غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري

 

كرّست الأزمة السورية على هامشها العديد من الأزمات التي لا يتوقع انتهاؤها والخلاص منها لسنوات قادمة، ذلك أن طريقة إدارة الأزمة وهندسة مساراتها أفضت إلى خلق مجال واسع من الأزمات التي استمرت بالتوالد والظهور طوال عمر الأزمة، جزء من هذه الأزمات انبثق نتيجة حالة الفوضى الشاملة التي عصفت بالمجتمع ومؤسسات الدولة وكانت ثمرة طبيعية لحالة الضعف والإنهاك الذي تعرض له النظام نتيجة تماهيه بالدولة السورية وربط مؤسساتها عضويا وبنيويا بأوضاعه وظروفه.

غير أن الجزء الأخطر من هذه الأزمات هو ما تم تصميمه وهندسته بمعرفة ودراية، من قبل النظام والقوى الإقليمية والدولية الداعمة له، بهدف توظيفه لخدمة أهداف هذا الطرف، سواء في حربه التي يخوضها ضد الشعب السوري راهناً أو من أجل تحويل هذا الخراب وأدواته إلى أوراق يجري استثمارها في سوريا المستقبلية في حالة هزيمة النظام وحلفائه.

حذرت القوى السياسية السورية من خطورة إدخال الجيش في مواجهة الحراك المدني, غير أن النظام المندفع برغبة القضاء على الحراك الثوري لم يعط أية اعتبارات لمثل هذه المخاوف

في هذا السياق، يشكل الجيش السوري أحد أهم عناصر الأزمة وأكثرها تأثيراً، وربما أحد أهم إشكاليات سوريا المستقبلية، وذلك بحكم كون هذه المؤسسة أحد أكبر مؤسسات جمهورية الأسد وأكثرها رعاية واهتماما فضلاً عن كونها الجهة التي أنيط بها مهمة القضاء على الحراك الثوري وتثبيت دعائم النظام السلطوي، بعد أن ثبت أن أجهزة الأمن غير قادرة على هذه المهمة بسبب ترهلها وفسادها وعدم تأهيلها لغير عمليات الاعتقال والإخفاء.

وما حدث هو أن الزخم الثوري قد أسهم بدرجة كبيرة في إرباكها وتشتتها واضطرارها إلى الاستنجاد بالجيش الذي يتمتع بكثافة عددية أكبر وقوة نارية، وفوق هذا وذاك شرعية وطنية لا تملكها الأجهزة الأمنية ذات السمعة السيئة.

ومنذ بداية الأزمة حذرت القوى السياسية السورية من خطورة إدخال الجيش في مواجهة الحراك المدني وذلك لما لهذه الخطوة من أثار محتملة ومؤكدة على بنية الجيش وتركيبته باعتباره جيشاً وطنياً يتكون من مختلف مكونات المجتمع السوري، وأن من شأن تعريضه لهذه التجربة أن تؤدي إلى انقسامه وتشتيته، غير أن النظام المندفع برغبة القضاء على الحراك الثوري والمستعجل نهايته لم يعط أية اعتبارات لمثل هذه المخاوف والتقديرات عبر إصراره على توريط الجيش وإدخاله عنوة في قلب الأزمة.

وعلى الرغم من حالات الانقسام التي شهدتها البلاد عمودياً وأفقياً، وعلى كل المستويات، ظل الجيش محافظاً على قوته القمعية ومستوى كثافة نيرانه، رغم ما شهدته المؤسسة العسكرية من انشقاقات في بنيتها إن على مستوى الأفراد أو على مستوى الضباط والقادة.

لقد اتضح أن ثمة جيشين في سوريا، جيش عام، وهو لم يكن سوى بنية هامشية، رغم حجمها الكبير، لم يكن لها تأثير في مجرى الحدث، فقد تكشف أن بنية الجيش جرت هندستها بطريقة تجعل من هذه البنية غير ذات فعالية، وظهر أنها تشكل عبئاً في الأزمة، ذلك أن النظام لم يستطع إشراكها في الحدث، إما بسبب عدم تهيئتها لمثل هذا النمط من الأحداث، أو بسبب عدم الثقة بولائها، فجاء انشقاق غالبية أفرادها مخرجاً مريحاً للنظام وهو ما سماه بشار الأسد عملية التطهير التي ساعد على إنجازها.

المكون الآخر في الجيش هو ما يمكن تسميته الأطراف الصلبة، فهو الذي يتشكل من تشكيلات عسكرية معينة تتكون من فرق وألوية وسرايا، يغلب عليها انتماؤها طائفيا وجهويا لاتجاه محدد، وتمتلك تجهيزات عسكرية متميزة وتتموضع في أماكن إستراتيجية وحساسة حول العاصمة وداخلها وفي مراكز المدن الرئيسية.

أثناء الأزمة، ومع تطورها، امتلكت هذه البنية سلطة على الأرض وأصبحت قيادتها موزعة على مجموعة من الضباط في غرفة العمليات بدمشق، وصارت تعمل على أساس قطاعي، بمعنى كل ضابط يملك القطاع الموجود به ويتصرف بالأرزاق والعباد بالطريقة التي يراها مناسبة لخدمة مصالحه ومصالح الأفراد المحيطين به، أما بالنسبة لهيكلية أوامر الضبط والربط مع المركز فهي تقف عند حدود معينة، على اعتبار أنه يتم تقدير الخطر ذاتياً، وبالتالي طرق التعامل الواجبة وإستراتيجيات المواجهة، وقد ظهر هذا الأمر واضحاً خصوصاً في أرياف درعا ودمشق وحمص.

بذلك تحوّل الجيش، في آلية عمله وطبيعة تشكيلاته، إلى ما يشبه النمط المافيوي، حيث تصبح كل مجموعة مكتفية بذاتها همها الاستحواذ على ما تقدر السيطرة والاحتفاظ به من أراضٍ. صحيح أن هذا النمط من العمل والتشكّل يجعل من كل تشكيل يستخدم كامل طاقته العنفية وفي أقصى درجاتها على اعتبار أنها الوسيلة الوحيدة للبقاء، لكنها بنفس المقدار تجعل من الكتلة العامة للجيش بنى مفككة.

بمعنى أن كل وحدة عسكرية تنتمي للضابط المسيطر على القطاع وليس للجيش عموماً، ومن السهل للمراقب للأوضاع الميدانية ملاحظة هذا الأمر بسهولة، ومثال ذلك ما حصل مع كثير من الوحدات العسكرية في ريف حلب، مدرسة المشاة والكلية الفنية وكلية الشؤون الإدارية، وكذا المواقع والوحدات في ريف دمشق ودرعا، حيث تركت هذه الوحدات لمصائرها رغم أنها تعرضت لمدة طويلة للحصار.

وثمة معلومات مؤكدة بوجود تأثير إيراني في إعادة هندسة الجيش وتنظيمه، وخاصة ما يسمى بفرق النخبة المكونة من الفرقة الرابعة في جيش النظام والحرس الجمهوري، بحيث يجري عزلها عن هيكلية الجيش العامة وتشكيل بنية ذات طبيعة خاصة وعقيدة تتناسب، ليس مع مقتضيات الأزمة السورية الراهنة وإنما تتوافق مع حسابات إقليمية محتملة، وفي هذا الإطار تشرف جهات عسكرية إيرانية حتى على عملية صناعة القرار بخصوص هذه البنية وتحديد توجهاتها وطبيعة عملياتها، وخاصة في ظل حالة عدم الثقة التي يعيشها النظام حتى تجاه الكثير من الدوائر المقربة له في الجيش وأجهزة الأمن.

الجيش السوري مؤهل -في حال استمرار الأزمة- لأن يصبح أداة للبيع والاستئجار من قبل أطراف يهمها استمرار الفوضى في سوريا

وقد عمل النظام في إطار هذا التوجه على إرسال العديد من ضباطه الموثوقين إلى طرطوس واللاذقية من أجل تجهيز بنية عسكرية دفاعية في طريقه إلى تأسيس الجيب العلوي المحتمل قيامه بمساعدة إيرانية، (كان لافتاً منذ أكثر من عام قبل انطلاق الثورة السورية تركز الاستثمارات الإيرانية في مجال البنية التحتية في هذه المناطق)، وإلى ذلك الحين يغطي النظام انتشاره الواسع بفائض أبناء الطائفة السنية والطوائف الأخرى الذين لا زال يحتجزهم ويقوم بإغراقهم بالغنائم التي يحصلون عليها من عمليات السلب والنهب العلني من قبل مواطني بلدهم.

وربما لا تخرج عن هذا النمط التخريبي والتجزيئي فكرة إنشاء "الجيش الوطني" التي يعتزم النظام القيام بها بحجة حماية الأحياء والمناطق المهددة بالسقوط بأيدي الجيش الحر، ذلك أن بنية هذا الجيش وتركيبته تقوم على أساس تجربة "اللجان الشعبية" أو "لجان الأحياء" المكوّنة من أفراد ذوي سوابق إجرامية وعاطلين عن العمل تجري تغطية نفقات توظيفهم وعمالتهم للنظام من خلال ما يسمى التشبيح والسرقة حيث يتم تلزيمهم مناطق معينة لحمايتها من الجيش الحر مقابل السماح لهم باستباحة هذه المناطق.

غير أن الهدف الأبرز لمثل هذه التكوينات المافيوية هو نشر الجريمة والفوضى في سوريا المستقبلية وتهديد السلم والاستقرار الأهلي وجعل أمر تحقيقه صعباً إن لم يكن مستحيلاً.

وفق هذا السياق المشار إليه فإن الجيش السوري مؤهل، وفي حال استمرار الأزمة وبقائها مدة طويلة، لأن يتحول إلى أزمة مستعصية حتى في ظل سقوط النظام أو مقتل رأسه، ذلك أن آلية عمله الحالية تؤهله للعمل كمليشيات مسلحة بدون عقيدة أو ضابط عسكري وحتى أخلاقي، ما يجعل الجيش أداة مهيأة للبيع والاستئجار من طرف أطراف يهمها استمرار الفوضى في سوريا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك