عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني

تقييم الثورات
التهديدات الإستراتيجية
الثورة المضادة

بعد مرور عامين على اندلاع الثورات العربية، بدا واضحاً أنه لم يعد ممكناً الاستخفاف بخطورتها الفائقة على "إسرائيل"، فقد تواصلت متابعاتها الحثيثة لتطوراتها الميدانية في العواصم العربية، على مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية، وطغى مشهد الثائرين العرب في ميادين التحرير، على مجمل تحركاتها السياسية، ولم يبد ما يحصل في شوارع القاهرة وتونس وطرابلس ودمشق شأناً عربياً داخلياً، بل إسرائيلياً بامتياز!

تقييم الثورات
اعترفت إسرائيل بأن الثورات العربية جاءت بمفاجأة تامة لما يعرف بـ"مجتمع المخابرات"، مما تطلب الحاجة لمراجعة عميقة للأحداث التي قد تؤثر على مفهوم الأمن الإسرائيلي، خاصة أنها لم تتوقع شدة هذه الثورات، وقدرت بأن قوات الأمن في تلك البلدان، ستعرف كيف توقفها، مما شكل مفاجأة غير سارة لها، وسجلت أجهزة الاستخبارات في غير مصلحتها "قصوراً مجلجلاً".

ولذلك عقدت المحافل السياسية ودوائر صنع القرار الإسرائيلي سلسلة طويلة من الجلسات لمناقشة التقديرات الخاصة بالثورات العربية، بمشاركة أعضاء مجلس الوزراء المصغر للشؤون السياسية والأمنية، وكبار ضباط هيئة الاستخبارات العسكرية، وجميع الجهات والمراجع المختصة في تقديرات الموقف، وأكدت جميع توصياتها على نتيجة خطيرة مفادها عدم معرفة مصير اتفاقات السلام مع الدول العربية، لاسيما مصر، أكبر دولة عربية، كونه أخرجها من دائرة الصراع، وغيّر قواعد اللعبة، مع حلول الإخوان المسلمين في مواقع صنع القرار.

استيقظت "إسرائيل" على واقع جديد يتشكل في المنطقة، فاتسمت ردود مسؤوليها بالتخبط حيناً، وبإظهار اتزان مفتعل حيناً آخر، وتبادل الاتهامات بين المستويات الأمنية والسياسية والعسكرية حيناً ثالثاً

وطالبت هذه الجهات في توصياتها بوجوب قيام الحكومة بخطوة دراماتيكية تؤدي إلى حل النزاع مع الفلسطينيين، لتقوية ما توصف بـ"الدول المعتدلة" في المنطقة أمام "المخاطر المحدقة"، في ظل التخوف من تداعيات هذه الثورات، باعتبار أن الأنظمة "الإسلامية" الجديدة ستكون منشغلة بتحقيق استقرار شعوبها وتطلعاتها، مما قد يؤثر على استقرار "إسرائيل" في المنطقة.

ولفتت بعض الأوساط الدبلوماسية الإسرائيلية إلى أنه منذ اندلاع الثورة المصرية، ازدادت "برودة السلام البارد أصلاً" مع القاهرة، ويمكن ملاحظة المؤشرات الدالة على ذلك مما دفع بها للتأكيد أنها تعيش فترة من انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط، في ضوء "الزلزال الإسلامي" الذي يضرب العالم العربي حالياً.

ولعل ما جعل الثورات العربية تشعل المزيد من الأضواء الحمراء لدى صناع القرار في تل أبيب إظهارها بما لا يدع مجالاً للشك أن سلامها كان مع شخوص الحكام، وليس مع الشعوب العربية، وإدراكها متأخراً أن موقف الرأي العام العربي أبعد كثيراً عن التطابق مع رأي الأنظمة، وبدأت تتحسس الآثار المحتملة على تسارع تدهور العلاقات العربية الإسرائيلية، واحتمالات تراجعها، ما يعني أن وتيرة التطبيع ستتراجع، في ظل حكم الإسلاميين، وأي علاقة معها ستكون محفوفة بالمخاطر في المدى الزمني المنظور.

ولذلك وصفت إسرائيل ما يحدث في عواصم العرب، بأنها "مأساة" تحل بها نتيجة تغيير أنظمة حكمها، ما يعني ترجيح عودة العلاقات الثنائية لما كانت عليه قبل عدوان 1967، ويطرح تخوفاً كبيراً، بالنظر لتبعاته بعيدة المدى، حين تتوجه الشعوب العربية لصناديق الاقتراع، وانتخابها للقوى الإسلامية المعادية لـ"إسرائيل".

بصورة أكثر تفصيلاً، تفترض "إسرائيل" أنّ القوى المعادية، خاصة الإخوان المسلمين، سيسيطرون على مقاليد الحكم، وبعد مرور فترة زمنية سيمتدون للجيوش، لتشكل تهديداً لجيشها الأقوى في المنطقة، وهنا تكمن مشكلتها الكبيرة، لأن ذلك سيعني بصورة أو بأخرى تحديد الإسلاميين في العقود القادمة القريبة للأجندة السياسية في هذه البقعة الجغرافية الأكثر سخونة في العالم.

وطالما أن "إسرائيل" مسكونة بالمخاوف الأمنية المتواصلة، فإنها ستبقى تعادي كل التحركات الثورية العربية، من خلال استمرارها بالتلويح بما تسميه "فزاعة الإسلاميين"، ومع توالي الأحداث في الشرق الأوسط، وتداعي الأنظمة العربية مثل أحجار "الدومينو"، استيقظت "إسرائيل" على واقع جديد يتشكل في المنطقة، فاتسمت ردود مسؤوليها بالتخبط حيناً، وبإظهار اتزان مفتعل حيناً آخر، وتبادل الاتهامات بين المستويات الأمنية والسياسية والعسكرية حيناً ثالثاً.

التهديدات الإستراتيجية
شعرت إسرائيل منذ اللحظة الأولى للثورات العربية أنها بصدد "هزة أرضية" تضرب منطقة الشرق الأوسط لم تشهد لها مثيلا منذ عشرات السنين، مما جعل صناع القرار فيها يحثون الخطى لفهم المعاني الناشئة عن التطورات في المنطقة، مع منح التغيرات الحاصلة في الدول المجاورة حيزاً أكبر من البحث والتحليل، خاصة مع قدوم فاعل جديد فيها بقي مغيباً طوال عقود ماضية، وهم الإسلاميون.

وتعلقت مخاوفها العسكرية من تبعات الثورات، لاسيما المصرية، بفرضيات أساسية رافقتها في الـ32 سنة الأخيرة، تتمثل بأنه في كل سيناريو محتمل، من غير المتوقع مواجهة عسكرية مع مصر، مما سمح لها بالخروج إلى حربين في لبنان 1996، 2006، وتنفيذ عمليتين واسعتين في الأراضي الفلسطينية، ممثلة بالسور الواقي في 2002، ورصاص مصبوب في 2008، انطلاقاً من المعرفة بأنها لن ترد بصورة عسكرية.

وفي الوقت الذي اعتبرت "إسرائيل" السلام مع مصر مكسباً إستراتيجياً، سرت مخاوف من تعزز المعسكر الإسلامي المعادي لها، ما يحتم على الجيش أن يكون مستعداً، ويقاتل على جبهات عدة في وقت متزامن، في ظل خشية حقيقية من تحول الجيش المصري إلى مناوئ لها، وألا تتمكن من الاعتماد عليه في أوقات الأزمات، ما يجعلها تبحث عن بدائل له، لتعزيز استقرارها، باعتبار أن ما شهدته المنطقة من تغيرات كبيرة تحدث حولها، تزيد "سحب الضباب المتلبدة في سمائها".

وكل ذلك سيتطلب منه أن يجعل واجبه الأساس الحفاظ عليها قوية وجاهزة، وهو ما تحقق فعلاً بحملة الإقالات التي قام بها الرئيس المصري بحق جملة القادة العسكريين القدامى، واستبدالهم بقادة جدد، لم يبدوا تلك الحميمية في العلاقات مع نظرائهم الإسرائيليين.

ويمكن اعتبار الانعكاس الفوري لنجاح الثورات العربية، وصعود الإسلاميين عقبها، أشبه بـ"قطار تحت الأرض لتهريب وسائل قتالية"، لتوسيع قوى المقاومة في غزة، وتحول "الجبهة الجنوبية إلى نقطة ذات خطورة عالية جداً، أكثر من القطاع اللبناني، ويكفي أن المصريين سينقلون الجيش إلى سيناء بشكل دائم، فيما سيعود الإسرائيليون لوطأة أيام الاحتياط كما السنوات السابقة لحرب الأيام الستة عام 1967.

يمكن اعتبار الانعكاس الفوري لنجاح الثورات العربية، وصعود الإسلاميين عقبها، أشبه بـ"قطار تحت الأرض لتهريب وسائل قتالية"، لتوسيع قوى المقاومة في غزة

كما أن مستجدات الواقع المحيط بـ"إسرائيل"، وتعزّز قوة المعسكر الإسلامي المعادي لها في المنطقة، تنطوي على مخاطر جمة، مما يتعين عليها أن تكون مستعدة في أكثر من جبهة، ما يحمل دلالات مهمة بالنسبة للجيش، وفي الوقت نفسه تجهيز الجبهة الداخلية لتصبح أفضل مما كانت عليه أثناء حربي لبنان الثانية في صيف 2006، وغزة في شتاء 2008، 2012، وهو ما يستلزم قيامها باستعدادات سياسية وعسكرية لمنع هذه التغيرات من التحوّل إلى تهديدات إستراتيجية.

وهو ما دفع بوزارة الخارجية الإسرائيلية للتحذير من تبعات وآثار نفوذ الإخوان المسلمين في مصر والبلاد العربية الأخرى جيداً، وحماس جزء منهم، لأنهم يريدون القضاء على "إسرائيل"، ما يعني أن المنطقة برمتها تتوجه نحو صفحة جديدة، مما يحتم عليها أن تحافظ على قوتها، والسعي لإيجاد الطرق الملائمة لدفع المسيرة السياسية، بعد أن تسببت الثورات العربية بإحداث "خلل إستراتيجي" أصاب المنطقة، بفعل تنامي الحركات الشعبية والتيارات الإسلامية، وانتكاس العلاقات الإسرائيلية العربية، والتململ من "الرعونة" الإسرائيلية في مجال التسوية السياسية.

الثورة المضادة
في ضوء التطورات "الدراماتيكية" الحاصلة في دول الربيع العربية، وكيفية تعامل إسرائيل معها، بذلت بعض الدوائر الإسرائيلية جهوداً كبيرة وحثيثة على صيغة "الثورة المضادة"، على أمل أن تنجح في اختراق بعض الجماعات، والاندساس بينها.

في هذا السياق، رصدت الكثير من الدوائر الإعلامية والبحثية الإسرائيلية أنشطة هذه الجماعات المعارضة منذ فترة طويلة، لمعرفة طبيعة نشاطها بالصورة التي أهلتها لإسقاط الحكم في بلدان الثورات، في ظل حالة الاحتقان الشعبي الذي يتصاعد بصورة "دراماتيكية"، ووصولها إلى تحديد بعض سماتها، على النحو التالي:

أ‌- سوادها الأعظم من الشباب الذين لا تتعدى أعمارهم الـ35-40 عاماً.

ب‌- يتميزون بالمهارة في استخدام وسائل الاتصال والتقنيات المتقدمة، سواء "الفيسبوك" أو الإنترنت، والتكنولوجيا بصورة عامة.

ت‌- دخول عدد من المستخدمين الإسرائيليين إلى غرف ومنتديات الدردشة السياسية، التي أقامها هؤلاء الشباب المعارضون للدعوة للتغيير، وتابعوا ما كتب فيها، ورصدوا، ووضعوا الكثير من التعليقات عليها، بل ونجحوا بالانضمام إلى تلك المجموعات مستخدمين أسماء مستعارة لمراقبة تطورات الموقف، ورصد جميع التعليقات والأنشطة الاحتجاجية التي ينوون القيام بها.

ث‌- أعضاء هذه الجماعات الاحتجاجية من مختلف الطبقات الاجتماعية، لكنهم يعانون من نفس حجم المشاكل، والأزمات بصورة أو بأخرى.

وقد بلورت أجهزة المخابرات الإسرائيلية خطة لزرع عدد كبير من الإسرائيليين في عدد من الدول العربية الملتهبة سياسياً من أجل متابعة تطورات الموقف السياسي بها، وتم تقسيمهم إلى مجموعتين رئيسيتين:

1- صحافيون يتابعون ما يجري، وينقلونه إلى صحفهم، أو القنوات الإعلامية التي يعملون بها.

2- نشطاء دوليون يسافرون إلى هذه الدول، تحت غطاء بعض المنظمات الدولية.

لا يمكن وصف حسرة إسرائيل على مغادرة أصدقاء مخلصين لها عروش الحكم العربية، إلا أنها تخاف منها، ومن نتائجها العكسية بين الشعوب العربية

وبالفعل، فقد تدفق هؤلاء على العواصم المشتعلة بالثورة بداية من تونس ثم مصر وليبيا والعراق وعمان والبحرين واليمن، لمتابعة تطورات الموقف السياسي بها، وبات من الطبيعي، ومع متابعة الصحف أو القنوات التلفزيونية الإسرائيلية اكتشاف مراسلين ينقلون رسائل حية من الدول العربية، وقد دخلوها باعتبارهم صحفيين أجانب مستغلين حالة الارتباك السياسي هناك, مما سهل لهم دخولها، ونقل ما يجري فيها بالصوت والصورة.

أخيراً.. فلا يمكن وصف حسرة إسرائيل على مغادرة أصدقاء مخلصين لها عروش الحكم العربية، وقرب زوال آخرين، مقابل تولي أعدائها الإسلاميين لسدة الحكم، ورغم أنها تتشدق بالديمقراطية، إلا أنها تخاف منها، ومن نتائجها العكسية بين الشعوب العربية، التي لو أدت لانتخابات حقيقية على موقف سياسي، ستكون فيه بالتأكيد أول الخاسرين، وهو ما أثبتته الثورات العربية في العامين الأخيرين، بقدوم الحركات الإسلامية بصورة جماعية إلى منابر البرلمانات ومجالس الشعب والمقاعد الوزارية.

كما أن حقيقة مخاوف الموقف الإسرائيلي من تعاظم "كرة الثلج الإسلامية" رويداً رويداً، وتغير الأنظمة العربية المقربة منها، يعود إلى ما سيسفر عنه من تغير جذري في الموقف الإقليمي، لأنه لن يكون بوسع الأنظمة الجديدة تجاهل مشاعر جماهيرها فيما يتصل بالعلاقة مع تل أبيب، حتى الدول التي قد لا تتغير أنظمتها بالكامل لاعتبارات معينة، ستضطر لتغيير موقفها من القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك