها من واقعه هذا، ومن فاعليتها لتغيير هذا الواقع. وهنا فإن هذا المنظور هو الذي يحدد رأيه في هذه الأحزاب والنخب، ومدى تفاعله معها. بمعنى أنه ليس الصراع ضد الدكتاتورية هو الذي جعله يرفع شعار إسقاط النظام، ولا شعار مواجهة الدولة الدينية أو حكم الإخوان هو الذي يحركه ضد السلطة الآن.

وبالتالي فنحن إزاء مسارين للصراع مختلفيْن ومتباينيْن إن لم يكونا متناقضيْن، رغم التوافق على إسقاط النظام الحالي، أي حكم الإخوان، هذا التوافق الذي سوف يبدو شكلياً. وهو الأمر الذي يجعل الشعب مستمراً في الوضع الثوري، مقابل ميل الأحزاب والنخب إلى الطريق الإصلاحي/الانتخابي.

الشعب أصبح يعرف أن فعله المباشر هو الذي يمكن أن يحقق له ما يريد، لهذا يستمر في حراكه، وتتقلص مشاركته في التصويت، ربما لتعود إلى ما كانت عليه زمن حسني مبارك (10% فقط)، في الوقت الذي يتصاعد فيه حراكه.

الشعب يحركه إحساسه الطبقي، لهذا يرفض كل سلطة لا تنفذ حلاً يجعله يتجاوز مشكلاته (البطالة والأجر المتدني، وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية). لقد رفض نظام حسني مبارك من هذا المنظور، كما رفض حكم العسكر من المنظور ذاته، وهو يرفض الإخوان من هذا المنظور كذلك.

والأحزاب والنخب تحركها مصالحها السياسية التي ترتبط بطبيعة شكل السلطة ومن يحكم فيها، دون لمس المضمون الطبقي لها، أو تعديل النمط الاقتصادي القائم فيها، أو حتى تقديم حل لمشكلات المجتمع تلك، الأمر الذي يُبقي الوضع القائم في هذا المستوى، أي استمرار سلطة الرأسمالية والنمط الليبرالي، اللذيْن كانا في أساس الثورة، وبالتالي هما في تضاد مع مصالح الشعب.
 
الأحزاب والنخب تحركها مصالحها السياسية التي ترتبط بطبيعة شكل السلطة ومن يحكم فيها، دون لمس المضمون الطبقي لها، الأمر الذي يُبقي الوضع القائم في هذا المستوى
وهنا نلمس المسافة بين صيرورة الصراع الطبقي ومسار الصراع "السياسي"، وهي المسافة ذاتها التي حكمت الصراع قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني سنة 2011، حيث ظلت الأحزاب والنخب تتمحور في صراعها ضد حسني مبارك حول الديمقراطية، وضد الدكتاتور، في الوقت الذي كان فيه الصراع الطبقي يتصاعد بشكل غير مسبوق، ليفضي إلى ثورة كبيرة.

ونجد المسافة ذاتها الآن، حيث يتصاعد الصراع الطبقي بعد أن كان هدأ نتيجة الشعور بـ"الانتصار"، بينما يتمحور فعل الأحزاب والنخب حول "مواجهة التمكين الإخواني"، أو التصدي للدولة الدينية. وهي تكرر السياسة ذاتها (وهنا نخص اليسار الذي هو وحده المعني بتغيير النمط الاقتصادي) بالتحديد لأن منطقها لم يتغيّر، ولا تغيّرت المصالح الطبقية التي تعبّر عنها.

هذا هو "المنطق السياسي" الذي يخفي مصالح طبقية، فيجري الفصل بين السلطة "السياسية" والأساس الاقتصادي الذي تتشكل على ضوئه، وبالتالي تميل إلى التركيز على شكل السلطة وليس على مضمونها الطبقي، وتقرر "تغيير شكل السلطة" فقط دون أساسها الاقتصادي. فهي إما أحزاب ونخب ليبرالية، ولهذا فليست معنية بتغيير النمط الاقتصادي بل بالحلول محل السلطة القائمة. أو يسار يمثل فئات وسطى ما زالت تنساق وراء اللبرلة وترفض التفكير في تغيير النمط الاقتصادي، ومن ثم تركز جل نشاطها على تحقيق الدمقرطة.

لهذا نجد أن الشعب الذي يخوض الصراع هو المعني بتأسيس التعبير السياسي الذي يحقق مصالحه. وسوف نكتشف أن هذه الأحزاب والنخب تـُعيد تشكيل السلطة ذاتها كلما وصلت إليها، كما فعل الإخوان بالضبط.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك