منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية

أبعاد الهوية
القمة الرئاسية
هل ينجح الدور الأفريقي؟

يتعين على الرئيس السوداني عمر البشير ورئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت أن يكونا قد توصلا إلى موقف موحد في القضايا الخلافية بين الدولتين، وذلك قبل الدخول إلى جلسات قمة الاتحاد الأفريقي المزمع انعقادها يومي 26 و27 يناير/كانون الثاني الحالي. هذا الموقف الموحد بين البلدين الذي يؤمل تحقيقه قبيل انعقاد القمة، ليس التحدي الوحيد، وإنما هناك تحدي العودة إلى وحدة رمزية تبددت بفعل الانفصال.. وحدة يبحث عنها البلدان في أفريقيا بعدما ضيعاها في السودان.

أبعاد الهوية
إن انفصال جنوب السودان عام 2011 ليس ببعيد، فهو لم يدخل زمرة التاريخ السياسي بعد، ولم يغب شكل الدولة الموحدة عن وجدان شعب البلدين. ولكن أكثر إعلان سياسي حاضرٌ في الأذهان هو إعلان الرئيس عمر البشير بعيد الانفصال بأن المسائل أصبحت واضحة في تثبيت الهوية العربية الإسلامية والذي رافقه الإعلان عن قيام الجمهورية الثانية.

إن خيار الانفصال خيار شعبي تم نتيجة استفتاء عام، ولكن تحديد الهوية في الجمهورية الثانية بعد ذلك تم فرضه بإعلان سياسي تجاهل الهوية الأفريقية المركبة والمتعددة الأبعاد والجذور، والتي كان يمكن أن تشكّل عامل قوة.

تحديد الهوية في الجمهورية الثانية تم فرضه بإعلان سياسي تجاهل الهوية الأفريقية المركبة والمتعددة الأبعاد والجذور، والتي يمكن أن تشكّل عامل قوة

فقد نجح الخطاب الرسمي السائد في تأسيس مقاربة ركزت على العامل الديني والإثني، فكان نصيبها انقسام الناس إلى فريقين: أولهما تحرك بفضل المخزون الذهني المبني على اعتقادات النصرة للعروبة والإسلام، واحتكار فقه التجديد لبثه في أذهان الشعب بالطريقة التي يراها صانع القرار. والفريق الثاني  تحرك بناءً على أهمية البُعد الثقافي، ونتيجة لمراهنته على أن التكامل بين الشعبين قد يعوّض ما تم خسرانه بسبب الانفصال. 

عاد البحث عن الهوية السودانية كمفهوم يثير القلق بعد انفصال الجنوب، فلم يسبق أن تم تفسيره من قبل بمثل هذا الشكل الجهوي. فشعور الانتماء لدى المواطن السوداني في كل أنحاء السودان بأقاليمه المختلفة ومساحاته الشاسعة وثقافاته المتعددة وإثنياته المتنوعة، كان للشخصية السودانية المندمجة في كيان واحد ظل يشكلها على مدى قرون رغم التنوع وتعدد الانتماءات.

إن الإيمان بالهوية السودانية نجح في تشكيل أساس نضالي سياسي قامت عليه الحركة الوطنية منذ عشرينيات القرن الماضي. وتأثرت الحركة الوطنية بحركات التحرر في أفريقيا، فارتبط الدفاع عن الوطن ومقاومة الاستعمار بالذود عن القيم التراثية ومقومات انتماء الشخصية السودانية إلى مزيج  منصهر في بوتقة عدة حضارات.

ورغم ذلك الإيمان فقد كان هناك هاجس يظهر بين الفينة والأخرى في الإنتاج الأدبي، مرده تسمية الهوية وإرجاعها إلى أصلها. لم يكن ذلك بسبب البحث عن هوية مفقودة، ولكن كان من أجل تحديدها. وقد شكل هذا المفهوم مرتكزاً أساسياً لشعوب القبائل المختلفة في أنحاء السودان، وعلى اختلاف الدين والثقافات واللهجات، فقد راهن الجميع على وحدة الوطن.

ومع أن رحلة الجدل حول الهوية قديمة، فقد تم استحداثها بهذا الشكل الجهوي في التاريخ السياسي السوداني الحديث. بدأ ذلك منذ تسعينيات القرن الماضي، ونشط بسبب الحالة التي آل إليها الشعب السوداني والتي بينت عجزه عن احتواء تطورات الجدل نحو الهوية والانقسام السياسي. فقد كان خطاب الجهوية خطابَ الدولة الرسمي، بينما لم يكن المواطن الضحية الوحيدة، وإنما كان كيان الوطن نفسه مهدداً بالانقسام وفقاً لقواعد اللعبة السياسية في تثبيت قواعد الحكم.

وإزاء هذه الأفكار التي تتبناها الحكومة السودانية حول هوية السودان والسودانيين، قد لا يكون مستوعباً بشكل كامل أن السودان هو من لجأ إلى الاتحاد الأفريقي للعب دور الوساطة في مفاوضاته مع دولة جنوب السودان. ولكن يمكن أن تثبت هذه الحيثيات أن الخيار الأفريقي تم فرضه على السودان، ليجدها فرصة لتوظيف المواقف وقياس السلوك الإقليمي تجاه الأزمة بينه وبين دولة جنوب السودان.

القمة الرئاسية
لم تأت نتائج القمة الرئاسية الأخيرة لدولتي السودان وجنوب السودان المنعقدة أوائل هذا الشهر في أديس أبابا بجديد يُذكر، فما أُنجز عاديّ جداً مقارنة بالمجهودات التي بذلت وما تزال تبذل، باستثناء اتفاق التعاون. ولكن انطلاق اللجنة الأفريقية الرفيعة المستوى بقيادة ثابو مبيكي، بثّت قليلاً من التفاؤل المفقود على جدول أعمال المباحثات التي ستستمر لعدة أيام لتنفيذ بندين أساسيين.

هذان البندان يختصان بحسم القضايا الخلافية حول تنفيذ اتفاقية الترتيبات الأمنية وفك الارتباط بين حكومة جنوب السودان والحركة الشعبية-قطاع الشمال. فالمقترح الذي قدمته الوساطة الأفريقية عبارة عن مصفوفة توقيتات زمنية تشتمل على تنفيذ الاتفاقيات بين دولتي السودان وجنوب السودان، بما فيها بند فك الارتباط بين قطاع الشمال وحكومة جنوب السودان والتي سيتم عرض نتائجها في القمة الرئاسية المرتقبة على هامش اجتماعات القمة الأفريقية. ويقف بند فك الارتباط عقبة في وجه الاتفاق على مرور النفط عبر الأراضي السودانية، لأن السودان استخدمه شرطا للسماح بذلك.

وفي مقابلة الدور الأفريقي الإيجابي الداعم لنجاح المفاوضات، تقف أطراف داخلية في كلا البلدين تسعى لعرقلة كل الاتفاقات التي تقرّب بينهما. ففي السودان تحاول بعض الجهات تأليب الرأي العام مستخدمة صحفاً مخصصة لخدمة هذا التوجه. أما في دولة الجنوب فمتوقع أن يُقابل التزام الرئيس سلفاكير بفك الارتباط مع قطاع الشمال، بمعارضة داخلية قوية لأن قطاع الشمال جزء من الحركة الشعبية الحاكمة في جنوب السودان.

سلسلة المفاوضات على مستوى القمة بين الرئيسين السودانيين طال أمدها لتغطية مسببات النزاع الذي لم يقتصر على نمطه بين الدولتين فحسب، وإنما انكفأ على تطور النزاع المؤسساتي إلى داخل الدولتين كل على حدة

مرّت المفاوضات بين حكومتي البلدين بمنعرجات شتى، وعُلّقت آمال على القمة على مستوى رئاسة البلدين عدة مرات، إلى أن وصلت إلى مرحلة تباحث كيفية تعزيز أمن الحدود، وتصدير النفط عبر الشمال والذي تم إيقاف إنتاجه منذ يناير/كانون الثاني 2012 بسبب الاختلاف حول رسوم عبوره.

ويتوقف استئناف إنتاج النفط أيضاً على قضية منطقة أبيي والحدود والتي تم الاتفاق حولها وفقاً لترتيبات تحفظ السلام والاستقرار على طول الحدود المشتركة، وذلك بإقامة منطقة عازلة حيث تسحب الدولتان قواتهما إلى مسافة عشرة كيلومترات من الحدود المشتركة.

ويكمن تناقض الأدوار هنا في تعثر المفاوضات على نقاط أساسية تمثل عصب الحياة الأمنية والاقتصادية للبلدين، بينما تم توقيع اتفاقية الحريات الأربع التي يمكن أن يكون مصيرها أيضاً الفشل إذا لم يصل البلدان إلى طريق لتحقيق الاستقرار والسلام. ليس هناك خيار لدى الحكومتين سوى الحوار السلمي وعقد النية على الدفع بتنفيذ الاتفاقيات، فقد أثبتت تجارب المفاوضات أنه من السهل جداً عقد قمة حتى على مستوى الرئاسة، ولكن الرهان يكون أخيراً على مدى التزام الطرفين بالوصول إلى حلول عملية وتنفيذ الاتفاقيات الموقعة.

إن سلسلة المفاوضات على مستوى القمة بين الرئيسين السودانيين طال أمدها لتغطية مسببات النزاع الذي لم يقتصر على نمطه بين الدولتين فحسب باعتباره نزاعاً خارجياً، وإنما انكفأ على تطور النزاع المؤسساتي إلى داخل الدولتين كل على حدة. فالسودان لم يعد ترتيب التنظيم الداخلي للدولة من غير وجود إقليم الجنوب السابق.

ودولة جنوب السودان لم تستطع استيعاب نمط الحكم الذاتي بعد، لذا فإن التقاء الصراع الداخلي مع الخارجي عمل بشكل سريع على إبراز مفهوم الهوية كمشروع وحجة لتفادي أطروحات المعارضة الديمقراطية، ولمقابلة غضبها في البلدين. وذلك الغضب في أصله ناتج عن تقلص مساحات الحرية يوماً بعد يوم، وسوء الأحوال الاقتصادية والأمنية.

وبالنسبة لدولة الجنوب بشكل خاص، فإن انشغالها الداخلي ببناء دولة جديدة عبر ترتيب يعيد إدماج النخب السياسية، يجعلها تنزع نحو الخارج بما يصوّر الصراع مع السودان ويرسخ قناعة مفادها تمنّع الحكومة السودانية في الوصول إلى حلول توافقية معه، ويهيئ بالتالي لجوءها إلى الحل الإقليمي بديلاً ومنجّياً من التدخلات الدولية.

هل ينجح الدور الأفريقي؟
توجست الدول الأفريقية من فكرة انفصال جنوب السودان، حيث رأت أن شرارة التقسيم وتقرير المصير ستنعكس على دول القارة الأفريقية، خاصة مناطق النزاع فيها. وبعدما تم الانفصال كأمر واقع تحسس كل نظام حدوده، وأعلنت كيانات إقليمية عن قلقها من الانفصال وانتقال النزاع الأهلي الداخلي إلى آخر خارجي بين دولتين جارتين، وتعاظم الاهتمام الإقليمي -خاصة الأفريقي- بقضايا السودان. 

وتمثل ذلك الاهتمام في دور الاتحاد الأفريقي الذي أعلنت مبادئه العامة الحفاظَ على وحدة الدول الأفريقية. ولم يقف الاتحاد عند حد تحذيره من عودة الحرب مجدداً بعد الانفصال، وتوجسه من أن ينتقل إلى دارفور ومناطق نزاعات أخرى سودانية وأفريقية، وإنما دخل كوسيط وراعٍ أساسي في المفاوضات لحل القضايا العالقة بين البلدين.

وقد ظهر دور مجلس السلم والأمن الأفريقي في هذا الخصوص عندما قدم الوسيط الأفريقي ثابو مبيكي مقترحاً بشأن قضية أبيي يقضي بإجراء استفتاء على تبعية المنطقة لأي من الدولتين.

في الواقع، يتحرك مجلس السلم من منطلق أهداف نصت عليها المادة الثالثة من بروتوكول المجلس، تشتمل على أهم الموضوعات ذات الصلة بالصراعات والسلم والأمن والاستقرار في القارة الأفريقية. ولكن المعضلة التي تواجه هذه الأهداف الموضوعة هي ما يتعلق بالنص الذي يربط هذه الأهداف بمبادئ قلما تتحقق أو يمكن تطبيقها في دول أفريقيا، بما فيها دولتا السودان، مما يصعّب المهمة على المجلس.

ومن هذه المبادئ تعزيز الحكم الرشيد والممارسات الديمقراطية وتشجيعها، وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، واحترام قدسية حياة الإنسان والقانون الإنساني الدولي كجزء من الجهود الرامية إلى منع الصراعات.

ويتعامل مجلس السلم والأمن الأفريقي مع مرحلة المفاوضات انطلاقا من المبادئ الواردة في بروتوكول المجلس والتي تنص على التسوية السلمية للنزاعات، واحترام الحدود الموروثة عند نيل الاستقلال، واحترام سيادة الدول الأعضاء ووحدتها، مع حق التدخل في شؤونها الداخلية في ثلاث حالات فقط هي: جرائم الحرب، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية.

مرحلة المفاوضات الجارية الآن بين دولتي السودان وجنوب السودان متداخلة وشديدة التعقيد، وتتطلب إمكانيات ووسائل حل وكوادر فنية وإدارية لازمة لإنهاء النزاعات

ولكن بالنظر إلى تجربة المجلس في قضية دارفور واضطراره لإحالة القضية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، يصعب الإقرار بجدوى تدخله ثانية، خاصة أن مرحلة المفاوضات الجارية الآن بين دولتي السودان وجنوب السودان بغرض حلحلة أزمات متداخلة وشديدة التعقيد، تتطلب إمكانيات ووسائل حل وكوادر فنية وإدارية لازمة لإنهاء النزاعات والوصول إلى حلول سلمية.

وكما لم تدم وحدة السودان من قبل فإن مشروع الاتحاد الأفريقي نفسه لم يكتمل بسبب تضعضع المقومات السياسية والاقتصادية، وبذا غابت البنيوية التعاونية والتشاركية في هذه المجالات.

ورغم وجود الاتحاد الأفريقي وممارسته لنشاطاته فإن بعض المراقبين يرون أنه اتحاد افتراضي أخذ من سياقه الإقليمي عنصر تأسيس، ولكن إنجازات مشاريعه المعلنة ما زالت قيد التنفيذ، وذلك يصعّب الأمر كثيراً على الدولتين في التغلب على التحديات التي تواجه تطبيق الاتفاقيات، خاصة على السودان الذي يمّم وجهه شطر أفريقيا "مكرَها لا بطلا".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك